Si Daacadnimo ah oo aan xad lahayn
بصراحة غير مطلقة
Noocyada
وقد قدر لي أن أعود للقاء بومدين بعد أكثر من عام، أيام الاستقلال وأزمته، حين أوفدتني جريدة الجمهورية لموافاة قرائها بأخبار وتفاصيل الأزمة التي نشأت بين بومدين وبن بيللا من ناحية، وحكومة بن خدة وبوضياف وبلقاسم من ناحية أخرى. كان بن بيللا أيامها في القاهرة لا يزال، وكان بومدين قد دخل بقواته من الحدود التونسية الجزائرية والمغربية الجزائرية، واحتل جيش التحرير نصف الجزائر الغربي الذي تعد وهران عاصمته. رحنا ننتقل مع قوات جيش التحرير وهي تزحف من وجدة «قرب المغرب» إلى تلمسان «مسقط رأس بن بيللا»، ثم نتوغل داخل الولاية الرابعة وهران وتيارت. كان الجيش يتحرك وجبهة التحرير الموالية لبن بيللا وبومدين تعقد الاجتماعات الشعبية، وبن بيللا يستدعى ويأخذ مكانه على رأس الموكب الزاحف. وكان بومدين دائما هناك، وهناك دائما جلسته في جانب من منصة الشرف يرقب ما يحدث بعيون متيقظة كعيون الصقر، وتحس أن وراء جبهته العريضة تصميما مستميتا قاهرا على الانتصار. حتى جاء يوم رأيته فيه في مشهد بالكاد صدقته عيني. كانت عائلته قد انضمت إليه، ورأيته يوما في مؤتمر تيارت وفرحات عباس ومحمدي السعيد ومحمد خيضر وبن بيللا يحتلون مقاعد منصة الشرف الأمامية ويخطبون، بينما هو قابع في مؤخرة المؤتمر يرقب ما يحدث بنظراته الملتهبة الحادة، ولكنه كان هذه المرة يحتضن طفلا في الثامنة أو السادسة من عمره، عرفت لشدة الشبه أنه ابنه. وكان يحدث في أحيان قليلة جدا أن يقطع نظراته المتفحصة الحادة ليرمق الطفل بعيون يتدفق منها فجأة حنان غريب لا تكاد تصدقه، وأبوة صافية خالصة من الصعب أن تتصور أن بومدين - ذلك الرجل الحديدي - هو صاحبها.
ولست أعرف لماذا ورغم الازدحام والخطباء والأسماء الضخمة المتصدرة، ورغم أنه الوحيد الذي كان لا يخطب ولا يتكلم ولا يدلي بأية تصريحات بينما الكل أيامها قد تلبستهم حمى الزعامة وعقد المؤتمرات، والبلاد وإن كانت قد ظفرت بالاستقلال إلا أنها لا تزال بلا حكومة، أو هي بحكومة ك «الملك» في بعض الدول، تملك اسما ولكنها لا تحكم. رغم أن الجزائر أيامها كانت مجرد شعب كبير خرج للتو من سجنه، الدولة فيها لا تزال سديما لم تتحدد معالمه، وجنينا في بطن الغيب لا تعرف ماذا يكون عليه شكله أو كنهه أو مصيره. رغم أن كل شيء كان يغلي ذائبا، لا تستطيع أن تضع يدك على شيء أو شخص صلب له ثقل وكيان فيه، رغم كل هذا فقد كنت لا أستطيع شخصيا أن أحول انتباهي عن بومدين، والابتسامة الجادة التي لا تتغير أو تتطور في ملامحه، معتقدا، بل أكاد أكون مؤمنا إيمانا لا يتزعزع، أنه الرجل الذي يملك في يده مفتاح الموقف، ليس فقط مفتاح الموقف في أزمة ما بعد الاستقلال، ولكن مفتاح الموقف في الجزائر بعدما تستقل، وفي الدولة حين يتجمد كيانها السائل الذائب ويصبح صلبا كهياكل الدول.
كنت دائما على يقين أنه المخرج الحقيقي للرواية، وأن المسألة عنده مسألة وقت وزمن ومجرى طبيعي لا بد أن تجري فيه الأمور. ولكن دائما وأبدا ستحين اللحظة التي سيوقف فيها بإشارة منه الصخب الدائر فوق المسرح، ويتقدم بنفسه هذه المرة ليتولى الزمام.
وهو بالضبط ما كان. (32) أما عن الزنوج في أمريكا
فرق كبير بين أن تقرأ عن قضية كقضية الزنوج في أمريكا وبين أن ترى القضية على الطبيعة، والزنوج الأمريكيون كما رأيتهم بنفسي في شيكاجو بالذات في حالة ثورة وتمرد أكثر بكثير من الثورات التي تجتاح أي بلد مستعمر ليتحرر. لقد شاهدت في يوم أحد مظاهرة قام بها أكثر من مائة ألف زنجي يغنون بصوت منغم رخيم «الحرية ... الحرية»، يغنونها للسماء وللكنيسة ولناطحات السحاب في بلد يعتقد البعض أنه موطن الحرية وراعيها.
ولقد مرت المظاهرة من أمامي واستغرق مرورها أكثر من ساعة، وكنت طوال الوقت أتساءل ممن يطلب الزنوج هذه الحرية؟ أمن الحكومة؟ إنها حكومة البيض، وهي ليست حكومة بيض فقط ولكنها حكومة هؤلاء الذين يعتصرون البيض أنفسهم ويستغلونهم ويحيلونهم إلى عبيد لنظام دقيق رهيب يمثل أذكى ما استطاع الجشع الإنساني أن يقيمه ويشيده وينظمه. أيطلبونها من الكنيسة؟ ولكن الكنيسة أيضا بيضاء، وصحيح أن هناك عددا كبيرا من رجال الدين يعطفون على قضية الزنوج ويؤيدونها، ولكن المشكلة في هذا النظام الرأسمالي الغريب أنه يسمح حقيقة بحرية المعارضة، بل أحيانا يجد أنها مفيدة لعملية الإنتاج الرأسمالي نفسها، باعتبار أن الفرد يحس بهذه الحرية المزيفة ويستمتع كالطفل الأبله بمجرد وجودها ولو على الورق ولو مع إيقاف التنفيذ، ولكن دع هذه الحرية تهدد وجود النظام، دعها ترق إلى مستوى المعارضة الحقيقية حتى لتوشك الأسس أن تتمايل وتضطرب، إذن فستجد الطبقة الحاكمة قد كشرت عن أنيابها واستعملت الحرس والجيش وكل ما تستطيع أن تصل إليه يداها لقمع هذه المعارضة. وهذا هو بالضبط ما يحدث في الجنوب الأمريكي، بل ما يحدث في فيتنام، فالغازات السامة وقنابل النابالم وقتل الأطفال والنساء وتدمير طاقات مجتمع بأسره لا يمكن أن يكون من سمات أي حرية من حريات العالم حتى الحرية الأمريكية. لا يمكن لدولة تؤمن حقا بالحرية، حرية الفرد وحرية الشعب، أن تفعل ما تفعله أمريكا في فيتنام. لا يمكن لدولة أن تكون بوجهين؛ وجه حر في بلادها، ووجه قاتل للحرية وخانقها في بلاد غيرها. إنما هي الحرية المزيفة داخل أمريكا، تسفر عن وجهها الحقيقي خارج أمريكا. لقد ناقشت كثيرا من المسئولين وغير المسئولين في قضية فيتنام فكان جوابهم شبه المتفق عليه؛ أنهم إنما يدافعون عن «حرية» العالم الغربي ضد الزحف «الشيوعي»، وكنت أقول لهم: أية حرية تلك التي تخنق من أجلها ويمثل بها حرية شعب، أية حرية تشترى بدماء الأطفال وبالسناكي تبقر بطون الحوامل إن هي إلا الفاشية مقنعة. إن الحرية كل لا يتجزأ، فإذا أزهقتها في مكان فأنت على الدوام قاتلها. وهذا هو بالضبط ما وجدته في أمريكا، إن المظاهر البراقة للحرية موجودة، الصحافة تنقد جونسون، وبعضها يعارض الحرب في فيتنام، المثقفون يعادون، وكأنما بالغريزة، الطبقة الحاكمة «وإن كانوا يدافعون عن النظام»، حتى لقد تلقى جونسون عريضة موقعا عليها من ثمانية آلاف أستاذ جامعي يطالبون فيها بإيقاف الحرب في فيتنام. التليفزيون بجوار الإعلانات التي تثير الفتيان، ويذيع أحيانا ندوات ينقدون فيها سياسة أمريكا الخارجية والداخلية، ولكن المشكلة الحقيقية أن هذا كله يدور والآلة الرأسمالية الرهيبة سادرة في غيها، سادرة في ضرب فيتنام، سادرة في ضرب حركات التحرر في كل مكان. نجد بعض الأمريكيين يشمئزون من مجرد ذكر وكالة المخابرات المركزية ويهزون أكتافهم، وفي نفس الوقت يعتمد الكونجرس لهذه المخابرات مئات الملايين من الدولارات لتنفق في هدم النظم والمجتمعات الأخرى، باسم الحرية أيضا. الفرد حر في أن يلتحق بهذه الشركة أو تلك، ولكن ادخل في صميم العمل تجد ذلك الفرد وقد فقد تماما حريته، إذ لكل فرد يعمل في الشركة ملف سري خاص يدون به ما لا يمكن أن يخطر بباله من المعلومات عن أصدقائه، ألعابه المفضلة، هوايات زوجته. ولكل شركة جهاز تجسس على العاملين فيها يستحل لنفسه أن يضع مكبرات الصوت في حجرات النوم، وأن يفتش البيوت، وأن يتجسس على المحادثات التليفونية كي يحصل على هذه المعلومات، وكل بند من بنوده يتدخل في ترقيته أو حتى في فصله من الشركة. أجل! الحرية في الدستور موجودة، وفي الظاهر تزاول علنا. ولكني آمنت أن المجتمع الرأسمالي لا يمكن أن يسمح بالحرية الحقيقية؛ إذ لو سمح بها لربما رفضه الناس تماما، إنه يسمح بها في حدود، وبالقدر الذي يكسبه المظهر الحر، وليس أكثر من هذا، أبدا ليس أكثر من هذا.
الخدعة الكبرى
ومن هنا بالضبط تنبع المأساة في قضية الزنوج، منذ أكثر من مائتي عام وهؤلاء الزنوج يكافحون لنيل حريتهم معتقدين تماما أنه حسب الدستور لهم الحق كل الحق في أن يكونوا مواطنين مساوين تماما للبيض في الحقوق والواجبات، تضللهم هذه الخدعة الكبرى، بدءوا المسيرة من أجل الكفاح الدستوري لنيل الحقوق. وحقيقة أنه في بعض الولايات - وفي الشمال بالذات - حصل الزنوج على الحقوق الدستورية للمواطن، فهل معنى هذا أنهم أصبحوا مواطنين من الدرجة الأولى؟ لا. فالزنوج في أمريكا لا يزالون - حتى في الولايات التي نالوا حقوقهم فيها - يعاملون بالتحفظ الشديد من جانب البيض مما يجعلهم يكادون يصبحون مواطنين من الدرجة الثانية، لا يزال هناك الجدار غير المرئي الذي يفصلهم عن البيض، لا يزال هناك التوجس والخوف وعدم الأمان. لا يزال الزنوج يحسون أنهم وإن كانوا قد نالوا بعض الحقوق إلا أن الهوة عميقة، تبدو وكأن لا بعد لها، وقضية الزنوج ليست قضية لون فقط، ولا قضية سيادة أبيض على أسود، ولا قضية أقلية هي عشر الأغلبية البيضاء، ولا قضية مستوى تعليمي أو اقتصادي، إنها أولا وأساسا قضية الحرية في المجتمع الرأسمالي واستحالة التمتع بها، كنت وأنا أتتبع المظاهرة السوداء التي تغني بالحرية للحرية، أراجع في ذاكرتي كل الآراء التي قرأتها عن ضرورة وقرب حل قضية الزنوج وأسخر بها في أعماقي، فقد بدا لي الحل مستحيلا تماما في ظل المجتمع الرأسمالي القائم على التنافس وعلى سيادة الأحسن أو الأذكى أو الأكبر تعليما أو نقودا، إنه مجتمع صراع يكاد يقترب من الحيوانية من أجل البقاء. صراع لا مكان فيه للشفقة أو للعطف أو للإنسانية، صراع إذا استحلت فيه إنسانا ضعت، صراع وإن يكن القانون قد نظمه ووضع عقوبات لكل من يخالفه إلا أن القانون لا يمكن أن ينطبق على ما تزخر به الأعماق، القانون لا يحاسبك عما يدور في رأسك، عن عواطفك، إنه فقط يحاسبك على تصرفاتك، وحتى ليست كل تصرفاتك، ولكن هذا الجزء منها الذي يخالف القانون. وإذا كان جهابذة الثورة الرأسمالية في عصر النهضة قد قالوا: قد أخالفك في الرأي ولكني مستعد أن أضحي بحياتي دفاعا عن حقك في قول رأيك، فلقد كان هذا في القرن التاسع عشر، أيام أن كانت العلاقات الرأسمالية بالنسبة للعلاقات الإقطاعية حلما من أحلام الإنسان. أما الآن وقد نضجت الرأسمالية حتى اقتربت من الشيخوخة فقد تحولت إلى نظام يخاف من نفس قوانينه الأولى، ومن نفس شعاراته، ومنها الحرية؛ إذ لو سادت تماما وحقيقة لانقلب الناس على هذا النظام الذي أصبح يعوق تقدمهم كبشر. ذلك النظام الذي تحول إلى الرشوة، فأصبح همه أن يغرق الكادحين فيه بفيض من البضائع الاستهلاكية والمغريات الصغيرة والتوابل ليحبب إليهم القيد، ويجعلهم يستمرون في المضي تحت سلطانه. ألا ما أتعس ذلك الإنسان وهو يترنح تحت عبء القيد! ألا ما أبشعه وهو يحاول التملص من انفجاراته العنيفة! لقد قرأت وشاهدت في التليفزيون قصة ذلك الطالب الذي صعد إلى برج جامعة تكساس وصرع 23 شخصا ببندقيته، يخيل إلي أنه كان يريد أن يصرع شيئا أكبر من هذا بكثير، كان يريد أن يصرع ذلك النظام الرهيب المختبئ الذي لا تراه ولا تلمسه، المستخفي بطريقة لا تستطيع معها أن تحدده، النظام الذي يحكم علاقات الناس في أمريكا، النظام الرأسمالي الذي لم يعد يصلح لبشر.
لا بد أن ينتهي
وأنا واقف أشهد المظاهرة كنت أقول لنفسي: لا جدوى أيها الأصدقاء، إنكم تطلبون الحرية من قاتليها ومزهقيها، إنكم تطلبون المستحيل. إن الحل الوحيد لقضيتكم ولكل القضايا المعلقة هو أن ينتهي نظام السادة والعبيد، هو أن تسود الحرية بكل معانيها وأبعادها الحقيقية، هو أن يتغير النظام. في ظل الاشتراكية فقط تحل مشكلة السود والصفر والسمر والبيض. في ظل نظام آخر للحياة وليس ذلك النظام الذي يعلو فيه الإنسان إلا على رقاب الآخرين. في ظل نظام آخر غير هذا النظام، نظام يستطيع أن يرحم ويفهم، نظام إنساني، نظام حتى وإن لم يستطع أن يحقق لأفراده الرفاهية المادية فعلى الأقل يحقق لهم الرفاهية الروحية، الرفاهية الإنسانية، الرفاهية الجديرة بالإنسان، فالإنسان قبل أن يكون حيوانا منتجا أو عاملا ضاحكا هو أولا حيوان يحس ويدرك، ويؤذيه الألم ويؤذيه أن يؤذي الآخرين، وحتى يؤذيه أن يبني مركزه الخاص على حساب الآخرين. لقد أدت الرأسمالية دورها التاريخي وآن لها أن تنتهي، وستنتهي بالقوة والقسوة أو بالتسليم، فلا بد أن تنتهي لينتهي الألم في العالم. إن ألم طفل واحد في فيتنام ليعادل في رأيي ويزيد على كل المتعة، التي يحسها عشرات الملايين من مالكي العربات في أمريكا، وتألم زنجي واحد تنهال عليه عصي الحرس الوطني - وهم البيض العاديون المسلحون - لا يمكن أن يعادله في رأيي كل متع هوليود ولاس فيجاس وديزني لاند. (33) لحظة 61
Bog aan la aqoon