إن مستر بلونت الذي اشتهر بمحبة المسلمين والمدافعة عن المصريين، لما رأى ما وصلت إليه المسألة المصرية من الارتباك واشتداد الخطب فيها على حكومة إنجلترا وصعوبة تدارك الخلل الذي عرض لها؛ تدبر في حل للمسألة ونشره في التايمس فأحببنا نشره في جريدتنا مجملا وهو:
على الحكومة الإنجليزية أن تتفق مع سائر الدول على جعل البلاد المصرية مستقلة في إدارتها (يريد بذلك أن يكون حكامها منها لا من دولة أجنبية) ويكون الكافل لهذا الاستقلال جميع الدول بدون امتياز قوانين التصفية، واختصاصات الأجانب يجب تعديلها، كل مسألة يقع فيها اختلاف فلا يكون إنهاؤها إلا باتفاق الدول الأوروبية ، تحكم فيها بما تشاء، لا ينبغي أن يكون في الجندية ضباط من الأجانب، وقنال السويس يلزم أن يعتبر طريقا عاما يشترك فيه جميع الأمم ويكون تحت رعاية الدول جميعا، يجب أن تكون إدارة البلاد بيد حكومة يقيمها الأهالي بانتخابهم.
الفصل السادس والثلاثون
بريطانيا تمسح ظهر توفيق باشا
قالوا: إن زنجيا أسود، هائل المنظر، غليظ الشفتين مقلوب المشفرين، جاحظ العينين أحمر الحدقتين، بشع الوجه، أفطس الأنف، منكر الصورة، وكان يحمل ولدا في ليلة مظلمة يسير به في زقاق من أزقة بغداد، والولد كلما نظر إليه يفزع ويبكي وينتحب ويصيح ويعول، وكلما اشتد به الفزع مسح الزنجي ظهره وقال له: لا تخف يا ولدي فإني معك وأنيسك وحافظك من كل شر، وبعد تكرير هذه الملاطفات من الزنجي للصبي قال الصبي: يا سيدي إنما خوفي وفزعي منك لا من وحشة الظلام!
هذا شأن حكومة إنجلترا مع المصريين، كلما اشتدت الخطوب وعظمت المصائب وزاد الخلل في البلاد المصرية، مسحت حكومة بريطانيا على ظهر توفيق باشا ووزرائه بيدها الناعمة (وإنما هي نعومة الثعبان)، وأقبلت على الأهالي تمنيهم بوعودها المرونقة، وتقول لهم: لا تحزنوا؛ فإني معكم، وجميع المصريين من توفيق باشا إلى وزرائه إلى عامة الأهالي يجئرون وينادون: إنما خوفنا وجزعنا منك، وراحتنا واطمئناننا بتنحيك عنا وتركنا وشأننا.
الفصل السابع والثلاثون
أضحوكة
قال مستشار خارجية إنجلترا لبعض سائليه في مجلس البرلمان: إن الجنرال جوردون عندما أجاب محمد أحمد على بلاغه الأخير لم يخاطبه بلقب سلطان كوردفان، بل عنون الجواب بلفظ شيخ، وبناء على هذا فقد صار لقب سلطان كوردفان الذي منحه له الجنرال جوردون لاغيا، يعني أن محمد أحمد خلع من سلطنة كوردفان عندما طمح نظره إلى الخرطوم وطلب من الجنرال أن يدخل في دين الإسلام، لكن محمد أحمد لم يتمتع بتلك السلطنة اللفظية؛ لأنه لم يقبلها عند عرضها عليه، فلا يحزن من هذا الخلع الجديد، أليس بعجيب أن يسمع من أفواه رجال سياسة بريطانيا مثل هذه المهملات، بعدما قيل فيهم إنهم من أدهى رجال العالم ؟! ولعل الأضاحيك من أساليب السياسة عندهم.
الفصل الثامن والثلاثون
Bog aan la aqoon