621

روي أنه أحضر قوما بلغه أنهم شيعة لعلي عليه السلام ليدعوهم إلى لعنه أو ليضرب أعناقهم، وكانوا سبعين رجلا فصعد المنبر وجعل يتكلم بالوعيد والتهدد، فنام بعض القوم وهو جالس، فقال له بعض أصحابه: تنام وقد أحضرت لتقتل؟ فقال: من عمود إلى عمود فرقان، ولقد رأيت في نومي هذا عجبا. قال: وما رأيت؟ قال: رأيت رجلا أسود دخل المسجد فضرب رأسه السقف، فقلت: من أنت يا هذا؟ فقال: أنا الرفاد داق الرقبة، قلت: وأين تريد؟ قال: أدق عنق هذا الجبار الذي يتكلم على هذه الأعواد، فبينا زياد-لعنه(1) الله- يتكلم على المنبر إذ قبض على أصبعه، ثم صاح يدي، وسقط عن المنبر مغشيا عليه فأدخل القصر، وقد طعن في خنصره(2) اليمنى، فجعل لا يتقار فأحضر الطبيب فقال له: إقطع يدي، فقال: أيها الأمير، أخبرني عن الوجع تجده في يدك أو في قلبك، فقال: لا والله إلا في قلبي، فقال: عش سويا ومت سويا، فلما نزل به الموت كتب إلى معاوية: إني كتبت إلى أمير المؤمنين، وأنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وقد استخلفت على عملي خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فلما وضع نعشه، تقدم(3) ابنه عبيدالله ليصلي عليه فنحاه خالد بن عبد الله، فتقدم فصلى عليه، وخرج عبيدالله بن زياد من ساعته إلى معاوية فقال له معاوية: يا بني، ما منع أباك أن يستخلفك أما لو فعل(4) لفعلت، قال: اناشدك الله يا أمير المؤمنين أن تقولها [لي](5)أحد بعدك ما منع أباه وعمه أن يستعملاه، فولاه خراسان وصير إليه ثغري الهند والسند، فوجه عبيدالله إلى السند المنذر بن الجارود العبدي، وتوفي المنذر فولى مكانه سنان بن مسلمة، وصار عبيدالله بن زياد إلى خراسان فبدأ بخارى وعليه ملكة يقال لها: خاتون فقاتلهم حتى فتحها، ثم قطع نهر بلخ، وكان أول عربي قطع نهر بلخ، وحاربه القوم محاربة شديدة، ثم انصرف من خراسان إلى معاوية فولاه البصرة سنة ست وخمسين، وقيل: أول سنة سبع وخمسين، وولى معاوية عبد الرحمن بن زياد خراسان فاستضعفه وعزله، فقدم عبد الرحمن بمال عظيم، فيقال: إنه قال: قدمت معي بمال يكفيني مائة سنة لكل يوم ألف، فذهب المال حتى نظر إليه في أيام الحجاج على حمار، فقيل له: أين المال؟فقال: لا يبقى إلا وجه الله، والحمار أيضا ليس لي إنما هو عارية، وولى معاوية خراسان بعد عبد الرحمن بن زياد سعيد بن عثمان، فقطع النهر وصار إلى بخارى، فطلبت خاتون ملكة بخارى الصلح، فأجابها إلى ذلك ثم رجعت عن الصلح وطمعت في سعيد فحاربهم سعيد فظفر، وقتل مقتلة عظيمة، وسار إلى سمرقند فحاصرها فلم يكن له طاقة، وظفر بحصن فيه أبناء الملوك، فلما ساروا في يده طلب القوم الصلح، فحلف أن لا يبرح حتى يدخل المدينة ففتح له باب المدينة، فدخلها وكان معه(1) قثم بن العباس بن عبدالمطلب فتوفى بسمرقند، وانصرف سعيد بن عثمان إلى معاوية فولى معاوية مكانه أسلم بن زرعة وصار سعيد إلى المدينة ومعه أسرى من أولاد الملوك فوثبوا عليه فقتلوه وقتل بعضهم بعضا، حتى لم يبق منهم أحد، فأراد معاوية سعيد بن أبي وقاص أن يعمل له فامتنع عليه ولزم منزله، وكان يسكن قصرا له خارج المدينة على عشرة أميال، فلم يزل نازلا به، حتى توفي سنة خمس وخمسين، وتوفي في أيام معاوية أربع من أزواج رسول الله-صلىالله عليه وآله-حفصة ابنة عمر، سنة خمسة وأربعين، وصفية ابنة حيي بن أخطب سنة خمسين، وجويرية ابنة الحارث المصطلقية سنة ست وخمسين، وعائشة بنت أبي بكر سنة ثماني وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وكان خليفة لمروان على المدينة، وتوفى أبو هريرة سنة تسع وخمسين.

قال في (الشافي): وأمر معاوية بهجو الأنصار فتحامى عن ذلك من يدين بالإسلام، وانتدب لذلك الخبيث النصراني، فقال قصيدته المشهورة التي قال فيها:

Bogga 39