352

Dalil Wa Burhan

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

فإن قال قائل: فمن أين جاز للفتى أن يقول: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) أمن جهة الشرع علم ذلك، أم من جهة سوء الظن بالشيطان فساغ له ذلك ؟ وهل يسوغ لأحد منا اليوم مثل هذه القولة ؟ وهذا كله لم يشاهد للشيطان ولم يبصره حتى يقع له منه النسيان ؟

اعلم أن الشيطان عدونا قال الله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) والله تعالى جعله مأوى للشر وموطنا له وأباح لنا الله - عز وجل - معاداته، وإن لم يكن النسيان من أفعاله فإن له فيه نصيبا وحرمان الذكر.

وفي تسليم موسى للفتى قوله وإقراره عليه ولم يرده عنه، علمنا أنه مباح لنا سائغ، ونحن في أثر الفتى يوشع بن نون مسرعون وله متبعون، ونقضي للشيطان بكل سوء وكل شر وإن لم نبصره لأنه موضع الشر ومعدنه ومأواه.

واعلم أن النسيان من طبع الإنسان وبه سمي الإنسان إنسانا، وللإنسان فيه نصيب مهما أعرض عن كذر شيء مرة بعد مرة نسيه.

وقد عذر الله - عز وجل - المؤمنين في النسيان قال الله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) في عشر كرامات، أجابهن الله تعالى للمؤمنين فيهن النسيان، قال الله تعالى إذ سألوه إياهن وقد تضمنتهن الآيتان اللتان في آخر سورة البقرة: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون...) الخ السورة وفيهن: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا...) فذكر الله تعالى ذلك عنهم في معرض الامتنان عليهم والحاجة منهم.

وتحق للخاطبة الإجابة، وقد وعد الله - عز وجل - الإجابة في موضع فقال: (ادعوني استجب لكم) على انه لا يليق بالباري سبحانه أن يظهر على نفسه سؤال المسلمين ثم لا يجيب لهم، مثل أفعال اللئام المانعين، وسوء الثناء منفي عن رب العالمين.

فإن قال قائل: فهل يكون الجواب على معنى الحاجة، ضرب أو نفعت، أو مقدار ما طلب العبد، أو يتفضل الباري سبحانه فيعطي أكثر مما طلب العبد منه ؟

Bogga 188