فقالت: «قل حالا، فإني لا أستطيع صبرا. أين هو؟ وكيف وصل إليكم؟» فهمس في أذنها: «إنه أسير في معسكر العرب، ولا خوف عليه لأنهم لم يعرفوه، ومتى انقضت الحرب أسعى في إطلاق سراحه.»
قالت وقد اشتد قلقها، واضطربت جوارحها: «قل الآن وأفصح، كيف وصل إلى المعسكر؟! يا ويلاه! أسر أركاديوس يا بربارة.»
فهمت بربارة بسؤال زياد عن أمره فقال: «ولكن قبل أن أقص الخبر خذوا هذا العلم وانصبوه على باب القصر، ليعلم الجند أنكم في ذمتنا .»
فنادت الخدم، فأخذوا العلم ونصبوه على الباب، وجلس زياد يقص عليهما حكاية أركاديوس كما علمها منه، وأرمانوسة كلها آذان، وقد امتقع لونها وخفق قلبها واصطكت ركبتاها وما صدقت أن جاء على آخر الحكاية فقالت: «وهل هو أسير عند العرب الآن؟ قد يكونون أصابوه بسوء وبخاصة إذا عرفوا أنه ابن الأعيرج.»
قال: «إنهم لم يعرفوه، وهم لا يفتكون بأسراهم غدرا، فلا تخافي، وها أنا ذا ذاهب لاستجلاء خبره وأعود إليكم.» وخرج زياد وقد ترك أرمانوسة على مثل الجمر تلطم كفيها باكية وتصيح: «يا ويلاه، أأركاديوس حي؟ آه من الدهر، كم يعمل على كيدي، وحتى متى؟»
فجعلت بربارة تخفف عنها وتعزيها ولو أنها لم تكن أقل قلقا منها، وذهب زياد توا إلى معسكر العرب فرآه يكاد يكون خاليا لاشتغال الرجال بالفتح، وقصد إلى محبس أركاديوس، فذهل ذهولا عظيما لما دخله ولم ير به أحدا، فخرج يطوف المعسكر يبحث عنه فلم يقف له على أثر، فعاد إلى الخيمة يفحص ما فيها لعلع يستطلع شيئا عنه، فرأى أمراسا من الشعر مقطعة بغير آلة حادة، وعلى بعضها أثر الدم، فظن أن الغزاة فكوا وثاقه وضربوه أو قتلوه ولكنه لم ير جثته، فوقع في حيرة وحزن شديدين، ورثى لحال أرمانوسة عندما تعلم ذلك، فوقف لا يدري ماذا يعمل.
فلنتركه في حيرته على أركاديوس، ولنعد إلى حصن بابل لنرى ماذا كان من أمر أبيه وأهل الحصن بعد خروجه. •••
تركنا الأعيرج في غرفته بعد ذهاب أركاديوس، وقد حمي غضبه لما تخيله من خيانة المقوقس وهم بأن يدعوه ويؤنبه، ولكنه آثر السكوت إلى أن تنقضي الحرب، وقد أضمر الشر.
وفي صباح اليوم التالي جاءته رسله ينبئونه بوصول العرب إلى بلبيس بعد أن فتحوا الفرما، فاضطرب، وبعث إلى أركاديوس ليشاروه في الأمر، فقيل له إن أركاديوس ليس في قلعته، فاستقصى خبره، فعلم أنه خرج مساء أمس ولم يعد بعد، فقلق، وعجب لذهابه بغير استئذان، في إبان الحرب، فأرسل إلى المقوقس، فجاءه وأخذا يتدارسان ما جاء من الأنباء ، وسأله عن أركاديوس فأجاب بأنه لم يره، وما عتم أن شاع خبر غياب أركاديوس في أنحاء الحصن، وأخذ الجند والقواد والناس يتساءلون، فلم ينبئهم بخبره منبئ، فعظم ذلك على الأعيرج، وخارت قواه؛ لأنه كان يعتمد على أركاديوس في أمر الحصن والاستحكامات وما يتعلق بها، فبعث من يفتش عنه في ضواحي الحصن لعله يكون قد ذهب في حاجة فلم يقفوا له على أثر أو خبر، فخامرته الشكوك، فكان يتهم المقوقس باغتياله، ثم يراجع نفسه فيظنه ذهب على جواده لتفقد الحصون فكبا به الجواد فمات، فشغل بهذه الهواجس عن إعداد المعدات وتحصين الحصون، ولاح له بعد لأي أن ينفذ جماعة من خاصته يبحثون عنه في الأماكن المجاورة، وأمرهم أن يستقصوا خبره ما استطاعوا، فتفرقوا في ضواحي الحصن، وأوغل بعضهم شرقا إلى جوار بلبيس، فعثروا بمرقس واقفا ومعه جواد أركاديوس وسيفه ودرعه، وقد فارقناه هناك ينتظر عودة أركاديوس، فأمسكوه وسألوه عن أمره وعن أركاديوس، فقال إنه لا يعلم شيئا، فجاءوا به إلى الأعيرج، فلما رآه الأعيرج ومعه جواد ابنه وعدته وسلاحه وثيابه صاح به: «ويلك، أين أركاديوس؟» وهدده بالقتل أو يصدقه القول، فلم يزد على قوله إنه كان مارا بجوار بلبيس فرأى الجود والعدة، ولا يعرف شيئا عن صاحبهما، فقال له: «ومن أين أتيت بهذا الثوب؟ إنه ثوب أركاديوس. لعلك قتلته وأخذت أسلابه؟» قال ذلك وبعث إلى المقوقس، فلما جاء سأل عن الرجل فصرح أنه من خدم ابنه أرسطوليس، وسأله فأصر على الإنكار، ولكنهم رجحوا الشبهة عليه، وارتابوا في أمره، ولا سيما عند رؤيتهم سيف أركاديوس ملوثا بالدم وكان هذا على أثر مقتل خاطف مارية ليلا، فاشتد غضب الأعيرج، وتراكمت عليه الظنون، وقال للمقوقس: «لا أعرف قاتل ولدي إلا منك، فإن مرقس هذا من رجالك، وقد وجدنا جواد ابني وسلاحه وثيابه معه، فأنت مطالب بدمه، وإذا كان قد قتله فدم الأقباط كلهم لا يكفيني دية له.» فعجب المقوقس لذلك الحادث الغريب، واستأذن الأعيرج في استجواب الشاب، فخلا به هو وأرسطوليس، وبذلا الجهد في استنطاقه فلم يفيدا منه شيئا عن أركاديوس، فهدداه بالقتل فقال: «اقتلاني أو افعلا بي ما شئتما.»
فأمسكه أرسطوليس وقال له: «أما أرسلتك بكتاب البطريرك إلى أبي؟ فقص علينا ما فعلت بعد ذلك.» فحكى لهما من الحكاية ما لا يلقي شبهة على أركاديوس، وقد اعتزم أن يحافظ على سر أركاديوس جهده، ولو آل الأمر إلى قتله؛ لأنه كان عالما خوفه من أبيه إذا علم بما بينه وبين أرمانوسة، وكان يشعر بفضل أركاديوس عليه، فأبت عليه شهامته إلا الإنكار خوف الإيقاع به، فبقي مصرا، وعبثا حاول المقوقس وأرسطوليس استجوابه.
Bog aan la aqoon