وكان بركلس قد وفق لإبعاد خطر محاربة إسبارطة لزمن طويل، ومن المحتمل أن كان يجتنبها تماما لو لم ينظم الأثنيون، الذين أعياهم حكم بلغ من العمر ثلاثين عاما مع حبهم للتجدد وغيرتهم، فتنا ويقيموا قضايا راجين أن يتخلصوا من رئيس دولة صار أمره معروفا جدا.
والأحزاب في ذلك الحين، كما في هذه الأيام، لم تتفق فيما بينها على إسقاط الرجل الذي وضع على رأسها، ويرفع الجذريون
116
في بدء الأمر دعاوى على الفيلسوف ثم على مهندس البناء ثم على خليلة بركلس ويبعدون الأول، ويهلكون الثاني في السجن، وكادوا يقبضون على أسبازية لو لم يوفق رئيس الدولة لإنقاذها في الساعة الأخيرة طالبا رحمة أعدائه دامع العينين كما يروى، ويلوح أن ما عرض له بركلس من خطر في نهاية الأمر دفعه إلى الحرب فصنع كما يصنع الطغاة حينما يرون تضعضع وضعهم.
وكان بركلس يأمل اجتناب الحرب مع اطمئنانه إلى تفوق أثينة البحري وإلى حصونها المنيعة، ومع ذلك يحاصر من قبل الإسبارطيين الذين تقدموا متعللين بشتى الذرائع، ويضطر إلى ترك أقسام من الأتيك، ولما ارتد العدو وعد بركلس نفسه قد أنقذ غدا ربع من التجأ إلى أثينة ضحية الطاعون، ويسود العاصمة ارتباك يقصر عنه الوصف، ويتهم رئيس الدولة باختلاس الأموال مع أنه جمع للدولة مالا لم تنله دولة في القرون القديمة قط، جمع لها نحو عشرة ملايين دولار، ويعزل بركلس، غير أن الحسرات والأحزان والسوداء لم تلبث أن ألمت بأهل أثينة، ويستدعى بركلس حينما أخذ العدو يغزو البلاد، ولكن بركلس لم يعتم أن هلك بالطاعون.
ودامت حرب البلوبونير، وظلت سجالا، سبعا وعشرين سنة، ويمر على موت بركلس أربع عشرة سنة، فتأتي الحرب بألكبياد إلى السلطان لدور قصير، وكان في الثلاثين من عمره.
ولا يتسع صدر هذا الكتاب لتحليل أخلاق ألكبياد، وبألكبياد تهب أثينة، مرة أخرى، إلى أمم البحر المتوسط عبقريا نال من الصيت ما نال أسلافه العظام، وما اتصف به من جمال وظرف وذهن ومجون وطيش كان يجعله فتانا ممقوتا معا، وهو بأخلاقه وأهلياته يذكرنا باللورد بايرون، أو بدانونزيو فيما بعد.
وبما أن ألكبياد كان محتاجا إلى نصر يكهرب به أهل أثينة الذين أعيتهم الحرب فإنه نظم حملة ضد صقلية فأوقد بذلك نار حرب جديدة بين الأغارقة يقتل الأخ فيها أخاه، وقد استطاع أن يجمع 134 مركبا في سبيل هذه الغارة، ويستدعيه قضاة أثينة الذين كانوا أقرب إلى الكيد مما إلى العدل والذين كانوا يحتفظون على الدوام بقضية خلقية احتياطا (ومثل هذا ما حطم به الإنكليز بايرون ووايلد)، فيضطر ألكبياد إلى الالتجاء لدى العدو بإسبارطة، وتستأنف حرب استعمارية بعيدة هوجاء على الرغم من إسبارطة التي تهدد حتى عند حدود الأتيك، وتغلب أثينة، ويعاد ألكبياد إلى وظائفه بين الحماسة العامة، ويعزل ألكبياد مجددا بعد هزيمته الأولى، ويفر نحو الشمال، ويحوك الدسائس مع الفرس، ويموت مقتولا.
وإذا كان بركلس قد خلد بمبان، لا يزال اسمه ساطعا في أروقتها كالنغمة التي تكرر في الأغنية، فإن ألكبياد مدين بشهرته للفن، وذلك بفضل أفلاطون الذي ذكره في «محاوراته»، ويبدو هو وأفلاطون قمرين لشمس العصر سقراط الذي يقال إنه أنقذ حياة الشاب ألكبياد في إحدى المعارك. والحق أن سقراط كان يحب هذا التلميذ الذي هو أحدث منه سنا بعشرين سنة مع أن هذا التلميذ كان يسخر من الفضائل التي يعظ بها أستاذه الجليل، ويتجلى طابع العالم الأثني البديع وضعفه، الصادران عما فيه سر سقوطه من مواهب، في تلك الصداقة التي دامت حتى الممات، على أن كلا الصديقين هلك هلاكا أليما ولكن في أحوال مختلفة تماما.
ويضع هلاك ألكبياد حدا للحرب، فقد دخل البيره الإسبارطيون الخاضعون لنظام حديدي يعد مثل دولتهم الأعلى فكانوا يمتازون من الأغارقة الآخرين بروح الطاعة والنظام فيهم.
Bog aan la aqoon