أحضر زيتون إلى المحطة يوم 6 من سبتمبر، أي بعد خروج العاصفة من المدينة بسبعة أيام ونصف اليوم، وحتى في أفضل الظروف، فإن بناء سجن كهذا يتطلب أربعة أيام أو خمسة. كان معنى هذا أن المسئولين كانوا - في غضون يوم واحد على مرور «مركز» العاصفة بالمنطقة - قد وضعوا الخطط اللازمة لبناء سجن مؤقت في الهواء الطلق، وكان لا بد من إحضار أو طلب سلاسل السور وأسلاكه الشائكة، وأما المراحيض والكشافات وغيرها من المعدات فكان لا بد من استعارتها أو الاستيلاء عليها لصالح الجيش.
كان الأمر يقتضي جهدا كبيرا في التخطيط والتنفيذ، ولو كلف به مقاول عادي لطلب مهلة أسابيع متوالية لتنفيذ المهمة، ولاستخدم الآلات الثقيلة، فمن دون الآلات، لا بد من تشغيل عشرات الرجال، وتنفيذه بهذه السرعة كان يحتاج إلى خمسين رجلا، وربما أكثر. ترى من كان هؤلاء؟ ومن الذي أنجز هذا العمل؟ هل كانوا مقاولين وعمالا يعملون ليلا ونهارا على بناء سجن بعد هدوء العاصفة بأيام معدودة؟ إنه أمر يحير الألباب. ومما يزيد من إبهاره أنه في الوقت الذي كان إنشاء السجن يجري فيه على قدم وساق، في اليوم الثاني والثالث والرابع من سبتمبر، كان الآلاف من السكان ينقلون جوا من أسطح المنازل، ويكتشف بعضهم أحياء وأمواتا في غرف السطوح.
وعند الظهيرة سمع زيتون شيئا غريبا؛ صوت الأوتوبيسات في المحطة. تطلع إلى مصدر الصوت فوجد أوتوبيسا مدرسيا يتمهل للوقوف في الطرف الأقصى لساحة الانتظار، ثم هبط منه ثلاثون سجينا أو أكثر، من بينهم امرأة، في أوفرولات برتقالية اللون.
كان هؤلاء هم السجناء المنقولين من سجني جيفرسون باريش وكينر، أي الذين كانوا محبوسين قبل العاصفة. وفي غضون ساعة واحدة بدأ الصف الطويل من الأقفاص يمتلئ. ومن جديد، كان الوضع يشبه معتقل جوانتانامو تماما؛ إذ كان من الممكن مشاهدة السجناء جميعا للناظرين ومن أي زاوية. وكانت الأزياء البرتقالية الموحدة تستكمل الصورة الآن، فأصبحت مظاهر التماثل مع جوانتانامو أقوى من أن تتجاهل.
وكان الحراس كلما حبسوا مجموعة في أحد الأقفاص أسرعوا بتحذيرها من لمس السور؛ فأي لمس للسور يؤدي إلى عواقب وخيمة. وهكذا أصبح أفراد كل مجموعة يعرفون القواعد الغريبة لمحبسهم: سيصبح أسفلت الأرض فراشا لهم، والمرحاض الذي لا باب له دورة مياههم، والهيكل الفولاذي مقعدا يتناوبون الجلوس فوقه. ولكن في الساعة الأولى - أثناء تعريف السجناء الجدد بزنزاناتهم الجديدة - ترددت صرخات كثيرة من الحراس الذين كانوا يحددون للسجناء أين وكيف يجلسون ويقفون، وما لا ينبغي أن يلمسوه.
كان رجل وامرأة ينزلان على مبعدة قفص واحد من زيتون، وسرعان ما ترددت شائعة تقول إن الرجل كان قناصا، وإنه الشخص الذي كان يطلق النار على الطائرات العمودية التي كانت تحاول أن تحط على سطح أحد المستشفيات.
كان الغداء مختلفا عن الوجبات السابقة، ففي هذه المرة أحضر الحراس سندويتشات من لحم الخنزير إلى الأقفاص، ثم حشروها من الفتحات في الأسلاك.
ومرة أخرى لم يتناول زيتون وناصر أي طعام.
كانت الكلاب موجودة بصفة دائمة، وكان اثنان منها يظهران باستمرار؛ إذ كان الحارسان اللذان يصحبانهما يصران على عرضهما وتقريبهما من الأقفاص كثيرا، وأحيانا كان أحدهما ينفجر نابحا أحد السجناء، وذكر أحد المحبوسين في قفص زيتون سجن «أبو غريب» في العراق، وتساءل متى يطلب منهم أن يخلعوا ملابسهم ويتخذوا شكل الهرم العمودي؟ ومن من الحراس سوف يميل بجذعه في الصورة ضاحك السن؟
وبحلول الساعة الثانية، كان عدد السجناء في محطة الأوتوبيس قد بلغ نحو خمسين، ولكن قفص زيتون ظل القفص الوحيد الذي خصص له حارس لا يبرحه.
Неизвестная страница