قال: «تواعدنا عليه لما كفرت بالمجوسية واعتنقت الإسلام رغبة في المناصب وتواطأنا على السعي في هذا السبيل، وأنت يومئذ لا تملك شيئا، وكانت بوران طفلة. أما الآن فقد تغيرت الأحوال وأصبحت ذا الرياستين وصاحب الأمر والنهي، فاذكر ما تعاقدنا عليه وأني قمت بما علي، فهلا قمت بما عليك؟» فظهر الغضب في وجه الفضل لما يتخلل كلام سلمان من التعريض والتلميح وقال: «لا أذكر شيئا من ذلك. ولكن ما رأيك، هل نرد خطيبها خائبا ونزفها إليك؟ وعلى كل حال فالأمر لوالدها وهو غائب.»
فوقع قوله في قلب سلمان وقوع السهم وامتقع لونه ورقص شارباه في وجهه وتحفز للنهوض، فرأى بهزاد تغيره فوقع في حيرة وأراد أن يستأنف الكلام فرأى الفضل يتناول مذبته ويتزحزح في مجلسه فعلم أنه يفض المجلس، فوقف بهزاد وسلمان وانصرفا بعد أن حياهما الفضل تحية فاترة. فلما خرجا أراد بهزاد أن يخفف من غضب سلمان فلم يدعه هذا يقول شيئا وهم بوداعه فقال بهزاد: «لا تغضب يا أخي، لعل للرجل عذرا مقبولا.» فأجابه وفي صوته خشونة الغضب: «لا عذر له، ولكنه دنيء الأصل لا يعرف قدر الرجال وسأريه عاقبة أمره.» ومشى مهرولا. وظل بهزاد واقفا حتى توارى سلمان عنه وهو يحسب لهذا التهديد ألف حساب. لعلمه أن صاحبه ذو كيد ومكر لا يثنيه عن الأذى ضمير أو عهد ولا يرعى ذمة أو جوارا.
أما سلمان فسار توا إلى قصر المأمون واستأذن في مقابلته فأذن له، فلما اختليا قال سلمان: «إني من موالي أمير المؤمنين، ويفرحني أن ما بذلناه في سبيل نصرته لم يذهب عبثا فمن الله علينا ببقائه وبالخلافة وهو خليق بها.»
فتوقع المأمون من وراء ذلك خبرا جديدا ولم يكن غافلا فاغتنم هذه الفرصة وقال: «إني شاكر لأخوالي الخراسانيين فإنهم أصحاب الفضل.»
فتظاهر سلمان بالتردد كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى فقال له المأمون: «قل ما بدا لك ولا تخف.»
قال: «أنا أعلم أني أستهدف للموت بما سأقوله، ولكنني أقوله رغبة في حفظ حياة أمير المؤمنين ودوام دولته، وأرجو أن يبقى قولي سرا عن كل إنسان.» فاهتم المأمون وقال: «أتوصيني بحفظ السر وقد قامت دولتنا به؟ قل سريعا. لا تخف.»
قال: «إن وزيرك الفضل بن سهل يوهمك أنه رد السلطة إليك وهو يدبرها لنفسه.» فخاف المأمون أن يكون الرجل مدسوسا من الفضل عليه فقال: «إن مثل الفضل أهل للتمتع بنفوذ الكلمة بعد الذي بذله في سبيلي.»
قال: «أرى مولاي يحاذر أن يظهر ما يجول في خاطره ورأيه الأعلى، ولكنني أقول إن الفضل إنما أراد السلطة لنفسه ليس لنفوذ كلمته فحسب، ولكنه يسعى في نقل الخلافة من العباسيين إلى العلويين لترجع إلى الفرس؛ ولذلك اشترط البيعة لعلي الرضا بعد أمير المؤمنين.»
فانتبه المأمون لمساعي الفضل في هذا الشأن، ولم يكن غافلا عنها من قبل، ولعله اضطر إليها رغبة في التغلب على أخيه، فقال: «ولكنني بايعت لعلي الرضا مختارا لأني لم أجد في بني العباس من هو أهل للخلافة.»
قال: «وهل تضمن أن يكون بنو علي أهلا لها ... وهب أنك فعلت ذلك مختارا، فهل تضمن أن يصبر الفضل على نقلها حتى يستوفي أمير المؤمنين حظه منها؟ اعذر صراحتي يا أمير المؤمنين، وأنا واثق من بقاء هذا سرا، ولا أطلب إلا الحذر من هذا الرجل على حياتك ثم على دولتك.»
Bog aan la aqoon