...

البلاغة العربية

Daabacaha

دار القلم،دمشق،الدار الشامية

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م

Goobta Daabacaadda

بيروت

مقدمة الكتاب
الحمد لله ربّ العالمين الذي أتقن كلّ شيءٍ صنعًا، وفطر النفوس على حبّ الجمال، وزيّن ما خلَقَ بزيناتٍ روائعَ تميلُ إليها النفوس، وتأنَسُ بها وترتاح إليها، وهي تدلُّ عَلى إبداع خالقها وإرادته الحكيمة، في كلّ ما خلق من ظواهر وبواطن.
هو الذي أنزل كتابَهُ القرآن معجزًا، وآيةً عظيمةً تدلُّ علَيْه، ومن إعجازه ما فيه من جمالٍ بيانيّ وبلاغةٍ رائعة لا ترقى إلى مِثْلها بلاغَةُ جميع البلغاء، ولا فصاحة جميعِ الفصحاء.
والصلاة والسلام على رسُولِنا محمّدٍ خاتم النبيّين والمرسلين، وإمامهم، مَنْ خَصَّه الله بالدّينِ الخاتم، والكتاب الخاتم المعجز، فأنزلَهُ عليه مُتكَفِّلًا بحفظهِ مِنَ التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، بقَصْدٍ أو نسيان، فهيّأ له من وسائلِ الحفظِ ما جَعَلهُ باقيًا كما أنْزَلَهُ في السُّطُور والصُّدور وأدواتِ التسجيل الصوتي.
وبعدُ:
فخدمةً للقرآن كتاب الله المجيد، وحرصًا على إبراز بعض جوانب إعجازه البيانيّ، اجتهد علماء المسلمين بحثًا، وتَنْقِيبًا واستخراجًا، حتَّى وَضَعُوا علوم البلاغة الثلاثة: "المعاني - والبيان - والبديع" وما يزال الباحثُون يَبْحَثُون

1 / 5

ويستَخْرِجون ويكْتَشِفُون مِن عناصر إعجاز القرآن البياني ما لم يكتشِفْهُ السّابقون.
على أنّ كتاب الله ﷿ أوسَعُ من أن يُحْصِيَ كُلَّ عناصرِ إعجازه البياني الباحثون والمستخرجون والمكتشفون، مهما اجتهدوا ونقَّبُوا، لأنّ كثيرًا من عناصر الجمالِ تُدْرَكُ بالحسّ الجماليّ ولا يُسْتطاعُ تحديدُها والتعبيرُ عنها ولا اكتشافُ عناصِرِها.
وسيظهر في كلّ عَصْرٍ من جوانب إعجاز القرآن البياني روائع ما توصَّلَ السّابقون إلى اكْتشافها واستخراجها، فَهُو كتاب لا تفنى عجائبُهُ، ولا يَخْلَقُ عَلى كثْرةِ الرَّدّ، كَما جاء وصفُهُ في كلام الرسول ﷺ.
وقد فتح الله عليّ بجملة طرائف ولطائف هي من عناصر إعجاز القرآن البياني، أردتُ أن أضيفها إلَى علوم البلاغة التي استقرّت منذ قرون على هَيْكلٍ لم يَدْخُلْهُ من الإِضافات والتعديلات إلاَّ القليل، وبعضُ التطبيقات من الأمثلة.
وفتح الله على غيري من الباحثين متناثرات تَتّصِل بموضوع إعجاز القرآن البياني، ويَحْسُنُ أن تُضافَ إلى علوم البلاغة، كظاهرة التصوير الفنّي الّتي اهتدى إليها المرحوم "سيّد قطب" وكالْبُحوث الطيّبة حول القصّة القرآنيّة الّتي نجدها لدى عدد من الباحثين المعاصرين.
فعزمْتُ مستعينًا بالله العزيز الحميد الوهّاب أنْ أجْمَعَ ما انتهى إليه السّابقون من علوم البلاغة، محاولًا التذليلَ والانتقاءَ واستيعابَ الأمّهاتِ والْمُهِمّات، متجاوزًا التفصيلاتِ التي لا تُكسِبُ مَلَكَةَ تَذَوُّقِ الجمال البياني، والّتي دخلت في علوم البلاغة بتأثير الدراسات المنطِقيَّةِ والرّياضيّةِ العقليّة الصِّرْف، ومتجاوزًا الإِجراءات التي تُشبه التحليل الكيميائي في معامل الكيمياء، والتي تفقد النصّ روعته الجماليّة، كأنواعِ الاستعارات في الفعلِ والحرف وإجراءاتها، وأشباه ذلك.
وأرجو أن أُوَفّق لتحقيق ما عزمْتُ عليه من تقريب علوم البلاغة وفُنُونِها

1 / 6

للأجيال المعاصرة من ناطقي اللّغة العربية، بالأُسلوب الذي يُسَهِّلُ عليهم فَهْمَها، ويُيَسِّرُ لهم تَطْبيق قواعدها على الأمثلة من القرآن، وأقوال الرسول، وغيرهما من نَثْرِ وشِعْرِ البلغاء، ويُشجّعُهم على أن يقتدوا في بيانهم بالنماذج الرفيعة من النُّصوصِ البليغة، وأن يبتكروا أشياء بديعةً تهديهم إليها الفطرة الرّبّانيّة، بما أوْدع الله فيما خَلَقَ وفيما أنزل من جمال، وبما أودع فيهم من حِسٍّ جماليّ.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلَّى الله وسلم على سيّد البلغاء من الناس مُحمّدِ بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
عبْدالرحمن حسن حَبَنَّكة الميْداني
مكة المكرمة فى ٩/٤/١٤١٤هـ
٢٥/٩/١٩٩٣م

1 / 7

مقدمات عامة

1 / 9

(١) الغرض من دراسة علوم البلاغة والأدب
البلاغة بفنونها الثلاثة "المعاني - البيان - البديع" وسائر الفنون الأدبية التي نبَّه عليها أدباء العرب، وكذلك سائر المذاهب الأدبيّة المستوردة من الشعوب غير العربيّةِ ليست إلاَّ بحوثًا وتتبُّعاتٍ لاكتشاف عناصر الجمال الأدبيّ في الكلام، ومحاولات لتحديد معالمها، ووضع بعض قواعدها، دُون أن تستطيع كلُّ هذه البحوثِ والدّراساتِ جَمْع كلِّ عناصر الجمال الأدبِيّ في الكلام، أو استقصاءها، واكتشاف كلّ وجوهها.
فالجمال كثيرًا ما يتذوّقه الحسّ الظاهر والشعور الباطن، دون أن يستطيع الفكر تحديد كلّ العناصر التي امتلكت استحسانه وإعجابه، وإنْ عرف منها الشيء الكثير، واستطاع أن يُفْرِزَه ويُحَدّد معالمه.
إنّ آفاق الجمال أوسع من أنْ تُحَدَّدَ أو تُحْصَرَ بأُطُرٍ مقاييس، ولكن يمكن اكْتشَافُ بَعْضِ عناصرِ الجمال، وكُلِّيَّاتِه العامّة، وطائفةٍ مِنْ ملامحه.
والْغَرَضُ من عرض الباحثين لفنون البلاغة وعلومها، وللمذاهب الأدبيّة المختلفة، وللأمثلة الأدبيّة الراقية المقرونةِ بالتحليل الأدبي والبلاغي، تَرْبيةُ القدرة على الإِحساس بعناصر الجمال الأدبيِّ في الكلام الأدبيّ الرفيع، وتربية القدرة على فهم النصوص الجميلة الراقية، والقدرة على محاكاة بعضها في إنشاء الكلام، والقدرة على الإِبداع والابتكار لدى الذين يملكون في فطرهم الاستعداد لشيء من ذلك.

1 / 11

وليس الغرض من دراسة هذه الفنون والعلوم والمذاهب والنصوص، الجمودَ في قوالِبِ ما اسْتُخْرجَ من العناصر الجمالية، وما وُضع من قواعد، دون اكتساب الإِحساس المرهف بمواطن الجمال، لتقديم الأفكار، وصياغة الكلام صياغةً أدبيّة بليغة.
فَمَع ضرورة التَّسلُّح بهذه الدراسة، والاطلاع الواسع على النصوص الأدبيّة الجميلة الراقية، ودراستها دراسةً تَحْلِيلِيَّةً تكشفُ من جوانب الجمال والإِبداع فيها على مقدار اسْتِطَاعَةِ الْمُحَلّل، لا يصِحُّ بحالٍ من الأحوال الجمود عندها دون محاولات الابتكار والإِبداع والتجديد، بشرط أَنْ يكون ذلك الابتكار قادرًا على انتزاع إعجاب ذوي الإحساس المرهف، والذَّوْق الرَّفيع في إدراك الكلام الأدبيِّ الجميل البليغ.
هذه الحقيقة لا بُدَّ من ملاحظتها دوامًا لدى أيّةِ دراسَةٍ بلاغيّةٍ وأدبيّة، ولدى إنشاء أي نصٍّ أدبيّ جديد.
ومن الخير دوامًا لكّل كاتب أو مُنْشِىءٍ أو شاعرٍ أن يحْذَرَ منْ أنْ يضَعَ الصورة الأدبيَّةَ الّتِي دَرَسَها بلاغيًّا أو أدبيًّا، وينشِىءَ كلامَهُ على قَالَبِها، فإذا فَعل ذلِكَ أَفْسَدَ كلامه، وشوّه روح القاعدة البلاغيّة أو الأدبيّة، وإن التزم بصورتها.
إنّ تربية الذوق والملكة البيانيّة، مع تلقائيّة الأداء التعبيريّ لدى إنشاء الكلام كتابةً أو ارتجالًا، عند منْ يَمْلك الاستعداد لأن يكون أديبًا بليغًا، هي الكفيلة بتفجير الإِبداع المطلوب في الأدب، بشرط عدم الخروج عن ضوابط قواعد اللّغة وأصول البيان.
ومن جيّد ما قرأت في التعريف بخير الكلام، قول "خالد بن صَفْوان" وهو من فصحاء العرب المشهورين، كان يجالس عُمَر بن عبد العزيز، وهشام بن عبد الملك، توفي نحو (١٣٣ هجرية):

1 / 12

"خَيْرُ الكلام مَا طَرُفَتْ مَعَانيه، وشَرُفَتْ مَبَانِيه، والْتَذَّه آذان سَامِعِيه". عن لسان العرب في مادة "طرف".
***
(٢) نظرات تحليليّة حول الغرض من الكلام
الغرض من الكلام التعبيرُ عمّا في الفكر ومشاعر النفس وأحاسيسها بألفاظٍ دالّةٍ على ما يريد المتكلّم التعبير عنه.
والكلماتُ رموزٌ اصطلاحيَّةٌ في الأوضاع اللُّغويّةِ الأولى، وفي الاستعمالات اللاّحقة للأَوْضَاعِ اللّغويّة والناجمة عن اسْتِخْدام الناس لمختلف الأساليب والْحِيَلِ الكلامية الْقَائِمةِ على التوسُّع في دلالاتِ الألفاظ، والانتقال بِها منَ الْحسّيَّاتِ إلى ما وراءَها، حتّى العقليَّات المجرّدة.
* فمن أمثلة ذلك الحسيّات:
التّضَرُّعْ: كان بمعنى خَفْضِ رَأْس الرّضِيع من صغار البهائم كَحَمَلٍ أو عِجْلٍ أَوْ سَخْلَةٍ، ونحو ذلك، ليَرْضَعَ مِنْ ضَرْعِ أُمِّهِ، فصار في التوسُّع اللُّغَوِيّ بمعنَى الذُّلّ والانْكِسار، ونَزَلَت التعاليمُ الرَّبَّانِيَّةُ المبيِّنَةُ للصُّوَرِ الْمُثْلَى من دَرجاتِ العبادةِ لله ﵎، فَعَلَّمَتْنَا أَنَّ أَمْثَلَ الْعِبَادَةِ لله ﷿ ما كانَ بتَضَرُّع له، أي: بذُلِّ وانْكِسَارٍ اسْتِجْدَاءً لِرَحْمَتِهِ وَحَنَانِهِ، ويُعَبَّرُ عن حالَةِ الذّلِّ والانكسارِ في النفس بالركوعِ والسُّجُودِ لله جلَّ وعَلاَ.
* ومن الأَمثلة في العقليّات:
الحدّ - والْحُدود: فَأَصلُ الحدِّ في اللّغةِ الحاجزُ بَيْنَ شيئَيْنِ مادّيّيْنِ مُدْرَكَيْنِ بالْحِسِّ الظّاهر، كالأعلام والْفَوَاصِلِ الَّتِي تُوضع في نَحْو آخِرِ الأَرْضِ الَّتِي يملُكَها إِنْسَانٌ ما، لتُبَيِّنَ انْتِهاءَها وانْفِصَالهَا عَنْ غَيْرِها من ممتلَكَات الآخَرِينَ.

1 / 13

ثُمَّ صَارَ تَوَسُّعٌ في كلمة "الحدِّ" وجمعها "الحدود" فصارت تدلُّ على ما يفصل المعانِيَ الفكريَّةَ بعْضَها عن بعض، من بيانٍ جامعٍ لكُلِّ عَنَاصِرِ المحدود، مانعٍ من دُخولِ غَيْرِهِ فِيه.
وبالحدودِ البيانيّة تُحْمَى المعاني من أنْ يتداخل بعضُهَا في بَعْضٍ، أو يختلط بَعْضُها ببعض.
وتُسْتَخْدَمُ في الكلام الأشباهُ والنَّظَائِرُ، ودَلالاَتُ اللَّوازِم الكفريّةِ، لإِفْهَامِ الآخَرِينَ ما يُريدُ ذو الكلام التَّعْبِير عنْه، كمَا هو في ذهْنِهِ، أَوْ في مَشَاعِرِ نَفْسِهِ، أَوْ فِي إحْسَاسَاتِهِ الجَسَدِيّة، أو الوجْدَانِيَّةِ الباطنة.
فلدَينا إذَنْ كلماتٌ مُفْرَدة، وجُمَلٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ كلماتٍ، وجَمِيعُها ذَواتٌ أَلْفَاظٍ وَذَوَاتُ دَلالاتٍ، وَأَلْفَاظُهَا ذَواتُ حُروفٍ مجتمعة تَنْطِقُ بِهَا الأدواتُ النَّاطِقَةُ، وهِيَ تُصْدُرُ بأصْواتٍ فَتَقْرَعُ آذان السامِعينَ بمختلِفِ أشْكالِهَا وصُوَرِها.
وأصواتُ الحروفِ الَّتِي تُرَكَّبُ منْها الكلماتُ لها نَغَمَاتٌ وحُدودٌ مختلفات، فمنها ما يقْرَع السّمْعَ برِقَّةٍ ولينٍ فيستَحْلِيهِ، ومنْها ما يقرعُ السَّمْعَ بغلظةٍ وخُشُونَةٍ فَيَمُجُّهُ كَارهًا له، ومنْها ما ينْفِرُ منه السّمْعُ وتتقَزّزُ منْهُ النفس، سواءٌ أكان ذلك من الكلمة الواحدة مُفْرَدَةً، أمْ من اجْتِماع عدَّةِ كَلِماتٍ أحدثَ اجتماعُها ما لم يكُنْ عِنْدَ انْفرادِ كلِّ منها.
وَكلُّ أمّةٍ تَضَع ما تَلَقَّتْ منْ كلمات أجدادها، وما تُضِيفُ من كلماتٍ تضَعُها لتُعَبِّر بها عن أفكارٍ ومشاعرَ وأحاسيسَ قامَتْ في أنفسها، مَوْضِعَ التجربة، لاختبارِ مدى لينِها وسُهولَةِ النُّطْقِ بها، أو مَدى التَّأْثيرِ النَّفْسِيّ لدى النطق بها في أنْفُسِ السَّامعين، ولاخْتبار مَدَى استحسان الأسماع لها، أو استقباحها، واستغلاظها، والنُّفْرَة منها، وتَقَزُّز النفس لدى سماعها.
وخلال التجارب الطويلة تشيعُ غالبًا الكلماتُ الَّتي تَوَاضَعَ مُعْظَمُ النَّاسِ على

1 / 14

قبولها واسْتحْسَانِها، لأداءِ المعاني الَّتِي يُعبَّرُ بها عَنْهَا، مع ملاحظة الشُّعورِ بالتَّلاؤْم بينَ اللَّفظِ والمعنى في كثيرٍ من الكلمات، في المجتمع البشري الذي درجَتْ على ألسنة أفرادِه.
وتُعْزَلُ في الغالب ِ الكلماتُ القاسية الصعبة، والكلماتُ المستقبحة المستغلظة، والتي تتقزّزُ مِنْها النفوس، إِلاَّ ما كانَ منها مقصودًا لِبَيَانِ قُبْحِ المعنَى، أو ما كان منها مقصودًا للشتائم، ونحو ذلك.
ويَنتَقِي أصحابُ الأَذواقِ الرَّفيعَة منَ الكلمات أَلْيَنها في النُّطْقِ، وأحْلاها في الأسماع، أوْ أوفَقَهَا وأكْثَرها مُلاءَمَةً للمعاني الّتي تدلُّ عَلَيْهَا، ويخُصُّونَ بها أقوالهم ذوات الشأن، من خُطَبِ، ورسائل، ومقالات، وشِعْر، وقصّة وغير ذلك من موضوعات الكلام المحرّر المنتقى، الذي صار يُسَمَّى فيما بَعْدُ "أدبًا" لأنَّه في الكلام يُشْبهُ أدبَ السلوك في الأعمال.
وتظلُّ كلماتٌ مستقبحاتٌ شائعاتٌ، لدى من لهم هوىً في أن يستخدموا ألفاظًا قاسيةً خشنةً، تنفرُ منها الأسماع، إذْ يرَوْنَهَا نافعةً لهم في إزعاج الآخرين بها، أو لفت أنْظارِ الناس إليهم عن طريقها، كما يفعلون مثل ذلك في ألبستِهِمْ، وما يحملون من أسلحةٍ مستهجنة، وما يمارسون من حَرَكاتٍ وأعمال، إلى غير ذلك من أُمُورٍ يبتَعِدُ عَنْها الْمتأَدِّبُونَ من الناسِ بالآداب الحسنة، وذوو الأذواق الرفيعة، والسلوك الجميل الفاضِلِ بيْنَ الناس.
وقد تتدخَّلُ عوامل أخرى في بقاء كلماتٍ صعبةٍ ثقيلةٍ في النُّطْقِ ضمْن الكلام الدارج المستعمل في اللّغة، وهذه العوامل يصْعُبُ تحديدها، وتبقَى هذهِ الكلماتُ حَيَّةً في الاستعمال بحُكْمِ الإِلْفِ والتقليدِ والمحافظة على المواريثِ اللُّغَويّة.
ومن هذهِ العوامل تفاخُرُ الأُمَّةِ بقُدْرَةِ ألْسنَتِها على الانفرادِ بالنطق ببعض الحروف أو الكلمات، ومنها المحافظةُ على إحْدَى الصفاتِ القوميَّةِ للأُمَّة.

1 / 15

وتَظَلُّ كلماتٌ يسْهُلُ نُطْقُها على النّاس بالتداولِ في تَعاملاتِهمُ اليوميّة، ولو لم تكُنْ راقيةَ النغمات في تركيب حروفها، ولا عذْبةً في الأَسماع، ولكنْ بقيتْ في التداوُلِ بتأثير العادة، والحاجة إلى تداوُلها اليوميّ في تَعَامُلاتِ النّاس.
وهذه الكلماتُ يبتَعِدُ عَنْها أدباءُ الْقَومِ وشُعَراؤُهم وخُطباؤهم وكُتَّابُهم لدى إنشاء كلامهم المجوّدِ الْمُحَسَّنِ الذي يحرصُونَ على أنْ يكون له شأنٌ بينهم.
فظهر بسبب ذلك صنف من الكلمات ضِمْنَ اللُّغَةِ الواحدة، يوصَفُ بأنّه فصيحٌ، وصنْفٌ آخَرُ يوصَفُ بأنَّهُ غيرُ فصِيح.
ثُمَّ لدى تركيب الكلمات في الْجُمَلِ التي تدلُّ على المعاني الَّتِي يرادُ تعريفُ المخاطبين بها، قد ينشَأُ من التركيب قساوةٌ أو صعوبةٌ في النُّطقِ، أو استقباح واستغلاظٌ ونُفْرَةٌ منْهُ في الأسماع، فلا يكون الكلام في هيئته التركيبيَّةِ فصيحًا، على الرغم من فصاحة مفرداته قبل اجتماعها في هذه الهيئةِ التركيبيَّةِ الخاصّة.
فظهر بسبب ذلك ما يُسَمَّى به الكلامُ المركّبُ فصِيحًا أَوْ غَيْرَ فصيح.
لذلك نلاحظ أنَّ من يختار لكلامه مفرداتٍ فصحيةً، وينظمها في كلامه نظمًا ملائمًا فصيحًا، مع التزامه بضوابط قواعد اللّغة وأحكام أهل اللّسان النحويَّةِ والصرفية، فإنَّه يصِحُّ أنْ يُسَمَّى ناطقًا فصيحًا.
فصارت الفصاحة بهذا التحليل وصفًا للكلمة، وللكلامِ، وللمتكلّم.
* فيقال: كلمة فصيحة، ويُقَابلها: كلمة غير فصيحة.
* ويقال: كلامٌ فَصيحٌ، ويُقابله كلامٌ غيْرُ فصيح.
* ويقال: متكلّمٌ فصيح، ويُقابله: متكلّم غير فصيح.
وتختلف الأمم في أوضاعها اللغويّة، وفي أساليب كلامها، وتعبيراتها، وفي أذواقها، ومَا يلين من الكلمات والحروف في ألسنتها، وما يصُعُب ولا يلين عليها،

1 / 16