أبو جعفر المنصور
وكان صالح قد علم بالقبض على إبراهيم ففرح لنجاح مسعاه، وتربص إلى الغد ليسرع إلى أبي سلمة ليخبره بما حدث، فلما أمسى المساء جلس للعشاء وهو لا يزال بملابس أهل الشام، وقد تنكر وصبغ لحيته بالحناء وجعدها بعد أن حشاها بالشعر؛ لتذهب خفتها، وتظاهر بالبله، وجلس بعد العشاء في حجرته يتوقع أن يأتيه بعض أهل الإمام للاستشارة، بعد أن تحققوا من صدق نبوءته، وإذا بخادمه سليمان قد دخل وهو يقول: «إن بالباب رجلا شريفا يطلب مقابلتك.» فتظاهر بعدم رغبته في المقابلات في تلك الساعة؛ لانشغاله بالصلاة، ثم أذن للقادم، فدخل عليه شاب أسمر اللون، نحيف البدن، عليه قباء أصفر وعمامة سوداء، والهيبة تتجلى في وجهه مع صغر سنه.
فلما دخل علم صالح أنه أبو جعفر المنصور - وكان قد عرفه من قبل، والمنصور لا يعلم - فقال صالح في نفسه: «إنما جاء الرجل لأمر هام.» فأعمل فكرته لإتمام الحيلة، فوقف له ورحب به قائلا: «مرحبا بصاحب القباء الأصفر.»
فلما سمع المنصور قوله بغت وتحقق من كرامته واطلاعه على الغيب، فأسرع إليه واستأذنه في الجلوس، فجلسا وصالح يبتسم كأنه يضمر شيئا، فقال له المنصور: «لقد جئتك في مهمة سرية؛ لأني تحققت من كرامتك، فهل أبوح لك بما في نفسي؟»
قال: «سواء عندي أبحت أم كتمت، فإني عالم بما في نفسك؛ فإذا أحببت أن أطلعك على ما في ضميرك فعلت، وإذا شئت أن تقول فإني سامع.»
فازداد المنصور إعجابا بالرجل وقال: «قد تحققت من صدق كرامتك من أول كلمة سمعتها منك، وإنما أطلب إليك أن تخرج خادمك لنخلو برهة.»
فأشار صالح إلى الخادم فخرج، وأخذ صالح يعبث بلحيته وهو مطرق يجيل عينيه في جوانب الحجرة كأنه يفتش عن ضائع، ثم تمتم ليوهم جليسه أنه يصلي، فابتدره المنصور قائلا: «أتعلم لماذا جئتك؟»
وكان صالح يعلم أن هؤلاء لا يهجسون بغير الخلافة، وكل منهم يطمع فيها لنفسه، فقال له: «جئتني لأمر يتعلق بالخلافة.»
قال: «نعم. لذلك جئتك؛ فاصغ لي وأشر علي، ولكن أخبرني قبل كل شيء هل أنت تستطلع الغيب بالولاية أو بالتنجيم؟» وكان المنصور شديد الاعتقاد بالتنجيم وصدق المنجمين.
فقال صالح: «بكليهما؛ لأني أمارس التنجيم الروحاني فأطلع على المخبآت بمراقبة النجوم، ولكنني لا أستخدم الأسطرلاب. تفضل قل ما تريد فإني سامع.»
Bog aan la aqoon