وأما الموضع الثالث وهو في حقائق [39ب] أقسام النظر، والشواهد عليها من الكتاب، وكلام العرب.
أما نظر العين فهي تقليب الحدقة السليمة في جهة المرئي إلتماسا لرؤيته.
قلنا تقلبت الحدقة السليمة احتراز من الأعمى فإنه يقلب حدقته في جهة المرئي، ولا يكون ناظرا لما كانت حدقته سقيمة.
وقلنا: في جهة المرئي احتراز من أن يقلب حدقته في غير جهته فإنه لا يكون ناظرا إليه، وقلنا التماسا لرؤيته احترازا ممن يقلب حدقته في جهة الشيء لا لطلب رؤيته فإنه لا يكون ناظرا إليه، وفي اشتراط الإلتماس نظر؛ لأنه إذا قلب حدقته في جهة المرئي يقال: نظر إليه، وإن لم يقصد الإلتماس، وأما الدليل عليه من الكتاب فقوله تعالى في قصة المنافقين: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد} معناه قلب أحدهم حدقته السليمة في جهة صاحبه التماسا للرؤية، واللغة قول الشاعر:
نظروا إليك بأعين مزورة
حرر الحواجب ناكسوا إذقانهم
أحياهم جرى على أمواتهم ... نظر التيوس إلى شفار الحارر
نظر الذليل إلى القريب القاهري
والميتون فصحة للغابر
وثانيها: نظر المقابلة وحقيقة المقابلة المتحيرين وشيئا منهما بحسب لا سائر، ولا ما يجري مجرى العسائر قلنا تحادي المتحيرين، والمتجاري هو التقابل، وقلنا بحسب لا سائر بينهما احتراز من أن تحادي أحدهما الآخر لكن بينهما سائر مثل الجدار الذي يمنع، والذي يجري مجراهما البعد المفرط، فإنه لا يقال أن أحدهما ينظر إلى الآخر مع حصول الساتر، أو ما يجري مجراه.
وأما الدليل عليه من الكتاب فقوله تعالى في قصه الأصنام: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} أي يقابل ذلك من كلام العرب قول الشاعر:
Страница 69