Cadd Tanazuli
عد تنازلي: تاريخ رحلات الفضاء
Noocyada
خلال صيف عام 1962، أطلقت ناسا مركبتي سبر إلى ذلك الكوكب، أملا في أن إحداهما على الأقل قد تنجح في الهبوط على سطحه. مرت المركبة التي بلغت عطارد، وهي «مارينر 2»، على الكوكب في منتصف ديسمبر، لتكون بذلك أول رحلة ناجحة إلى كوكب آخر. لم تحمل المركبة أي كاميرات، بيد أن أجهزة قياس مستوى الإشعاع للأشعة تحت الحمراء والموجات المتناهية الصغر أتاحت لها وسيلة قياس درجات الحرارة في عطارد. تبين أن درجات الحرارة مرتفعة حقا، حيث بلغت درجة حرارة السطح 800 درجة فهرنهايت، وهي درجة حرارة مرتفعة للغاية بما يكفي لصهر الرصاص. بالإضافة إلى ذلك، كانت درجات الحرارة على سطح الكوكب بنفس هذا الارتفاع تقريبا أثناء الليل؛ مما يشير إلى أن الكوكب به غلاف جوي كثيف وسميك للغاية يمكنه الاحتفاظ بالحرارة ونقل قدر هائل منها.
باختراق «مارينر 2» لسحب عطارد، انتهت فترة التوقعات غير الأكيدة وغير الواضحة، حيث بدأ علماء الكواكب ينظرون إلى هذا الكوكب باعتباره عالما مر بأحوال سيئة في وقت مبكر جدا. كان في مثل حجم الأرض تقريبا، لكن كوكبنا كان به محيط من المياه، بينما كان عطارد يختنق تحت غلاف جوي من ثاني أكسيد الكربون في ظل ضغط جوي سطحي يزيد مئات المرات عن ضغط السطحي لكوكب الأرض. حض هذا الأمر العلماء على اعتقاد أن العالمين قد تشكلا في البداية كتوأم حقيقي، وهو ما كان يعني أن الأرض كانت تحتوي حتما على مكون مكمل من ثاني أكسيد الكربون مثلما في عطارد، بينما كان عطارد يمتلك مصدرا رئيسيا من المياه. مع ذلك، لم يكن من الصعب فهم كيف اتخذ كل من الكوكبين هذا المسار المختلف في تطوره.
توافر دليل مهم من الجيولوجيا الأرضية مباشرة. كان علماء الجيولوجيا يعلمون أن الأرض تحتوي على كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون، لا كغاز في الغلاف الجوي، بل في صورة صخور جيرية وكربونية. كانت التفاعلات الكيميائية، التي تحدث في المحيطات، قد استخلصت الغاز من الغلاف الجوي وأدت إلى تكون الصخور. مع ذلك، يمكن فهم عطارد من خلال افتراض أن الكوكب لم يصل قط إلى مستوى البرودة الذي من شأنه أن يؤدي إلى تكثف المياه الموجودة على سطحه. نظرا لغياب المحيطات، كان ثاني أكسيد الكربون يخترق الغلاف الجوي لكوكب عطارد دون قيود، وهو ما كان ينجم عنه ظاهرة الاحتباس الحراري، حيث يسمح لأشعة الشمس باختراق سطح عطارد مع احتجاز الحرارة عن السطح على النحو الذي تنتج عنه تلك المعدلات المفزعة في درجات الحرارة.
لكن ماذا حدث للماء؟ البخار الساخن نشط جدا كيميائيا؛ ومن ثم فمن الممكن أن يتفاعل مع أول أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي، ومع الصخور ذات الأسطح الساخنة، مؤكسدا كليهما. بالإضافة إلى ذلك ، من الممكن أن تقسم الأشعة فوق البنفسجية الصادرة عن الشمس جزيئات الماء، فتؤدي إلى إطلاق الأكسجين لمزيد من التفاعلات من هذا النوع، في حين يكون جزيء الهيدروجين جزيئات خفيفة الوزن تهرب إلى الفضاء، مخلفة عالما جافا من القحل والحرارة الخانقة.
ربما كانت الأرض ستفقد محيطاتها على نحو مشابه نوعا ما، بيد أن غلافها الجوي كان يحظى بخواص وقائية يفتقر إليها عطارد؛ إذ كانت الأرض تحتوي على طبقة ستراتوسفير باردة كانت بمنزلة حاجز يبقي بخار الماء في ارتفاعات منخفضة. بالإضافة إلى ذلك، ترجع نشأة الحياة إلى فترة مبكرة في تاريخ الأرض؛ مما أدى إلى غلاف جوي غني بالأكسجين، ومن هذا الأكسجين تشكلت طبقة الأوزون، الذي حال دون وصول معظم الأشعة فوق البنفسجية عن طريق امتصاصها. اعتمد مصير العالمين، عالم الأرض وعالم عطارد، على هذه الفروق الدقيقة.
كان المريخ عالما آخر؛ إذ كان النظر إليه عند أقرب موضع مثل النظر إلى كرة محيطها قدم واحدة على مسافة ميلين، ومع ذلك ربما كانت أفضل المناظير لترسم ملامح الكوكب على نحو مفصل، عارضة تضاريس صغيرة يبلغ محيطها نحو عشرين ميلا. تسببت حركات الغلاف الجوي للأرض، المسئولة عن تلألؤ النجوم، في فشل كل محاولات التصوير الفوتوغرافي؛ حيث أعطت صورا ضبابية. مع ذلك، كانت ثمة أوقات يلتقط علماء الفلك، بالنظر مليا عبر المكبرات، لحظات سكون نادرة للغلاف الجوي؛ مما كان يسمح لهم برؤية بعض هذه التفاصيل. بعد ذلك، كانوا يرسمون رسوما تخطيطية بسرعة، مدركين أن ظروف المشاهدة سرعان ما ستئول إلى الأسوأ؛ وبهذه الطريقة نجح العلماء في رسم خرائط كوكب المريخ.
أظهرت الخرائط مناطق خفيفة الألوان وأخرى داكنة الألوان تحمل أسماء غريبة وعجيبة كما لو أننا بصدد حلم: «تريفيوم تشارونتس»، «فاثونتس»، «إريدانيا». فماذا كانت تلك الأسماء؟ تضمنت الخرائط أيضا علامات خطية تظهر القنوات المشهورة، التي تحمل أسماء مثل «ديوترونيلس» (النيل المزدوج). هل كانت تمثل أي تضاريس جغرافية أم لم تكن سوى أشياء تراها العين والعقل اللذان يعملان في حدود الرؤية؟ ماذا كان «سوليس لاكوس» (بحيرة الشمس )؟ لماذا صار «سيرتس ميدجور» أكثر عتما على نحو لافت للنظر في عام 1954؟ هل كانت ثمة رمال في الجزيرة العربية أو ماء في نهر الفرات؟
في محاولة مبدئية للعثور على إجابات، أجرت مركبة «مارينر 4» التابعة لمختبر الدفع النفاث رحلة في يوليو 1965، مرت خلالها بالكوكب. كانت الرحلة تتطلب كامل العناية مثلما في «رينجر»، ولهذا السبب كان على متن المركبة نموذج مقياس ضوئي للأشعة فوق البنفسجية. كان المقياس الحقيقي عرضة للتقوس الكهربي من جراء فرق الجهد المرتفع؛ ومن ثم تعين تركه على الأرض، ومع ذلك لم يستطع مصممو «مارينر» فصل الجهاز ببساطة، وبدلا من ذلك ركبوا نموذجا مماثلا بنفس الوزن، وصقلوه لمنح درجة الانعكاس نفسها، وأعدوه بحيث يستخدم التيار الكهربي نفسه.
جاءت الصور التي التقطت خلال تلك البعثة كمفاجأة غير سارة بالنسبة إلى أولئك الذين كانوا يأملون في وجود حياة على سطح المريخ. أظهرت الصور وجود فوهات وسط مسطحات تشبه تماما المسطحات الموجودة على سطح القمر، وتبين أن الغلاف الجوي في المريخ رقيق، وأن الضغط أقل من واحد في المائة من الضغط السطحي للأرض. ترسخت هذه النظرة عن المريخ في عام 1969، مع إطلاق الصاروخ «أطلس-سينتاور» المركبتين «مارينر 6» و«مارينر 7»، وهما مركبتا متابعة. صورت المركبتان الكوكب عن بعد، وأرسلتا صورا غاية في الوضوح لم تستطع حتى التليسكوبات الأرضية الحصول عليها، ثم اقتربتا للحصول على لقطات أقرب، وأظهرت هذه اللقطات مزيدا من الفوهات.
لكن، ما رصدته هذه المركبات الفضائية الثلاث معا لم يكن سوى جزء صغير من السطح. أرسل مختبر الدفع النفاث، في خضم سعيه لإجراء مسح كامل، المركبة «مارينر 9» إلى المريخ في عام 1971 وزودها بصاروخ ارتكاسي كابح بحيث يمكنها الانطلاق في مدار. أمل مخططو البعثة في تتبع تغير موسمي؛ إذ عندما كان يحل الربيع على خطوط العرض الجنوبية، يبدأ الغطاء القطبي الجنوبي في الانكماش وتزحف موجة من الظلام شمالا، بسرعة عشرين ميلا في اليوم الواحد؛ إلا أن المريخ كان يتعرض أيضا لعواصف ترابية موسمية شديدة، وعندما وصلت «مارينر 9» في شهر نوفمبر ذاك، كان الكوكب محجوبا في الغمام من أقصى قطبيه إلى أدناهما. كانت هذه العاصفة التي اجتاحت المريخ هي أسوأ ما شهده رواد الفضاء على مدى قرن من رصد الكوكب؛ كانت العاصفة شديدة وعاتية عند مستوى سطح الأرض، وتلقت مركبة سبر سوفييتية أسوأ آثارها. أملا في التفوق على الأمريكيين، أرسلت موسكو مركبة فضائية للهبوط على سطح المريخ، غير أن المركبة أرسلت إشارات لمدة عشرين ثانية فقط قبل أن توقفها الرياح العاتية والغبار العاصف.
Bog aan la aqoon