وحالة الحالم عندما يقص حلمه تدل على معنى الحلم، اعتبر مثلا رجلا يقص عليك أنه رأى في نومه أنه ينتحر، وأنه كان في النعش والجنازة خلفه، ثم آخر يقص عليك مثل هذا الحلم؛ فإذا كان أحدهما يقصه وهو يضحك فرحا فهو - بلا شك - ينوي الانتحار؛ لأن الموت لا يرهبه بل يغريه، أما إذا يقص كان الحلم وهو متألم يتضرر من التفاصيل التي يسردها فحالته هذه تبعث على الطمأنينة؛ أي إنه فكر في الانتحار ولكنه لا يزال يخشى الموت، والأغلب عندئذ أنه لا يجرؤ على الإقدام عليه.
وأحيانا تفور بنا الكامنة وتتغلب على وجداننا، فنهب من الفراش ونحن لا نزال في النوم ونؤدي أعمالا مختلفة في البيت، أو حتى نخرج إلى الشارع، ونؤدي حركات رمزية، وكثيرا ما يقع بعض الناس في أخطار هذه الحالات.
وأحيانا تفور الكامنة أيضا وتتغلب على وجداننا؛ فإذا كان أحدنا يكره زوجته فإنه ينسى البيت ولا يعرف الشارع الذي يقع فيه، وقد يبقى على ذلك شهورا أو سنوات، ثم يعود إلى وجدانه، ولهذا تزدوج شخصيته: الشخصية الأولى التي يعرف بها بيته وزوجته وأولاده، شخصية الوجدان الأصلي عنده، ثم شخصية أخرى تتغلب فيها كامنته حين ينسى بيته وزوجته وأولاده.
وأخيرا تتغلب الكامنة أحيانا تغلبا تاما على الوجدان بالسيكوز؛ أي: الجنون.
وقد آثرنا عبارة العقل الكامن على عبارة «العقل الباطن»؛ لأن الكمون ينطوي على معنى التربص والنشاط، وهما صفة الكامنة، ولكن عبارة العقل الباطن توهم بالركود والخمود وليسا هما من صفات الكامنة.
الكابوس وأسبابه
قل منا من لم يعرف الكابوس، وهو حلم مثل سائر الأحلام يدل على أننا كظمنا عاطفة، فلما نمنا وزال عنا الوجدان برزت وحققت وجودها، والمبدأ العام في الأحلام هو أنها تحقق شهوة أو رغبة مكظومة يتضح في الكابوس كما يتضح في أي حلم آخر.
فالحضارة التي نعيش فيها تمنعنا من التعبير عن مخاوفنا؛ فالتلميذ مثلا يكره الامتحانات ويخشاها ويود لو يفر منها، والجندي يخشى المعركة، وهو يتخذ موقف الشجاعة مضطرا، والموظف الذي تلاعب بأموال الحكومة يخشى الافتضاح، والأم تخاف الأخطار العديدة التي يلقاها ابنها في الشارع، والمالي يخشى الإفلاس، وهو دائم الهم بشأن الأسعار والأسهم، والمريض يخشى الموت أو مشرط الجراح.
وكل هذه الهموم نكظمها ولا نتحدث أو نفصح عنها، وكأنها أسرار مقفلة في نفوسنا لا نحب أن أحدا يعرفها، حتى لا يعيرنا بالجبن أو بغير ذلك من الرذائل؛ فإذا نمنا استباحت عاطفة الخوف طريق الانفراج ؛ ولذلك يصرخ التلميذ والجندي والموظف والأم والمالي والمريض، وهم في صراخهم لا يحلمون بالمشكلة التي كانت في صحوهم سببا لهذا الكابوس في النوم؛ لأن الأحلام تتخذ أساليب قديمة؛ فالمشكلة العصرية بشأن الامتحان عند التلميذ، أو البورصة عند المالي تتخذ أسلوبا قديما يمثل الإنسان (بل الحيوان) البدائي في الغابة، أو ما يقارب هذا في الرمزية؛ ولذلك نجد هؤلاء جميعا يبكون أو يصرخون في النوم؛ لأنهم يرون وحشا يتربص بهم الموت، أو ما يرمز إلى هذا الوحش من رجل يحمل سكينا يطلب قتلهم، أو لصا تحت السرير يستعد للوثوب.
وقد سبق أن قلنا: إن الإنسان في نومه يلغي وجدانه وتبقى عواطفه وانعكاساته، فهو في حال تفكيرية وقت النوم تشبه الحال التفكيرية للزواحف والسمك وقت الصحو، واستجاباته تشبه استجاباتها؛ ولذلك تجري الأحلام على منطق قديم، وإن كانت البواعث التي أثارتها عصرية.
Bog aan la aqoon