ذَاكَ عَدُوُّنَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ كَانَ مِيكَائِيلُ مَكَانَهُ لَآمَنَّا بِكَ، إن جبريل نزل بِالْعَذَابِ والقتال والشدة، فإنه عَادَانَا مِرَارًا كَثِيرَةً، وَكَانَ أَشَدُّ ذَلِكَ عَلَيْنَا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّنَا أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَيُخَرَّبُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بُخْتُنَصَّرَ، وَأَخْبَرَنَا بِالْحِينِ الَّذِي يُخَرَّبُ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُهُ بَعَثْنَا رَجُلًا مِنْ أَقْوِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي طَلَبِ بُخْتُنَصَّرَ لِيَقْتُلَهُ، فَانْطَلَقَ يَطْلُبُهُ حَتَّى لَقِيَهُ بِبَابِلَ غُلَامًا مِسْكِينًا لَيْسَتْ لَهُ قُوَّةٌ، فَأَخَذَهُ صَاحِبُنَا لِيَقْتُلَهُ فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وَقَالَ لِصَاحِبِنَا: إِنْ كَانَ رَبُّكُمُ الَّذِي أَذِنَ في هلاككم فلا تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَقْتُلُهُ؟ فَصَدَّقَهُ صَاحِبُنَا وَرَجَعَ إِلَيْنَا، وَكَبُرَ بُخْتُنَصَّرَ وَقَوِيَ وَغَزَانَا وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَلِهَذَا نَتَّخِذُهُ عَدُوًّا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَدُوُّنَا أُمِرَ أَنْ يَجْعَلَ النُّبُوَّةَ فِينَا فَجَعَلَهَا فِي غَيْرِنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
(١) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ﴿٩٩﴾ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا جَوَابٌ لِابْنِ صُورِيَّا حَيْثُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَا مُحَمَّدُ مَا جِئْتَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، ما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِنْ آية بيّنة فنتبعك، بِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
(٢) - قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سلَيْمَانَ﴾ الآية ﴿١٠٢﴾ .
أخبرني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العزيز القنطري قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الفضل الحدادي قال: أَخْبَرَنَا أَبُو يزيد الخالدي قال: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بن إبراهيم قال: حدثنا جرير قال: أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ بِكَلِمَةِ حَقٍّ فَإِذَا جَرَّبَ مِنْ أَحَدِهِمُ الصِّدْقَ كَذَبَ مَعَهَا سَبْعِينَ
(١) - أسنده ابن جرير (١/٣٥٠) وابن أبي حاتم (لباب النقول: ٢٣) من طريق ابن إسحاق بسنده إلى ابن عباس ﵄. وهو حسن.
(٢) - انظر تخريجه وطرقه في تفسير ابن كثير (١/١٣٤ - ١٣٦) .