اتضح لي الآن ما يجب أن أصنعه، فالموقف من سوء الحال بحيث لا يحتمل أنصاف الحلول، فلا بد من إهمال الأوامر والقوانين مهما يترتب على ذلك من نتائج بالنسبة إلى نفسي، فإذا لم أرد لهؤلاء المزارعين قواهم، ضاع منا كل شيء، ولما عدنا إلى دار «شاداي» كتبت خطابا إلى الرفيق «سومانوف» وهو رئيس القسم السياسي الذي كنت تابعا له، وأرسلت الخطاب مع رسول خاص، ولما اقترب المساء جاءني الرسول يحمل رد الخطاب. «أنا على أتم العلم بالحالة، وإني لأود أن تعاود التفكير في الأمر من جديد وأن تزن كل جوانب الموقف، فإن ما تقترحه فيه عصيان خطير لما لدينا من أوامر صريحة، ومع ذلك فإذا لم يهدك التفكير إلى مهرب آخر، فلك أن تفعل ما تراه حتما لازما، وسأحاول أن أجد لك بعض الغلال، لكني أصارحك أنني لست كبير الرجاء في التوفيق.»
اطمأننت لهذا الجواب، فهو على الأقل لم يكن جوابا يحمل كلمة «لا»، ولم يكن ما اقترحته سوى أن أجمع بعض الشوفان لنطعم الخيل، وأن أحصد قليلا من الشعير النامي على حفاف الحقول ليأكل الناس، لكن مثل هذا الحصد السابق لأوانه كان في رأي جريدة «إزفستيا» المنشورة أمامي «سرقة لأموال الدولة» و«ضربا من التخريب»، ولقد ألقي القبض على الفلاحين وأرسل بهم إلى مطارح النفي عقابا على مثل هذه «الجرائم».
كانت الظروف في المزرعة الجماعية الأخرى لا تختلف عن ظروف هذه المزرعة جوهرا، فقد بقيت لبعض الفلاحين أبقارهم لكنهم كانوا يرسلون اللبن كله إلى مصنع الزبد التابع للدولة، وحتى هؤلاء الناس الذين لبث لهم من القوة ما يجولون به هنا وهناك، كانوا في حالة من الضعف واليأس والقنوط.
طلبت من «شاداي» و«دمشنكو» أن يستحضرا معلمي القرية وطبيبتها وبعض النساء ممن لهن شجاعة وذكاء في المزرعة، ثم أرسلت في الوقت نفسه إلى «بلوسوف» و«كوبزار» و«كاراس» آمرهم بالحضور، فلما اجتمع شملهم، جلسوا حول المنضدة يرقبون لا يدرون أي مفاجأة أنا مباغتهم بها من أوامر الحزب، ولم يستطع بعضهم - وكوبزار بصفة خاصة - أن يخفي ما يجول في نفسه من ريبة.
بدأت الحديث قائلا: «لقد دعوتكم للحضور أيها الرفقاء وبخاصة السيدات؛ لأنني بحاجة إلى نصحكم، وإنه ليسرني أن أرى بين الحضور الرئيس السوفيتي، وأمين الحزب، ومدير محطة الجرارات الآلية، لقد كنت أنتقل من دار إلى دار، وعرفت ماذا هناك، ولئن أفزعني كل ما رأيت، فقد أفزعتني حالة الأطفال على وجه خاص، كيف نطالب الناس بالعمل إذا كان أطفالهم يتضورون في المنازل جوعا؟
والآن هاكم خطتي، فقد أنبأني «شاداي» أن في القرية بعض المنازل الخالية، وأريد منكن أيتها السيدات أن تنظفن هذه المنازل وتبيضن جدرانها وتجعلنها صالحة للكائنات البشرية، وسنبدأ بالأطفال، سنعد لهم هذه الأماكن يعيشون فيها حتى يتم الحصاد، فاجمعن الأطفال واحلقن لهم شعرهم ونظفن أجسادهم واحقنهم وقاية من التيفوس، أنا أعلم أيها الطبيب أن لديك بعض الأدوية الضرورية، أعددن مناضد في حدائق تلك المنازل، واجمعن آنيات كبارا لطهي الطعام، هل أنتن على استعداد للمعونة؟»
قالت امرأة: «إننا على استعداد لا شك فيه، لكن ماذا عندك ليطهى؟» - «سأنبئكم بذلك فيما بعد، ولكني أحب أن أعلم الآن من تظنونه أكثر الناس جدارة بالركون إليه في الإشراف على هؤلاء الأطفال نيابة عنكم؟»
أجابت أصوات عدة: «كونوننكو إيفان بتروفتش، المعلم.»
فلما أشير إلى الرجل الكهل المقصود، وجهت إليه الخطاب قائلا: «إيفان بتروفتش، ما دام الناس قد وثقوا فيك، فلك مني الثقة كذلك، أنت المنوط بأمر الأطفال لا يشاركك في ذلك سواك، خذ من تشاء ليعاونك، ولك أن تعتمد على معونتي إلى أقصى الحدود، وإذا ما تدخل أحد في عملك فبلغ أمره لي.»
قال المعلم في صوت يختلط بالعبرات : «أنا على أتم استعداد، وكيف لا أكون وهؤلاء عشيرتي، هيئ لنا الطعام أضمن لك كل ما تريد.» - «شكرا لك يا إيفان بتروفتش، ابدأ عملك مفترضا أن الطعام هيئت أسبابه، اركن في ذلك إلى صدق وعدي.»
Bog aan la aqoon