Bulugh Arab
بلوغ الأرب وكنوز الذهب
وبعض ما جرى على أولها وامتحن به آخرها وذكر بعض عقائدها فيمن تقدم على أبيها وعليها، فمن ذلك ما قاله المنصور بالله عليه السلام في الكراس السادس من أول الجزء الثالث من (الشافي)(1) في جوابه على فقيه الخارقة لما ادعى أن العترة الطاهرة إنما هم مقلدون للمعتزلة وموافقون لهم في كل حالة وذلك ما لفظه: إنا بحمد الله أغنياء باتباع آبائنا عليهم السلام مصابيح الظلام، وبدور التمام، وصفوة الله من جميع الأنام، فبهديهم اهتدينا، وعلى أنوارهم سرينا، وهم معروفون عند وليهم محبة، وعند عدوهم جلالة ورهبة، وما يجهلهم إلا أنت وأمثالك من حثالة الحشوية وجرامة الأرجاء والجبر ورديء القدر؛ لأنك جعلت هذه المذاهب -يعني الإرجاء والجبر والقدر- لك مذهبا واحدا وصيرت تصنيفك عليك(2) شاهدا؛ فلو قلدنا من ذكرت من الجاحظ والنظام والعلاف والشخام لكنا على مثل رأيك الفاسد في التقديم للمشايخ على أمير المؤمنين، وهذا عندنا أكبر جرمهم فنحن نرميهم ونرميك عن قوس واحد فقد أخذنا الدين عن آبائنا تلقينا كما تلقن الصفوة أولادهم في حال الصغر، فلما بلغنا حد النظر اعتمدنا الدليل(3) فوجدنا قولهم أقوى الأقوال؛ لأن التقليد في الأصول(4) ذمه الله تعالى وحكاه عن الكافرين فقال:{ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون}[ ] ورد عليهم تعالى بقوله: {قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون}[ ] وذمه الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- بقوله فيما رويناه بالإسناد الموثوق به: ((من أخذ دينه عن التفكر في آلاء الله وعن التدبر لكتابه والتفهم لسنتي زالت الرواسي ولم يزل، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال وقلدهم فيه ذهبت به الرجال من يمين إلى شمال وكان من دين الله على أعظم زوال))(1)، ثم قال عليه السلام: وأما الجاحظ والنظام والإسكاف والشحام(2) فهم علماء المعتزلة الذين يرون رأي الفقيه في إمامة المشايخ وأن عليا في المنزلة الرابعة فكيف نقلدهم في هذه المسألة أو غيرها(3) لولا الجهل بمذاهب [151ب-أ] الرجال والمحبة للقيل والقال. انتهى كلامه عليه السلام هنا فأقول:
فصل قال المنصور بالله عليه السلام في آخر الجزء الثاني من (الشافي)(4) على حد كراسين تبقى من آخره في جوابه على قول فقيه الخارقة أنه يتولى الأول من العترة ولا يتولى من كان على منهاج المنصور بالله عليه السلام لكونه دان بالعدل والتوحيد، والوعد والوعيد، والنبوة والإمامة، وما يتعلق بذلك إذ قد خالف على زعمه بهذا الاعتقاد أصول سلفه الأئمة الأمجاد وذلك ما لفظه: ولما تكرر من فقيه الخارقة في خارقته في مواضع متعددة منها أنه لا يحب من أهل البيت المكرمين والعترة الطاهرين لا هو ولا أهل ملته(5) إلا من كان من الذرية الهادين تابعا لسلفهم الصالحين.
وأما من خالفهم من أولادهم ونسب الظلم إلى أبي بكر وعثمان بتقدمهم على من له الإمامة والزعامة فإنها لا تجب محبتهم على زعمه الفاسد، ورأي أهل نحلته الكاسد، افتراء منهم على من شهد لهم الصادق المصدق أنهم ذرية بعضها من بعض، وأنهم ورثة الكتاب وحفظته وتراجمته وقرناؤه، وأنهم لم يفترقا(6) هم وإياه إلى ورود الحوض إذ هما خليفتاه ، كما يحكي ذلك قوله -صلى الله عليه وآله وسلم : ((إني تارك فيكم، أو مخلف فيكم -على اختلاف الروايتين- كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)).
Bogga 238