ولكن الجندي لم يكن يهزل؛ إذ صرخ قائلا: «إذا لمست هذا السور فسوف أذبحك!»
وسأله تود أين يتوقع منهما الوقوف. فقيل له إن لهما أن يقفا في منتصف القفص، ولهما أن يجلسا على الهيكل الفولاذي، ولهما أن يجلسا على الأرض، ولكنهما إن لمسا السور من جديد فستكون العاقبة وخيمة.
كان أكثر من عشرة حراس آخرين يتجولون خلف المحطة، ومر بهما أحدهم، يجر كلبا من نوع وولف، أو الكلب البوليسي، وتعمد الوقوف وقفة لها دلالة بجوار قفصهما، مرسلا إلى زيتون وتود نظرة تحذير قبل أن يواصل سيره.
كان زيتون لا يكاد يقوى على الوقوف، كان يشعر في قدمه بألم صارخ لم يأبه به حتى الآن، فخلع حذاءه فوجد لون باطن قدمه قد تغير. كان شيء ما قد دخل تحت بشرته، وقال لنفسه إنها شظية معدنية من نوع ما، وإن لم يستطع أن يتذكر أين ومتى دخلت قدمه. كان لون المنطقة أرجوانيا في المنتصف وحولها بياض، وكان من الضروري إخراج الشظية بسرعة وإلا ساءت حالة القدم.
وتناوب زيتون وتود الجلوس على الهيكل الحديدي؛ إذ لم يكن يتسع إلا لفرد واحد، وهكذا كانت نوباتهما تقتصر كل منها على عشر دقائق.
وبعد ساعة فتحت فجأة أبواب المحطة، وظهر ناصر وروني، مخفورين بثلاثة من رجال الشرطة، وفتح قفص زيتون وتود ودفع داخله بناصر وروني، وأغلق باب القفص مرة أخرى، والتأم شمل الأربعة من جديد.
وفي ظل صخب الآلة أخذ الرجال يقارنون ما مر به كل منهم حتى الآن، كان الجميع قد تعرضوا للتفتيش الذاتي، ولم يعلم إلا تود سبب احتجازهم، وكانت حيازة بضائع مسروقة هي التهمة الوحيدة التي ذكرت له، ولكن أحدا منهم لم تقرأ عليه حقوقه، ولم يسمح لأي منهم بإجراء اتصال تليفوني.
وحاول ناصر تفسير وجود النقود في حقيبته، قال إن الشرطة والجنود كانوا في المدينة لمنع انتشار ما سمع الجميع عنه من سلب ونهب، ولما كان ذلك يقلقه أيضا فقد قرر الاحتفاظ بنقوده التي ادخرها على مر السنين معه.
ولم يقبل المحققون منه هذا، ولم يوفق ناصر في إيضاح أن كثيرين من المهاجرين كانوا يحتفظون بأموالهم نقدا، وأن الثقة في البنوك لم تكن كبيرة، وأوضح لهم أحد الأسباب التي تدفع شخصا في موقفه إلى الاحتفاظ بماله نقدا وهو إمكان استيقافه واستجوابه واحتجازه أو ترحيله، مهما يكن ذلك بعيد الاحتمال، فإذا كان يحمل النقود استطاع إخفاءها، والاحتفاظ بها، أو توجيهها إلى حيث يستطيع استردادها إذا استبعد من البلد.
وكان الرجال الأربعة يجهلون ما سوف يحدث لهم، لكنهم كانوا واثقين بأنهم سيقضون الليلة في القفص.
Неизвестная страница