79

Awail Kharif

أوائل الخريف: قصة سيدة راقية

Noocyada

أدركت على نحو مبهم أنها وقعت حتما في الحب في اللحظة التي وقفت فيها في صالون سابين كاليندار تنحني لليلي دي سيون. وكانت شدة التجربة قد ازدادت عندما اصطحبته، بعد الغداء، إلى الحديقة لتريه كلابها ورأته يمسد أذني كلب الدوبرمان «إمب» ويتحدث برفق إلى الكلب بطريقة تجعلها تعرف أنه كانت لديه نفس المشاعر التي لديها تجاه الحيوانات. كان لطيفا جدا في أسلوبه، ورقيق الحاشية جدا حتى مع ضخامته، ويسهل تبادل الحديث معه، كما لو كانا صديقين دوما.

ثم على نحو شبه مفاجئ سافر إلى الأرجنتين، دون حتى أن يلتقي بها ثانية، في رحلة لتعلم الأعمال الخاصة بتربية الماشية، لأنه كانت تراوده فكرة أنه ربما ينتهي به المطاف ذات يوم إلى أن يكون صاحب مزرعة. إلا أنه ترك وراءه صورة حية ازدادت بمرور الوقت شدتها في أعماق طبيعتها الرومانسية التي تمردت على فكرة اختيار تيريز أبا مناسبا لأطفالها من الناحية العلمية. كانت صورة صارت، على نحو غير واع تقريبا، تقيم على أساسها الرجال الآخرين، حتى في تفاصيل صغيرة مثل وضعية أكتافهم والطريقة التي يستخدمون بها أيديهم ونغمة أصواتهم. كانت هذه الصورة هي ما قصدته فعلا حين قالت لأمها: «أعرف أي نوع من الرجال أريد الزواج منه. أعرف بالضبط.» كانت تقصد، بقدر كبير دون أن تدرك، أنه لا بد أن يكون رجلا مثل جان دي سيون ... رجلا جذابا ورومانسيا وجامحا قليلا.

لم تكن قد نسيته، رغم أنه أتت عليها لحظات في المدرسة ببلدة سان كلود كانت قد اعتقدت فيها أنها لن تراه مرة أخرى مطلقا - لحظات غمرها فيها إحساس ممتع بكآبة يائسة اعتقدت خلاله أن حياتها كلها قد فسدت، وهو ما قادها إلى كتابة تدوينات طويلة ورومانسية في المذكرات التي كانت تخفيها تحت مرتبتها. وهكذا مع شعورها المتزايد باليأس، صارت ألوان الهالة الرومانسية المحيطة به أكثر عمقا وتنوعا وحدة. وازدادت شحوبا لدرجة أن الآنسة فيرنويل عمدت إلى مداواتها بالعقاقير، واتهمتها تيريز فجأة بالوقوع في شباك الحب، وهو أمر أنكرته على نحو مبهم وبإيحاءات يشوبها غموض رومانسي.

ثم بمجرد العودة إلى منزل عائلة بينتلاند (وهي عودة نصحتها بها والدتها بسبب الوضع الصحي لجاك)، أعتمت الصورة قليلا إيمانا منها بأنه لم تكن أمامها فرصة لمقابلته ثانية ولو في أكثر شطحات الخيال جموحا. صار الأمر أشبه برغبة حبيسة ميئوس منها؛ وأعدت نفسها لنسيانه، وكذلك، من منطلق حكمة عقلها الغض، الاعتياد على فكرة الزواج من أحد الشباب المملين الذين كانوا أكثر ملائمة لها والذين كانت عائلتها قد عرفتهم دوما. وكانت قد أخذت تراقب معجبيها بحرص، وتقيمهم دوما بالمقارنة بصورة الشاب الأصهب، الذي يرتدي زي الفرسان الأسود والفضي، ومقارنة بتلك الصورة بدوا في نظرها - حتى فتى عائلة مانرينج الأشقر الوسيم - صبية صغارا، أشقياء نوعا ما ولا يضاهونها في السن والحكمة. كانت قد روضت نفسها سرا وبجدية على فكرة القبول بزيجة من الزيجات المناسبة في عالمها - زيجة تتحدد وفقا للممتلكات وحقيقة أن خطيبها من شأنه أن يكون «شخصا من النوعية المناسبة».

وهكذا، اتخذت المسألة برمتها طابع قصة حب مأساوية، يجب أن تحاط بالسرية. ربما عندما تصير عجوزا، ستحكي القصة لأحفادها. اعتقدت أنه مهما كان الشخص الذي ستتزوجه، ستظل تفكر دوما في جان دي سيون. كان هذا واحدا من أوهام الشباب المضحكة التي ليس فيها مثقال ذرة من الحقيقة الكئيبة.

ثم فجأة وصلت أخبار زيارته إلى منزل «بروك كوتيدج». ظلت محتفظة بسرها، ولكنها لم تحتفظ به جيدا بالقدر الكافي الذي لا يدع الشك يتسرب إلى والدتها وسابين. كانت تعبيراتها قد خانتها في الليلة الأولى لوفاة جاك حين قالت، ببريق مفاجئ في عينيها: «إنه جان دي سيون ... لقد نسيت أنه سيصل الليلة.» وكانت أوليفيا قد لاحظت البريق لأنه صار مستمرا ومتواصلا. •••

وفي منزل «بروك كوتيدج»، كان دي سيون الشاب، الذي كان مستاء جراء التأجيل الذي تسببت فيه الجنازة وضرورة احترام الحداد المعلن بمنزل عائلة بينتلاند، متجهما وتصرف بطريقة كان من شأنها أن تتسبب في إزعاج أي شخص باستثناء سابين، التي وجدت المشهد ممتعا. وإذ كان معتادا على الاندفاع بتهور نحو أي شيء يرغبه (مثلما اندفع نحو الالتحاق بالجيش الفرنسي في السابعة عشرة من عمره والسفر إلى الأرجنتين قبل تسعة أشهر مضت)، تعكر مزاجه وأمضى أيامه في الهواء الطلق، مجدفا في النهر أو سابحا في عزلة الشاطئ الأبيض العظيم. وتشاجر مع تيريز، التي كان يعرفها منذ كانت فتاة صغيرة، وحاول أن يكون متحضرا قدر الإمكان مع سابين المستمتعة بما كان يحدث.

أدركت منذ ذلك الحين أنه لم يأت إلى دورهام من منطلق أي اهتمام بها أو بتيريز. وأدركت منذ ذلك الحين إلى أي مدى كانت تتحلى بالحكمة (لأغراض تخدم خطتها) حين أدرجت في دعوتها إليه السطر الذي كتبت تقول فيه ... «سيبيل بينتلاند تعيش في المزرعة المجاورة لنا. لعلك تتذكرها. لقد تناولت معنا الغداء في احتفال يوم الهدنة العام الماضي.»

عرفت أنه بالأحرى يتخيل نفسه رجلا محنكا عركته الحياة وأنه بارع جدا في الحفاظ على أسراره. سألها عن سيبيل بينتلاند بطريقة عرضية بدت مصطنعة على نحو واضح، واستشارها بخصوص الفترة التي من اللازم انتظارها من باب اللياقة قبل أن يقاطع الحداد في منزل عائلة بينتلاند ويزورهم، وهل أبدت الآنسة بينتلاند أي إعجاب تجاه الشباب في دورهام؟ ولو لم يكن جذابا وعجولا، لكان الملل قد تغلب على سابين.

كان الشاب يخشى شيئا واحدا فقط ... وهو أنها ربما تكون قد تغيرت بشكل أو بآخر، أو ربما لا تكون في الحقيقة جذابة بقدر ما بدت له طوال أشهر غيابه الطويلة. لم يكن بلا تجارب (في الواقع، اعتقدت سابين أنه سافر إلى الأرجنتين هربا من إشكال ما في باريس) وكان يدرك أن مثل هذه الخيبات المأساوية يمكن أن تحدث. وربما حين يعرفها على نحو أفضل سيتلاشى افتتانه بها. ربما لا تتذكره هي مطلقا. ولكنها بدت له، بعد شهور من الاستغراق في التفكير الرومانسي الطويل، المرأة الأكثر جاذبية بين جميع النساء اللاتي وقعت عيناه عليهن. •••

Bog aan la aqoon