Axmed Curabi Hogaamiyaha La Been Abuuray
أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه
Noocyada
وإن الأسابيع القليلة التي قضاها عرابي في منصبه السامي قد أكسبته نضجا وقوت عزيمته، فتناول معي الأمور بكل ما يمكن من سداد في الفكر ولغة الحوار.
ولقد أكد لي تأكيدا وثيقا أنه وأصحابه الوزراء يتطلعون أكبر التطلع إلى تفاهم ودي مع الحكومة الإنجليزية على كافة المسائل القائمة بينهم وبين وكلائها في القاهرة. على أنه اشتكى في شدة من مالت وكلفن؛ فإن صنعهما الأخير والدور الذي أخذاه في معركة تشويه الحركة الوطنية في الصحف البريطانية يدلان على عداوتهما ... ثم قال عرابي: إنه لن يقوم سلام في القاهرة طالما أنه ليس لدينا غير هذين نتعامل وإياهما لأننا نعلم أنهما يدبران لنا السوء في السر وإن لم يبد ذلك في العلن، وسوف ننأى بجانبنا عنهما كليهما، ولكن ليس معنى ذلك أننا لهذا نريد أن نخاصم إنجلترا، فليرسل إلينا مستر جلادستون من يشاء غيرهما لنتعامل معه ونحن نتلقاه مرحبين بأذرع مبسوطة.
وتكلم عرابي كلاما طويلا عن الإصلاحات التي كان يفكر فيها محمود سامي والوزراء، تلك الإصلاحات التي وضع معظمها في ثبت الحسنات التي أسداها الاحتلال البريطاني إلى مصر والتي ادعاها اللورد كرومر لنفسه. ومن أمثلة تلك الإصلاحات إبطال السخرة التي أنزلها الأغنياء من الباشاوات الترك بالفلاحين وإبطال احتكار هؤلاء الأغنياء مياه الري عند زيادة النيل، ثم حماية الفلاحين من زبانية الربا من اليونانيين الذين وضعوهم بين براثنهم معتمدين على عيوب المحاكم المختلطة، وتناول التفكير في الإصلاح حتى ذلك العلاج الأخير لهذه النكبة الزراعية، ذلك العلاج الذي طالما جعله اللورد كرومر من مفاخره بوجه خاص، ألا وهو إنشاء مصرف زراعي تحت إشراف الحكومة ...
وتكلم عرابي فيما تكلم فيه من المسائل عن إصلاح العدالة التي تطرق إليها الفساد في صورة مخيفة، وعن تعليم الرجال، بل وتعليم النساء كذلك، وعن طريقة الانتخاب التي تنتقى للبرلمان الجديد، وعن مشكلة الرق ...
وقد تكلم طويلا عن هذه المشكلة الأخيرة، وذلك لأن الموظفين الأوربيين في الإدارة المختصة بالقضاء على الرق، قد بدأوا كما بدأ غيرهم من الموظفين الأجانب يبدون مخاوفهم من أن النظام الاقتصادي الجديد للحكومة الوطنية سوف يؤدي إلى إنقاص رواتبهم، ولذلك عمدوا إلى ادعائهم أن نهضة الإسلام سوف تفضي إلى انتعاش تجارة الرقيق، وأظهر لي عرابي مبلغ ما في ذلك الكلام من ضعف الحجة قائلا: إن الذين لا يزالون يمتلكون الرقيق في مصر أو الذين يريدون امتلاك الرقيق إنما هم أمراء الأسرة الخديوية وأغنياء الباشاوات، أولئك الذين توجه ضد مظالمهم حركتنا القائمة، حركة الفلاحين القومية، وإنه حسب مبادئ الحرية الجديدة سوف يكون الناس جميعا منذ الآن سواسية لا فرق بينهم بسبب الجنس أو اللون أو الدين، وإن انتعاش تجارة الرقيق لهو آخر شيء يمكن أن يتمشى مع هذه المبادئ ...
وتناول آخر الأمر ما يتصل بضرورة الاستعداد الحربي لما يتوقع من حرب، ذلك الأمر الذي كان يعنيه بصفة خاصة لأنه جندي ولأنه وزير الحرب. وقد تحدث عن هذا في بساطة ونشاط ...
قال: إن الحكومة القومية سوف لا تضع السلاح أو تغفل عما يجب من الحذر حتى تتوطد دعائم النظام الدستوري وتعترف به أوربا. وأعرب عن أمله ألا يتجاوز المخصصات الحربية التي اتفق عليها مع كلفن، وألا يضطر أن يزيد عدد المجندين عن الثمانية عشر ألفا الذين تسمح بهم الفرمانات، فإذا استمر تهديدهم بالتدخل المسلح فإنهم سوف يتبعون الأسلوب البروسي القائم على فكرة قصر مدة الخدمة، وبهذا يصلون إلى إيجاد قوة كبيرة هي بمثابة جيش احتياطي تحت السلاح.
وسألني عرابي رأيي عن مبلغ إمكان التصادم، فقلت في جلاء إنه كما يتبين لي مما تفاخر به كلفن أمامي من نية العمل على وقوعه، ومن لهجة الصحف التي وجهها لتتمشى مع ذلك، فإن الخطر حقيقي، وإن غرضي من ذهابي إلى إنجلترا هو أن أقضي على حملة الكذب التي بدأت، بكل ما في وسعي. وسيكون ما أدعو إليه هناك هو السلام وخلوص النيات. ولكني من جهة أخرى لست أنصح له إلا بأن يظل على ثباته وعزمه، فإن خير وسائل السلام أن يستعد المرء للدفاع، وإن كبار أعداء مصر ليسوا بين صفوف رجال الحكومات كما هم بين صفوف رجال المال، وإن هؤلاء سوف يترددون طويلا قبل أن يحرضوا على هجوم مسلح إذا عرفوا أن ذلك يعرض مصالحهم في مصر لخطر حرب طويلة الأمد كثيرة النفقات، وإن أمة مسلحة قد عقدت العزم على الدفاع عن حقوقها لأمة يصعب أن يبطش بها. وأذكر أني اقتبست له أبياتا من بيرون تبدأ بقوله: «لا تثق في طلب الحرية بالفرنجة.» وقد وافق على ذلك الكلام موافقة قوية، وأظن أن ذلك كان آخر ما دار بيننا من كلام، وقد وعدته أنه إذا وصلت الأمور إلى أسوأ ما تصل إليه فسوف أعود لآخذ بنصيبي بين صفوفهم في المعركة من أجل الاستقلال.»
وبعد، فإن نظرة في هاتيك الأماني التي كانت تتمثل في خاطر أحمد عرابي ترينا بعد ما بين هذا الرجل في صورته الحقيقية وبينه في صورته التي صورها المغرضون.
ثار هذا الرجل ثورته فأثبت في سجل القومية المصرية يوما لا يمحى هو يوم عابدين المشهود، بل لقد أضاف أحمد عرابي بما صنع في ذلك اليوم فصلا إلى تاريخ الحرية في هذا الوجود ...
Bog aan la aqoon