إلا أن المرء قد يجلس للحكم بين الناس كما جلس عمر ولا يحسن الوصية فيه كما أحسنها، وإنما بلاغ حسن الوصية أن تجمع الخصلتين اللتين اجتمعتا في وصاياه لقضاته.
فما من أحد يستطيع أن يوصي قاضيا بخير مما أوصى، وما من عقدة قضائية تأتي من قبل القضاة أو من قبل المتقاضين إلا وهي ملحوظة في كلامه، وهاتان هما الخصلتان الباديتان في دستور القضاء كما أملاه. •••
ولا بد أن يلفت النظر في سياسته للولاية، وسياسته للقضاء، أنه كان يأخذ الواجب حيث وجب، وإن اختلف الواجبان.
ففي الولاية كان يتحرى البواطن ويمعن في تحريها، ولا يكتفي من الناس بالظواهر. وفي القضاء وما شابه القضاء كان يكتفي بالظواهر حتى تنقضها البينة
55
القاطعة، وكان يعلن هذه الخطة على المنبر، فيقول: «أظهروا لنا أحسن أخلاقكم، والله أعلم بالسرائر، فإن من أظهر لنا قبيحا وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقه، ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنا.» أو يقول: «إنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل، وإذ النبي
صلى الله عليه وسلم
بين أظهرنا، فقد رفع الوحي، وذهب النبي
صلى الله عليه وسلم ، فإنما أعرفكم بما أقول لكم، ألا فمن أظهر لنا خيرا أثنينا عليه، ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه.»
بل كان له في الأخلاق الاجتماعية مذهب ثالث يشبه مذهبه في القضاء، فكان يكره أن يكشف المرء من أخيه ما يستره عنه، وينهى أن تظن بكلمة شرا وأنت تجد لها في الخير محملا.
Bog aan la aqoon