ثم انتحى حسنين بالشاب ليوازن معه ميزانيتهما لما جد عليها من تكاليف النقل وشراء ما سموه «حجرة الاستقبال» إلى ما ينتظر من نفقات جديدة للنور والخادم، وقامت نفيسة للفرجة من نوافذ الشقة واستطلاع الدنيا الجديدة، وخلت الأم إلى نفسها فاستجمعت ما مر بها من حوادث في الأيام الأخيرة حتى انتهى بها المطاف إلى هذا الحي الجديد، فلم يستقر وعيها إلا على شيء واحد؛ هو حسن! ترى أين يهيم الفتي؟ ماذا صنع الله به؟ لم تكن تخلو إلى أفكارها حتى يطالعها من ثناياها فيستثير دفين الحسرة والألم.
هكذا باتوا أولى لياليهم بمصر الجديدة.
78 - جئنا نهنئ بالبيت الجديد! جعله الله مقاما سعيدا.
قالتها أم بهية ثم جلست هي والفتاة على الكنبة الجديدة، كان الوقت عصرا، وكانت الأسرة مجتمعة ما عدا نفيسة التي غادرت البيت قبل وصول الأم وابنتها بنصف ساعة.
وأثنت أم بهية ثناء جميلا على المسكن الجديد وحيه الباهر، وشكت الوحشة التي شعروا بها بعد فراقهم، واعتذرت عن تغيب فريد أفندي بانهماكه في العمل بالوزارة بعد الظهر؛ لمناسبة موسم الإجازات. ثم جرى الحديث المألوف واشترك حسنين كالمعتاد، ولكنه كابد قلقا لم تخف عنه بواعثه، وشعورا مؤلما بالحرج، وجعلت بهية تخالسه نظرات حزينة، فصيحة بغير بيان، فازدادت حاله توترا ثم أعربت أم بهية فجأة عن رغبتها في الانفراد بالأم؛ الأمر الذي زاده قلقا وتوترا. وما لبثتا أن غادرتا حجرة الاستقبال معا. ووجد حسين نفسه غريبا بين خطيبين فغادر الحجرة منتحلا بعض الأعذار، وخلا الجو، وهو ما لم يكن يتوقعه حسنين بحال، وكان يعرف بداهة ما دعا أم بهية إلى الانفراد بأمه، فأدرك أن الساعة الفاصلة في حياته قد دنت؛ فإما النجاة وإما الهلاك، وتبادلا نظرة طويلة؛ هي في إنكار وتساؤل، وهو بابتسامة باهتة لا معنى لها، ولم تلبث أن سألته مستنكرة: لماذا لا تزورنا؟
فقال واجما: أسباب لا تخفى عليك تمنعني من الظهور في حينا القديم!
ولكنها لم يبد عليها الاقتناع وعادت تسأله: لم لم تقابلني فوق السطح بعد أن تركت الورقة في يدك؟ - كنت وأخي مرتبطين بموعد هام.
فتساءلت بلهجة وشت بحزنها: وسفرك المفاجئ إلى طنطا دون أن تخبرني؟
فقال وهو يتحاشى عينيها: اضطررت إلى السفر فجأة ...
فهتفت في انفعال: لم تعد تبالي حتى باختلاق الأعذار المعقولة!
Bog aan la aqoon