U Dhexeeya Diinta iyo Falsafada
بين الدين والفلسفة: في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط
Noocyada
وهذه حجة نجدها بعد أكثر من خمسة قرون لدى «ديكارت» الفيلسوف الفرنسي المشهور، وذلك عندما أخذ في نقد ما بعد الطبيعة. (4)
وإذا كانت تلك هي الأغراض التي قصدها الغزالي من حربه الفلاسفة، فإن الطريقة التي سلكها لبلوغها يجب أن تكون مناسبة معها، فكذلك يصنع الخصم الماهر اللبيب.
حقيقة، إنه في مقدمته الثانية لكتابه لا ينازع الفلاسفة في بعض المصطلحات التي اصطنعوها، مثل تسميتهم «الله» جوهرا ما داموا يريدون بالجوهر ما يقوم بنفسه، وكذلك لا ينازعهم في بعض نظرياتهم في الطبيعة التي لا تعارض الدين بحال، مثل تفسيرهم للكسوف، ما دام ذلك مبنيا على أصول رياضية يقينية، بل إن الشك في هذا ونحوه يضر الدين نفسه ويظهره متعارضا مع الرياضيات التي لا ريب فيها مطلقا، كما لا ينازعهم أيضا في المنطق؛ إذ لا بد منه لدراسة العلوم الإلهية.
إنما ينازعهم بعنف وشدة فيما يتعلق بأصول الدين، وفيما يرجع إلى الطبيعة وما بعد الطبيعة، إذا ما رأى ما ذهبوا إليه لا يتفق والعقائد الدينية الصحيحة، مثل قولهم في قدم العالم أو حدوثه، وإنكارهم البعث الجسماني.
وهكذا لم يهاجم الغزالي ما كان موثوقا به من فلسفة اليونان، نعني الرياضيات والطبيعة القائمة عليها والمنطق، وركز حملته بعد هذا فيما بعد الطبيعة ينقدها بشدة؛ ليقيم بدلها ما جاء به الدين الذي نجد فيه ما يعجز العقل عن الوصول إليه من المسائل الإلهية، وحجة الإسلام في هذا وذاك يذكرنا بما سيكون من «كانط» الفيلسوف الألماني الأشهر المتوفى سنة 1804م.
والغزالي حين ينازع الفلاسفة في تلك المسائل ونحوها، لا يتناولها جملة، بل يعرض الرأي الذي لا يرضاه مع الأدلة التي ساقها الفلاسفة لتأييده، ومع ما يراه هو من أدلة أخرى فاتت الفلاسفة، وبعد هذه المرحلة يأخذ في الرد والاعتراض على هذه الأدلة ويتصور لهم إجابات على اعتراضاته، ويأخذ في الرد عليها من جديد.
وبهذا نرى الغزالي لا يسير في المعركة على طريقة المحامي الذي لا يعنيه أن يظهر أدلة خصمه، بل إنه يسير سير من يريد الوصول إلى الحقيقة، مع إنصاف خصمه وتقدير أدلته وبراهينه ثم نقدها، وهذه طريقة نجدها ماثلة في كثير من المؤلفات التي تدرس حتى اليوم بالأزهر، وهي طريقة فيها إنصاف للخصم إلى حد كبير.
على أن هذا أو ذاك ليس كل الطابع الذي يسم طريقة الغزالي في كتابه وخصومته، إنه وقد أراد نزع الثقة من الفلاسفة، والحد من اعتزازهم بالعقل وقدرته، ينازعهم أيضا في بعض مسائل يتفق معهم فيها.
ومن المثل لذلك مسألة روحانية النفس وعدم فنائها، هذه المسألة التي قدم الفلاسفة للاستدلال لها أدلة عقلية قوية حرية بالإقناع ومن شأنها تقوية العقيدة الدينية، والتي لا ينازع الغزالي في الرأي الذي وصل إليه للفلاسفة فيها، ولكنه يرد على هذه الأدلة والبراهين، وذلك ليبين للفلاسفة عجز عقولهم عن الاستدلال لما ذهبوا إليه مع أنه حق، وأن الخير الاستدلال بالشرع وحده فيها.
21
Bog aan la aqoon