424

Articles from Dorar.net

مقالات موقع الدرر السنية

Daabacaha

موقع الدرر السنية dorar.net

ولو تأملنا السنة النبوية لوجدناها مليئة بحفظ مكانة الشخص ولو أخطأ، وعدم الإسراف في الإنكار عليه بتنقيصه والإزراء به، وفرق بين التعرض لشخصه بالهمز واللمز والتعرض لقوله بالتخطئة والنقد، وكثير من الناقدين لا يفرقون بينهما، والنبي ﷺ لما أقام الحد على الشارب فسبه بعض القوم قال ﷺ ردًا عليهم: «لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عليه الشَّيْطَانَ، وفي رواية: لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ على أَخِيكُمْ» (١) وكان من هدي النبي ﷺ إنزال الناس منازلهم (٢)، ووضعهم في المقام اللائق بهم، وقال في سعد بن معاذ ﵁: قوموا إلى سيدكم، (٣) وأنزل سيد قريش أبا سفيان منزلته فقال في الفتح: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. (٤) فالنابهون والمميزون وذوو الشأن ليسوا كغيرهم، وينبغي إعطاؤهم حقهم من التوقير والاحترام والاهتمام؛ لأن في تأليفهم خدمة للدعوة وإعزاز للدين بهم.
ومنهج النبي ﷺ في هذا الباب أنه كان يعامل كل أحد بحسب إيمانه وقوته في الحق:
فهجر الثلاثة المخلفين؛ لما ظهر من صدقهم في عدم اختلاق الأعذار؛ وذلك لتربيتهم، وظهر صدق توبة كعب ﵁ في رفضه لعرض ملك غسان .. فلا تكون هذه المعاملة قاعدة ثابتة، ولا تصلح مع كل أحد.
ولم يول خالد بن الوليد ﵁ في أول إسلامه مع شهرته في القيادة، وجعله جنديا تحت قادة هو أولى بالقيادة منهم من الجهة العسكرية، وما أرى ذلك -والله أعلم- إلا تربية له؛ ليكون إسلامه لله تعالى ولا حظ فيه لشيء من الدنيا والهوى ... فلما صح ذلك من خالد ﵁ ولم يتضعضع أنزله النبي ﵊ منزلته اللائقة به وولاه وقال: سيف من سيوف الله (٥)، ولما أخطأ تبرأ من خطئه (وقال اللهم أبرأ إليك مما فعل خالد) (٦) لكنه لم يهدره ولم يعزله. وهكذا فعل الصديق ﵁، فلما تولى عمر خشي أن يفتن الناس به فعزله ولم يهدر منزلته بل أمر أبا عبيدة أن يستشيره في الحرب.
وأعطى المؤلفة قلوبهم وترك الأنصار، والأنصار أسلموا ولم يريدوا من الدنيا شيئا، لأن النبي ﵊ لما أسلموا ما كان عنده شيء، بل خاطروا بدنياهم لأجله، وهذا من أبين الأدلة على تمكن الإيمان من قلوبهم، فعاملهم بحسب إيمانهم.
والمخطئون في معاملة من أخطأ من النابهين على طرفين: فطرف يداهنهم في دين الله تعالى لإرضائهم، ويوافقهم في بعض باطلهم بزعم أن يقبلوا الحق الذي عنده، وهي طريقة من يظنون أنهم من أهل التيسير، وهم في الحقيقة أهل التمييع والمداهنة في دين الله تعالى مع الكفار والمنافقين والمنحرفين، ولما ساومت قريش رسول الله على دينه أنزل الله تعالى سورة الكافرون؛ ليعلم الناس أنه لا مساومة على دين الله تعالى، وحسم النبي ﷺ هذا الأمر فقال: «فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، والله أني لاَ أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ على الذي بعثني الله له حتى يُظْهِرَهُ الله له أو تَنْفَرِدَ هذه السَّالِفَةُ» (٧) يعني: رقبته الشريفة.

(١) رواه من حديث أبي هريرة ﵁: البخاري (٦٣٩٥ - ٦٣٩٩).
(٢) كما في حديث أبي هريرة ﵂ عند أبي داود (٤٨٤٢).
(٣) رواه من حديث أبي سعيد ﵁: البخاري (٢٨٧٨) ومسلم (١٧٦٨).
(٤) رواه من حديث أبي هريرة ﵁: مسلم (١٧٨٠).
(٥) رواه من حديث أنس ﵁: البخاري (٤٠١٤).
(٦) رواه من حديث ابن عمر ﵄: البخاري (٤٠٨٤).
(٧) رواه من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أحمد: ٤/ ٣٢٣.

1 / 423