511

Cuyun Athar

عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير

Daabacaha

دار القلم

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

١٤١٤/١٩٩٣.

Goobta Daabacaadda

بيروت

أصحاب رسول الله ﷺ خَرَجُوا وَهُم لا يَشُكُّونَ فِي الْفَتْحِ، لِرُؤْيَا رآها رسول الله ﷺ، فلما رأوا ما رَأَوْا مِنَ الصُّلْحِ وَالرُّجُوعِ وَمَا تَحَمَّلَ عَلَيْهِ رسول الله ﷺ في نفسه، دخل الناس في ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ حَتَّى كَادُوا يَهْلِكُونَ، فَلَمَّا رَأَى سُهَيْلٌ أَبَا جَنْدَلٍ قَامَ إِلَيْهِ وَضَرَبَ وَجْهَهُ وَأَخَذَ بِتَلْبِيبِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا محمد قد لحت [١] الْقَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ هَذَا، قَالَ: «صَدَقْتَ» فَجَعَلَ يَبْتَزُّهُ بِتَلْبِيبِهِ وَيَجُرُّهُ لِيَرُدَّهُ إِلَى قُرَيْشٍ، وَجَعَل أَبُو جَنْدَلٍ يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتُنُونِي فِي دِينِي، فَزَادَ النَّاسُ ذَلِكَ إِلَى مَا بِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّه جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضَعْفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ صُلْحًا، وَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَعْطَوْنَا عَهْدَ اللَّه، وَإِنَّا لا نَغْدِرُ بِهِمْ» . قَالَ: فَوَثَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَعَ أَبِي جَنْدَلٍ يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ وَيَقُولُ: اصْبِرْ يَا أَبَا جَنْدَلٍ، فَإِنَّمَا هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ، قَالَ: وَيُدْنِي قَائِمَ السَّيْفِ مِنْهُ، قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: وَدِدْتُ أَنْ يَأْخُذَ السَّيْفَ فَيَضْرِبَ بِهِ أَبَاهُ، قَالَ: فَضَنَّ الرَّجُلُ بِأَبِيهِ ونفذت القضية. فَلَمَّا فَرَغَ الْكِتَابُ [٢]، أَشْهَدَ عَلَى الصُّلْحِ رِجَالا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرِجَالا مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بْن الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَن بْن عَوْفٍ، وَعَبْد اللَّهِ بْن سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص وهو مُشْرِكٌ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ هُوَ كاتب الصحيفة. وكان رسول الله ﷺ مُضْطَرِبًا فِي الْحِلِّ، وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصُّلْحِ قَامَ إِلَى هَدْيِهِ فَنَحَرَهُ، ثُمَّ جَلَسَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَكَانَ الَّذِي حَلَقَهُ فِيمَا بَلَغَنِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ بْن الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ، فَلَمَّا رَأَى الناس رسول الله ﷺ قَدْ نَحَرَ وَحَلَقَ [٣] تَوَاثَبُوا يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ. وَذَكَرَ ابن إسحق عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرَّحْمَةِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً.
وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدِهِ: أَنَّ عُثْمَانَ وَأَبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ مِمَّنْ لَمْ يَحْلِقْ، وَقَالَ ابْن أَبِي نَجِيحٍ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أن رسول الله ﷺ أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي هَدَايَاهُ جَمَلا لأَبِي جَهْلٍ فِي رَأْسِهِ بُرَّةٌ [٤] مِنْ فِضَّةٍ، لَيَغِيظَ بذلك المشركين. قال

[(١)] وعند ابن هشام: لجت أي تمت.
[(٢)] وعند ابن هشام: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُول اللَّهِ ﷺ من الكتاب.
[(٣)] وعند ابن هشام: فلما رأى الناس أن رسول الله ﷺ قد نحر وحلق.
[(٤)] وهي الحلقة التي تكون في أنف البعير.

2 / 162