ضحك ياسين عاليا، ثم قال: أحسبتني فاقد الوطنية؟! المسألة أني لا أحب الزياط والعنف، ولا أجد حرجا في التوفيق بين حب الوطن وحب السلامة. - وإذا شق التوفيق بينهما؟
فقال مبتسما، ولكن دون تردد: قدمت حب السلامة! نفسي أولا ... ألا يستطيع الوطن أن يسعد إلا بالتهام حياتي؟! يفتح الله، أنا لا أفرط في حياتي، ولكني سأحب الوطن ما دمت «حيا».
قالت أمينة: هذا عين العقل (ثم متطلعة إلى فهمي) هل عند سيدي رأي آخر؟
قال فهمي بهدوء: كلا طبعا، إنه عين العقل كما قلت.
ولم يرض كمال أن يبقى بمعزل عن الحديث، لا سيما أنه كان مقتنعا بأنه لعب في يومه دورا خطيرا حقا فقال: وأضربنا نحن كذلك، ولكن الناظر قال لنا: إننا ما زلنا صغارا، وإننا إذا خرجنا من المدرسة داستنا الأقدام، ثم سمح لنا بالتظاهر في فناء المدرسة، فتجمعنا فيه وهتفنا (هنا هتف عاليا: يحيا سعد) طويلا جدا، ثم لم نعد إلى الفصول؛ لأن المدرسين كانوا قد غادروا المدرسة منضمين إلى المتظاهرين في الخارج!
رماه ياسين بنظرة ساخرة وقال: ولكن أصدقاءك ذهبوا! - في داهية.
ندت عنه هذه العبارة بلا تفكير وهي أبعد ما تكون عن حقيقة شعوره؛ لأن الحال تقتضيها من ناحية، ولأنه أراد أن يداري بها هزيمته أمام سخرية ياسين من ناحية أخرى، أما قلبه فكان يكابد دهشة وغمزا، لم ينس كيف وقف لدى عودته من المدرسة في المكان المهجور الذي كان يحتله المعسكر يقلب عينيه في أرجائه في صمت أليم وعيناه مغرورقتان. سوف يمضي وقت طويل قبل أن ينسي مجلس الشاي على طوار سبيل بين القصرين والإعجاب الذي كان يحظى به غناؤه، والمودة التي كان يلقاها من الجنود خاصة جوليون، والصداقة التي ربطته بالسادة المتفوقين الذين يعلون في اعتقاده على سائر البشر! قالت أمينة: سعد باشا رجل سعيد الحظ، الدنيا كلها تهتف باسمه، ولا أفندينا في زمانه ... رجل مؤمن بلا ريب؛ لأن الله لا ينصر إلا المؤمنين. نصره على الإنجليز الذين غلبوا زبلن نفسه، أي فوز وراء هذا؟! ... لقد ولد الرجل في ليلة القدر.
سألها فهمي باسما: أتحبينه؟ - أحبه ما دمت تحبه.
بسط فهمي راحتيه، ورفع حاجبيه مستنكرا، ثم قال: لا يعني هذا شيئا!
فتنهدت فيما يشبه الارتباك، ثم قالت: كنت كلما بلغني نبأ أسيف تقطع قلبي حزنا، وقلت لنفسي: «يا ترى أكان يقع هذا لو لم يقم سعد قومته؟!» على أن رجلا يجمع الكل على حبه لا بد أن الله يحبه كذلك.
Bog aan la aqoon