فضحك فهمي في شيء من الارتباك. قال كمال لأمه وهو يبتسم بمكر: أتذكرين يوم دكان البسبوسة وضرب النار؟ رأيته وأنا عائد في الطريق المقفر، فنبه علي بألا أخبر أحدا بأني رأيته.
ثم نظر إلى فهمي وسأله باهتمام وتشوق: قص علينا يا سي فهمي ما لقيت في المظاهرات، كيف كانت تقع المعارك؟ وكيف يصرع القتلى؟ ألم تطلق النار قط؟
فتدخل ياسين في الحديث قائلا للأم: ذاك تاريخ مضى وانتهى، اشكري الله على نجاته، هذا أولى بك من الانزعاج.
سألته بجفاء: أكنت تعلم بذلك؟
فبادرها قائلا: لا وحياة تربة أمي (ثم مستدركا) وديني وأيماني وربي.
ثم نهض من مجلسه منتقلا إلى جوارها، فوضع يده على منكبيها، وقال برقة: أتطمئنين حين كان ينبغي الانزعاج، وتنزعجين حين ينبغي الاطمئنان! وحدي الله، زال الخطر وعاد السلام، ها هو فهمي بين يديك ... (وضاحكا) ابتداء من الغد سنقطع القاهرة طولا وعرضا، ليلا ونهارا، بلا خوف أو قلق.
وقال فهمي جادا: نينة، رجائي إليك ألا تكدري صفونا بحزن لا موجب له.
تنهدت ... فتحت فاها لتتكلم، ولكنها حركت شفتيها دون أن تنبس، ابتسمت ابتسامة شاحبة لتعلن استجابتها لرجائه، ثم نكست وجهها لتخفي عينيها المغرورقتين.
70
بات فهمي تلك الليلة وهو عاقد العزم على استرضاء أبيه مهما كلفه الأمر، وفي صباح اليوم التالي صمم على تنفيذ عزمه دون تردد. ومع أنه لم يضمر لأبيه - طول فترة العصيان - أي إحساس بالغضب أو التحدي، فإن ضميره كابد شعورا بالذنب ناء به قلبه الحساس المشرب بالطاعة والولاء. حقا لم يتحده بلسانه، ولكنه خالف إرادته بالفعل، بل خالفها مرارا وتكرارا، فضلا عن امتناعه عن القسم يوم دعاه إليه في حجرته، وإعلانه بالبكاء تمسكه برأيه رغم إرادة الرجل، كل أولئك أحله - على حسن نيته - موقفا عاقا شريرا لا يرضاه لنفسه ولا يحتمله. ولم يكن سعى إلى استرضائه من قبل خشية أن ينكأ الجرح دون أن يسعه أن يلأمه؛ لأنه قدر أن يدعوه السيد إلى القسم تكفيرا عما بدر منه، فيضطر مرة أخرى إلى الامتناع، مؤكدا عصيانه من حيث أراد أن يعتذر عنه. الحال اليوم غيرها بالأمس، انتشى قلبه بالسرور والظفر، الوطن كله ثمل بخمر السعادة والفوز، فلا يطيق أن يقوم بينه وبين أبيه حجاب من سوء الظن ولو لحظة واحدة، الاسترضاء، فالعفو الذي يهفو إليه، ثم السعادة الحقة التي لا تشوبها شائبة. دخل حجرة أبيه قبيل ميعاد الفطور بربع ساعة، فوجده يطوي سجادة الصلاة مغمغما بالدعاء، لمحه الرجل بلا ريب ولكنه تجاهله، فمضى إلى الكنبة دون أن يلتفت صوبه وجلس. عند ذاك تراءى فهمي بموقفه عند الباب ملفوفا بالارتباك والحياء، فحدجه بنظرة جافة مستنكرة، كأنما تتساءل: «من هذا الواقف وماذا جاء به؟!» فتغلب فهمي على ارتباكه، وتقدم من مجلس أبيه في خطى خفيفة، حتى انحنى على يده، فتناولها ولثمها باحترام لا حد له، وصمت مليا ثم قال بصوت لا يكاد يسمع: صباح الخير يا بابا.
Bog aan la aqoon