Buasa Fi Cusur Islam
البؤساء في عصور الإسلام
Noocyada
وأعلم أني لم تصبني مصيبة
من الدهر إلا قد أصابت فتى قبلي
ثم قال: ليهنك إن أخذت لقد أبقيت، وإن ابتليت لقد عافيت. وكذلك ما حكي عن الحسين بن منصور الحلاج العابد الناسك الصوفي؛ غضب عليه الخليفة المقتدر العباسي فحبسه سنتين، ثم سلمه إلى حامد بن العباس في دار الشرطة فضربه ألف سوط، ثم أمر بقطع يديه ورجليه، ففعل به ذلك وهو يقول:
أحرقه الود الذي لم يكن
يطمع في إفساده الدهر
ما قد لي عضو ولا مفصل
إلا وفيه لكم ذكر
ولم يتأوه أو يستغيث بأحد، ثم أمر به فصلب على خشبة. «ودخل عليه عمر الصفار الصوفي» وهو مصلوب فوجده ضاحكا مستبشرا لم يتلفظ بألفاظ قبيحة تكره سامعها، فقال له: ما التصوف يا حسين؟ فقال: هذا أوله ، واصبر كما أنت الساعة ليبدو لك آخره. وبينما هما كذلك وإذا بوالي الحبس قد جاء ومعه شرذمة من الجند فأمرهم بإنزاله عن الخشبة المصلوب عليها لتضرب عنقه، فصاح بأعلى صوته: يا ابن الصفار هذا آخر التصوف! ثم ضربت عنقه وعلقت رأسه على سور السجن، وبعدها أحرقوه بالنار. وأمثال هذا النوع من البؤساء كثيرون، وعموم البؤساء يجدون أن النزوح عن الدنيا أمر لا ريب فيه، ومتى حل بهم كرب لا يتطلعون إلى نعيم الحياة، ولا تتوق أنفسهم إلى بهجة الأيام، ولا يدرون لفراق العالم طعما، ولا يضجرون لبعد الأحبة ذلك البعد الطويل، الذي يبتدئ بسفر لا عودة منه. ولا ترهبهم وحشة القبور الدارسة، بين خرائب عاطلة، لا أنيس فيها غير بوم ينعب وغراب ينعق، في سكون هادئ رهيب، ولا يروعهم البلى، ولا يدهشهم توسد الثرى، ولا نهش الحشرات تلك الأجسام الناعمة؛ حيث يذوي ذلك الجمال، وتندثر محاسن ذلك القد الرشيق، والقوام العادل الفتان. ولو تأملنا حالة البؤساء بإمعان شديد وجدنا كل سراء وضراء لا تؤثر عليهم؛ فسيان عندهم الموت والحياة، لا فرق لديهم بين الترف والنعيم، والعذاب والجحيم، وسيان عندهم تمتعوا بالخيرات الوافرة والسعادة الدائمة، أو عانوا أهوال البؤس ودواهيه، والفقر المدقع الوبيل، في شظف العيش ونكد الأيام.
ولا عجب إذا ابتسموا للموت، وهشوا للمصائب، وحنوا للحتف العاجل، واستبسلوا للعناء، ولم يجزعوا وهم في حالة النزع الأخير ... وفي شرعهم الذي شرعوه، وقانونهم الذي نهجوا عليه، أن الموت راحة من كل عناء، وهو الدواء الناجع لكل محزون كئيب، بل هو للبؤساء جل أمانيهم ومنتهى رغباتهم، ومع ما في الموت من عذاب يقابلونه بوجه طلق، ومحيا وضاح، وثغر ضاحك بسام، كأنهم لا يخشون قدرة حاكم سرمدي، لا يرد له حكم، ولا يفلت من قضائه أحد.
نفوس البؤساء
Bog aan la aqoon