Carais Bayan
عرائس البيان في حقائق القرآن
سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذيوا بئايتنا وكانوا عنها غفلين (146) والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (147))
قوله تعالى : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) أي : من سنة الله سبحانه إذا أراد أن يشرف عبدا من عباده بمقام لم يكن له ذلك وقربه منه وناجاه وأظهر عليه عجائب ملكه وملكوته ، يصفيه عن كل كدورة ، ويخلصه عن كل همه ، ويروضه بأنواع مجاهدة ، ويخلي بطنه عن الطعام والشراب إلا ما يقوى به صلبه ليحرق بنيران الجوع غواشي قلبه ، وتقدس من قلبه مكان نظره ، ويغسل بمياه المجاهدة جوارحه ، ويزويه في الخلوات ، ويشوقه بلطائف المناجاة إلى المشاهدات وله أوقات وساعات لفتح أذان قلوب أوليائه وأبصار أرواح أصفيائه ؛ ليسمعها كلامه ويبصرها جماله وجلاله ، وتلك أوقات تضوع عطر مشاهدته لأهل خلواته ومناجاته لا يستنشق تلك الروائح إلا المعترضون لها في المراقبات والرعايات ، وأخبر من تلك الأسرار سيد أهل الأنوار صلى الله عليه وسلم بقوله : «إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لنفحات الله» (1)، ومن تلك الأربعين صارت الأربعين سنة لأولياء الله في بداية أمرهم في الخلوة والرياضة بخلوص نياتهم مع الله سبحانه ؛ لوجدان حكمته الأزلية وأبنائه العجيبة ، ومكاشفته البديعة ؛ لأنها عرائس الله لا تنكشف إلا المتفرد عن غير الله ، وأخبر بشرائف ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : «من أخلص الله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قبله على لسانه» (2)، ما طاب زمان الوصال ومواعيد كشف الجمال لما طاب وقت كليم الله في مناجاته حبيبه بعد تمام ثلثين ليلة لم يستوف وطره من لذيذ خطابه ولطف جماله ؛ فعلل بالسؤال ليستزيد المقام في شهود العين ، فعلم تعالى حرق شوقه ولهيب حزنه وزيادة عشقه ومحبته ، فزاد على أوقات الوصال بقوله : ( وأتممناها بعشر )، وقال : ( فتم ميقات ربه أربعين ليلة )، ومراده بالأربعين تواتر الحالات والاستقامة في الواردات ؛ ليحتمل بعد ذلك بها أوقات بديهات الكشوف وبروز أنوار القدم ذكر الليالي لخلو الأسرار عن نظر الأغيار وصفاء المواصلة عن غبار المخالفة ، فيالها من سماع ما أطيبه ومن خطاب ما ألذه من جمال ما أشهاه ومن قرب ما ألطفه.
فكان بالعراق لنا ليال
سلبناهن من ريب الزمان
Bogga 459