هنا صاح أحد النظارة قائلا: «إنه كاذب.»
وهنا سرت في الحضور هزة عصبية، وبدا أن جلسة المحكمة هذه المرة ستكون ممتعة بعد ما أحس به النظارة من سأم، فالمتهم «شلمان» من ذلك الطراز المكتئب الغارق في كتبه، ليس له من الأصدقاء إلا نفر قليل.
توجه «جالمبو» بالكلام إلى الرجل الذي صاح من النظارة، وكان واضحا أن صيحة الرجل لم تكن مفاجأة للجنة، قال جالمبو: «كيف تستطيع أن تقيم البرهان على أن عضو الحزب الذي نحن بصدد اتهامه، قد خدع اللجنة والحزب جميعا؟» - «برهان ذلك يسير، ف «شلمان» وأنا من مدينة واحدة هي «شركاسي»، وقد التحقت منذ أمد قصير بالمعهد فكان لي بذلك أن شهدت «شلمان» لأول مرة، لكنني أعرف أسرته وأعرف أن أباه كان صاحب دكان للخياطة، وأنه كان يستخدم عددا من العمال، فكان بذلك ممن يستغلون الأيدي العاملة، وكان دكانه في شارع ألكساندروفسكي، أنا أزعم لكم ذلك وأعلم صدق ما أنا زاعمه، ف «شلمان» - باعتباره ابنا لرجل استغل الأيدي العاملة - يجب طرده من حزبنا المحبوب.»
اصفر وجه المتهم وأخذ في اضطرابه العصبي يطقطق أصابعه، فقد دارت عليه دوائر الحوادث على نحو لم يتوقعه، وأوشك ألا تكون له القدرة على ترتيب ألفاظه.
نقر الرئيس على المنضدة يأمر بحفظ النظام، وسأل المتهم متجهما: «هل أنت من شركاسي؟» - «نعم، هذا صحيح، وقد ذكرت ذلك.» - «هل كان لأبيك دكان للخياطة في العنوان المذكور؟» - نعم هذا صحيح، لكنه لم يستغل أحدا، كان سائر العمال بمثابة الأعضاء في شركة وأبي رئيسهم، إني أقسم لكم أيها الرفاق إن الأمر كان تعاونا اقتصاديا بينهم، أضف إلى ذلك ألا شأن لي بالأمر إطلاقا، فأنا قد اشتغلت عاملا في مصنع في مدينة أخرى.» - «ألم يكن هو أباك؟» - «يقينا، يقينا، إنه أبي.» - «إذن فقد أخفيت عن المحكمة أنك سليل أسرة من المستغلين.» - «أنا لا أخفي شيئا، كان الأمر شركة تعاونية اقتصادية، وعن نفسي أنا فقد اشتغلت في مصنع، وصحيفتي باعتباري عضوا في الحزب وباعتباري طالب علم لا عيب فيها.»
كانت الطريقة التي يتحدث بها في غير صالحه؛ لأنه كلما ازداد اضطرابا ازدادت نبرته اليهودية وضوحا وبروزا، وطافت بالقاعة موجة خفيفة من الضحك، ثم أخذنا نسمع صيحات، فواحد يصيح «أخرجوه» وآخر يصيح «اطردوه إنه خدع الحزب!» وغادر «شلمان» المنصة فتعثر؛ لأن عبراته قد أعمت ناظريه، ولم يكن يخفى على أحد أنه سيطرد من المعهد وأن مستقبله قد انهدم.
وجاء بعد ذلك عدد من المتهمين جرت محاكمتهم على صورة مكرورة مألوفة، ثم ردت لهم تذاكر عضويتهم، وبعدئذ جاء دور الرفيق «تسارف» فكان محط الأنظار، لقد كان في نحو الأربعين لكنه لم يزل طالبا ، وكانت جبهته وصدغاه قد تغضنت بفجوات عميقة، وكنت ترى في حركاته سرعة وعسكرية، ثم سرعان ما كشف اعترافه عن خدمته بالجيش أعواما عدة، وأنه ساهم بنصيب موفور في الحرب الأهلية، ثم ينتهي أمره إلى أن يكون موظفا في مصنع، وبعد ذلك بعامين اجتاز مرحلة الدراسة الثانوية في المعهد، وقال إنه متزوج ذو طفلين.
سأل الرئيس: «قل لي أيها الرفيق «تسارف» ماذا ارتأيت في نظام المزارع الجماعية، أي موقف اتخذته حيالها على وجه الدقة؟» - «أي رفيقي، لقد اشتغلت في القرى وعاونت في حل طائفة المالكين الزراعيين باعتبارهم طبقة اجتماعية قائمة بذاتها، وإني لأعترف أنني وجدت من الإجراءات ما أحدث في نفسي حيرة وضيقا، لكني كنت راضيا عن الحركة من حيث المبدأ.» - «الظاهر أنك لم تفهم سؤالي، أيها الرفيق «تسارف»، أو ربما آثرت لنفسك ألا تفهمه، فلست الوحيد الذي أحس حيال هذا المشروع العظيم ضيقا، لكنني أحب أن أعرف استجابتك للمشروع من وجهة النظر السياسية.» - «لم أقف إزاء الحزب موقف المعارض قط.»
فلوح عضو اللجنة ببضع أوراق في يده الله أعلم ماذا تكون، وقال: «ليس ما تقول صوابا لسوء الطالع، فلدينا ها هنا من الحقائق ما يثبت أنك إبان تسريح المالكين الزراعيين بدرت منك إشارة استحسان لما كان قرره «بخارين» من أوجه النقد للرفيق «ستالين»، أيها الرفيقان «كاساريك» و«سوموف» تقدما وأيدا أمام اللجنة ما قررتماه في هذا الشأن.»
كان كثير منا يعرف هذين الطالبين، فهما ممن يدرسون قليلا ويتكلمون كثيرا، وها هما يتقدمان إلى صدر القاعة ويعيدان من الذاكرة ما حفظاه من اتهام مؤداه أنهما حين كانا في الريف مع «تسارف» سمعاه يتحدث بلسان النقد عن سياسة المزارع الجماعية على وجه الإجمال، وهما يسوقان مقتطفات بنصها مما يزعمان أنه كلام المتهم، وكنت ترى «تسارف» يحاول المقاطعة ، لكن محاولاته كلها في هذا السبيل ذهبت هباء، ولم يك ثمة سبيل إلى الشك في أن قضيته خاسرة.
Bog aan la aqoon