وللتعارض بين تجربة التدين العادية وتجربة التصوف على مستوى الفهم والتفسير ليس إلا اهتمام المتصوفة بقضايا اللغة والدلالة؛ فنتيجة للعنف المادي واللغوي الذي مارسه أصحاب تجربة التدين العادية والفقهية ضد المتصوفة، فاستعاض المتصوفة عن اللغة العادية بلغة الرمز والإشارة، سواء في تفسيراتهم للقرآن الكريم أو في تعبيراتهم عن تجاربهم الروحية ومواجدهم في أحوالهم ومقاماتهم. وفرقوا بين مصطلحي الإشارة والعبارة؛ فالإشارة إيحاء بالمعنى دون تعيين وتحديد مما يجعل المعنى منفتحا، أما العبارة فهي تحديد للمعنى يجعله مغلقا ونهائيا. وبنى المتصوفة هذا التمييز على تمييزهم في الخطاب الإلهي بين المعنى الظاهر وبين الدلالة الباطنية؛ فظاهر الخطاب الإلهي هو ما يدل عليه الخطاب بدلالة اللغة الوضعية في بعدها الإنساني، أما الدلالة الباطنية للخطاب الإلهي فهي مستوى أعمق؛ مستوى اللغة الإلهية؛ لذلك طور المتصوفة مفهوم الأشاعرة عن الكلام الإلهي؛ فقد ميز الأشاعرة بين كلام الله الأزلي القديم أو الكلام النفسي، والذي هو صفة الذات، وبين التلاوة الإنسانية التي تتصف بالحدوث. فطور المتصوفة هذه التفرقة أن هناك البعد الإلهي للخطاب والبعد الإنساني؛ فالبعد الإلهي يتجلى في القرآن وفي الوجود، فالقرآن كلمات الله المسطورة في المصحف، والوجود كلمات الله المسطورة في الآفاق. وأكد المتصوفة على العلاقة بين الظاهر والباطن، أو بين العبارة والإشارة، بل أكدوا أن الظاهر بدونه يستحيل النفاذ إلى الباطن. وبجانب استخدامهم الإشارة والرمز في تفسيراتهم استخدامهما في التعبير عن تجاربهم الروحية، ولكنهم كانوا يتبعون المنهج الإلهي الذي استخدم لغة الستر والإشارة في خطابه سبحانه؛ للتلاؤم مع مستويات العقول، وكذلك فعل المتصوفة؛ اتقاء هجوم أهل الظاهر عليهم.
وحللت مغزى الموازاة بين اللغة والوجود وبين الوجود والقرآن في فكر «ابن عربي»، لكن السؤال هو: هل نجح منهج الستر والرمز في حماية العرفان من هجوم المتهجمين؟ وهل نجحت محاولات الفلاسفة في إخفاء براهينهم عن عقول العامة من حماية الفلسفة؟ فقد اختفت روحانية الدين تحت وطأة الاستخدام السياسي النفعي له من جانب الحكومات والمعارضين على السواء. وبالمثل ضاعت الفلسفة، وتم تجريم الفكر باسم الحفاظ على التراث وحماية المقدسات. لتكن المعرفة كالماء والهواء عبر تعليم ديمقراطي في مجتمعات تعترف بحق كل فرد في المعرفة وبحقه في حرية الفكر والتعبير. إن العالم الإسلامي مهدد بالعودة إلى عصور الفوضى، ما لم يفتح نوافذ مجتمعاته مشرعة لكل مواطنيه - بصرف النظر عن العقيدة والعرق أو الجنس والثقافة - وما لم يفتح نوافذ الحوار الحر الخلاق مع المجتمعات الإنسانية كافة.
7
كتبت دراسة باللغة الإنجليزية نشرت عام تسعة وتسعين عن «تفسير القرآن والرؤية للكون في الفكر الإسلامي»، تناولت كيف استقى «أبو حامد الغزالي» ومن بعده «محيي الدين ابن عربي»، من القرآن ومن غيره، تصور أن الكون نور من نور الله، كما ورد في القرآن، فسؤال كيف نشأ العالم الواسع المتعدد بواسطة خالق واحد، وماذا يعني الخلق، وهل هو خلق من عدم، وكيف، ولو حدث الخلق من مادة ألا يعني هذا قدم المادة أيضا، وهل يتعارض هذا مع مفهوم وحدانية الله. وكتبت دراسة أخرى نشرت في أمستردام بالإنجليزية في يناير ألفين، بعنوان «صورة أوروبا في نماذج من السرد الروائي في مصر ». وكتبت مراجعة بالإنجليزية لكتاب بعنوان «إصلاح العالم الإسلامي». وخرجت الطبعة الأولى لكتابي «الخطاب والتأويل» يجمع بعض دراساتي بالعربية في الأعوام السابقة.
فوجئت بمنحي كرسي «كليفرنجيا» (1892-1980م) من جامعة لايدن، وهو كرسي لمدة عام، فقرأت عن الرجل الذي تماهيت مع مواقفه الإنسانية؛ فعندما أصدر الاحتلال النازي لهولندا قرارا بفصل جميع الأساتذة اليهود من الجامعات الهولندية، ألقى الأستاذ «كليفرنجيا» محاضرة بجامعة لايدن سنة أربعين أعلن فيها استهجانه للقرار، ودعا الطلاب إلى تمزيقه ودوسه بأقدامهم. وبعد المحاضرة جرت تظاهرات في لايدن، وأغلقت الجامعة الوحيدة التي اعترضت على القرار، واعتقل الأستاذ؛ فقررت الجامعة سنة سبعين إنشاء هذا الكرسي الفخري ليمنح كل عام لشخصية عامة في مجال الحريات، وخصوصا الحريات الدينية. بدأت في إعداد محاضرتي، وقررت الكتابة عن الرواية العربية وعن ملحمة «الحرافيش» للأستاذ «نجيب محفوظ». ومع اقتراب موعد المحاضرة اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فسألت نفسي: ماذا سيكون موقف الأستاذ الذي دافع عن اليهود عام أربعين لو طلب منه محاضرة اليوم؟
وفي أول يوم من شهر رمضان، السابع والعشرين من نوفمبر ألفين، ألقيت محاضرة بالإنجليزية بعنوان «القرآن، التواصل بين الله والإنسان»، قلت في مقدمتها: «هذه لحظة من أعظم لحظات حياتي. الكلمات لا تستطيع التعبير عن مشاعري أو تصور ما أريد أن أقول. منذ ستين عاما كان البروفيسور «كليفرنجيا» رجلا شجاعا مهموما بما هو صواب وما هو خطأ، وقف في نفس القاعة ورفض بشجاعة الظلم الواقع من الاحتلال النازي ضد اليهود الهولنديين بفصلهم من وظائفهم. وتكريمي بالجلوس على كرسي الأستاذية الذي يحمل اسمه يشير إلى القيم الأكاديمية والإنسانية التي دافع عنها. أشعر من واجبي أن أبدأ محاضرتي بالحديث عن تصوره وتواصلي مع ما دافع هو عنه؛ فالعدل يعتمد على حرية الإنسان الكاملة وعلى المساواة، وهو صلب هذه المحاضرة، لكن هل يمكن الحديث عن العدل دون الحديث عن الوضع في العالم الآن؟ هل تسود العدالة؟ أشير هنا على سبيل المثال بالضرب بالرصاص والقذف بالقنابل الذي تتعرض له المدن الفلسطينية من الجيش الإسرائيلي. مواطنون عزل منهم أطفال يقتلون يوميا . جريمة الفلسطينيين ببساطة أنهم يريدون دولة مستقلة، يريدون بيوتا ومدارس ومستشفيات آمنة. منذ ستين عاما لم يصمت «كليفرنجيا» وهو يرى آخرين يفصلون لمجرد هويتهم. ماذا كان سيقول لو كان بيننا اليوم؟ هل كان سيتردد في الدفاع بوضوح وبشجاعة، لو كان مكاني، عن حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على الأرض المحتلة سنة سبع وستين؟»
بدأت المحاضرة من سؤال: ما القرآن؟ وعرضت ما قاله اللغويون عن أصل كلمة «قرأ»، هل هي بمعنى «جمع» أو هي بمعنى «ردد»؟ وهو الرأي الذي أميل إليه لنزول القرآن شفويا، ولم يجمع في مصحف إلا بعد وفاة الرسول الكريم، بل إن القرآن لم يتعامل معه ككتاب مكتوب في الحياة العامة منذ حياة المسلمين الأوائل حتى أتى عصر الطباعة. والتعريف الذي أجمع عليه المسلمون للقرآن: «أنه كلام الله الذي أوحي به إلى النبي محمد باللغة العربية على مدار ثلاثة وعشرين عاما.» وهذا التعريف له ثلاثة جوانب: كلام الله والقرآن والوحي. ومفهوم كلام الله كما ذكر القرآن أن كلام الله لا نهاية له؛ مما يجعل القرآن كنص يمثل مظهرا خاصا من كلام الله، وحدث خلاف بين المسلمين حول طبيعة القرآن هل هو قديم أبدي أم هو مخلوق محدث، لكن مفهوم أنه قديم هو الذي ساد. الجانب الثاني من تعريف القرآن: هو جانب الوحي، وهو قناة الاتصال التي تنزل من خلالها القرآن على النبي محمد، وهو لغويا «الاتصال في خفاء». وذكر القرآن ثلاثة طرق للاتصال بين الله والعالم: أن يكون من وراء حجاب، كما حدث مع موسى من وراء الجبل، والثاني أن يرسل رسولا يوحي إليه، والثالث هو الوحي، كما أوحى للنمل. فالقرآن إذن تجل من تجليات الكلام الإلهي، أوحي به إلى النبي محمد بواسطة الملك جبريل.
من هنا يمكننا التمييز بين ثلاثة جوانب من القرآن: محتواه، ولغته، والجانب الثالث تركيبته أو بنيته. وليس هناك تناقض بين إلهية مصدر القرآن وبين محتواه المتصل بتركيب اللغة وتاريخيتها وخلفيتها الثقافية. بتعبير آخر، فالمحتوى الإلهي عبر عنه باللغة الإنسانية. وهذا المدخل اللغوي الإنساني هو المدخل الأصيل والأساسي لفهم النصوص كلها، وكذلك هو المدخل لفهم القرآن وتركيبة القرآن وبنيته، يتجلى فيهما البعد الإنساني؛ فالقرآن نزل منجما (مفرقا) على أكثر من ثلاثة وعشرين عاما، وأيضا خلال عملية جمعه، واختلاف الترتيب الحالي للسور، ترتيب التلاوة عن ترتيب النزول، وليس فقط عملية التنقيط والتشكيل التي دخلت عليه بعد ذلك، بل تركيبة القرآن ذاته، مثل الآيات التي ورد فيها:
يسألونك ، خمس عشرة مرة، عن الخمر والميسر واليتامى وعن المحيض والإنفاق والأنفال.
والجانب الثالث: لغة القرآن؛ فللقرآن استخدام خاص للغة العربية كخطاب للتأثير على المتلقي؛ فقد حول القرآن ألفاظ اللغة العربية إلى دلالات بالمعنى السيميوطيقي، دلالات تدل على حقيقة واحدة، وهي الله، تنقل المتلقي من العالم المشاهد إلى عالم الحقيقة الإلهية. وكل الأجزاء ما هي إلا علامات وإشارات وآيات تدل على الله، وليست علامات طبيعية في العالم. وحتى التاريخ الإنساني أيضا ما هو إلا سلسلة من العلامات. وتناولت في القسم الثاني من المحاضرة الدور الذي تقوم به الصلاة وشعائرها، والحج وشعائره، والعلاقة بين الميكرو المتمثل في الصلاة، والماكرو المتمثل في الحج، وما يحققانه من تواصل واتصال بالله. وتناولت في القسم الرابع من المحاضرة دور قراءة القرآن في حياة المسلمين، من ترتيل وتعليم وحفظ وتأثيره في الحياة اليومية من ألفاظ خصوصا في العامية المصرية. وفي الختام فالقرآن لا يمثل للمسلمين أسلمة الحياة، ولا هو أيضا الفصل التام بين الدين والحياة. وإن كان الفصل بين سلطة الدولة والدين ضرورة، فإنها لا تعني عزل الدين في خلفية الحياة الاجتماعية؛ فالقرآن يقدم نموذجا للتواصل بين الله والعالم، ويعلمنا ليس مجرد قوانين أو سياسات بالمعنى الضيق للكلمتين، إنه يعلمنا أن الفهم الحرفي لنصوصه تسجن كلام الله في اللحظة التاريخية لنزول القرآن، فيجب علينا أن ندرك تلك اللحظة، لكن أيضا ألا نهمل الدور الذي قام به القرآن في تشكيل حياة المسلمين، وإدراك طبيعة اللغة الدينية للقرآن.
Bog aan la aqoon