Ямини
اليميني
[مقدمة المؤلف:]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الظاهر بآياته، الباطن بذاته، القريب برحمته، البعيد بعزته، الكريم بآلائه، العظيم بكبريائه. القادر فلا يمانع، والقاهر فلا ينازع، والعزيز فلا يضام، والمنيع فلا يرام، والمليك الذي له الأقضية والأحكام. الذي تفرد بالبقاء، وتوحد بالعز والسناء، واستأثر بأحاسن الأسماء، ودل على قدرته بخلق الأرض والسماء. كان ولا مكان ولا زمان، ولا بنيان ولا ملك ولا إنسان، فأوجد المعدوم إبداعا، وأنشأ «1» ما لم يكن إنشاء واختراعا، جل و«2» تعالى فيما خلق عن احتذاء صورة، واستدعاء مشورة «3»، واقتفاء رسم ومثال، وافتقار إلى نظر «4» قياس واستدلال، ففي كل ما أبدع وصنع، وفطر وقدر، دليل على أنه [2 أ] الواحد بلا شريك ووزير، والقادر بلا ظهير ونصير، والعالم بلا تبصير وتذكير، والحكيم بلا رؤية وتفكير، والحي الذي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شى ء قدير.
Страница 3
رفع السماء عبرة للنظار، وعلة للظلم والأنوار، وسببا للغيوث والأمطار، وحياة للمحول «5» والقفار، ومعاشا للوحوش والأطيار. ووضع الأرض مهادا للأبدان، وقرارا للحيوان، وفراشا للجنوب والمضاجع، وبساطا للمكاسب والمنافع، وذلولا لطلاب الرزق وأرباب البضائع. وأشخص الجبال أوتادا راسية، وأعلاما بادية، وعيونا جارية، وأرحاما لأجنة الأعلاق حاوية. وجعل البحار مغائض لفضول الأنهار، ومغائر «6» لسيول الأمطار، ومراكب لرفاق التجار، ومضارب لمصالح الأمصار، ومناجح الأوطار. تحوي من الدر والمرجان نباتا، وتنبع من الملح الأجاج عذبا فراتا، وتقذف للآكلين لحما طريا، وتحمل للابسين جواهر «1» وحليا.
واستخلف على عمارة عالمه «2» من انتخبهم من خلقه، وآثرهم بإلهامه، ودبرهم بأوامره وأحكامه. وكان أعلم بهم من ملائكته حيث قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء [2 ب] ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون «3».
وأقام عليهم مهيمنا من لدنه يهديهم الرشاد، ويحذرهم الفساد، ويرجيهم الثواب، وينذرهم العقاب. ولم يقتصر على ما أقامه به من الحجة، وأوضحه من المحجة، حتى انبعث الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، بالمعجزات الباهرة، والدلالات الزاهرة، والبينات المتظاهرة، داعين إلى توحيده، ونادبين «4» لتسبيحه وتمجيده، فأزاح بهم العلة، وأزال الشبهة، وأفاد سكون النفس ، ونفى خلاج «5» الشكوك واللبس. ولم يزل يستخلف «6» من يشاء من خليقته موسومين بسنن الأنبياء، ومثل من قام بعدهم على مناهجهم من الولاة والأمراء، حتى انتهت نوبة الخلق إلى زمن النبي المصطفى، الأمين المجتبى، الأبطحي المرتضى، محمد صلى الله عليه وعلى آله، فأرسله بالحق بشيرا ونذيرا «7»، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا «8»، وجعل أمته به أفضل الأمم، وكلمتهم أعدل الكلم، وملتهم أوسط الملل، وقبلتهم أسد القبل، وسنتهم أقوم السنن، وكتابهم أشرف الكتب.
Страница 4
ووعدهم أن يكونوا يوم العدل، والقضاء الفصل، شهداء على من يظهر الجحود، وينكر الواحد [3 أ] المعبود. قال تعالى وهو أصدق القائلين، وأحكم الحاكمين: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا «1»، فنسخت بشريعته الشرائع، وبصنيعته الصنائع، وبدليله الأدلة، وببدره الأقمار والأهلة، وانتشرت نبوءته مسداة بالخلاص، ملحمة بالإخلاص، معلمة بالتمام، مطرزة بالدوام، على تعاقب الليالي والأيام، لم يفرط فيها من شى ء يقتضي تاما، ويستدعي رؤبة ولحاما «2»، قال الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا «3» فأطلق على الدين لفظ الكمال، لاستقامته على غاية الاعتدال، وانتفائه عن عوارض النقص والاختلال، إلى أن قبضه الله جل ذكره إليه مشكور السعي والأثر، ممدوح النصر والظفر، مرضي السمع والبصر، محمود العيان والخبر، فاستخلف في أمته الثقلين: كتاب الله وعترته «4» اللذين يحميان الأقدام أن تزل، والأحلام أن تضل، والقلوب أن تمرض، والشكوك أن تعترض، فمن تمسك بهما، فقد أمن من العثار، وربح اليسار، ومن صدف «5» عنهما فقد أساء الاختيار، وركب الخسار، وارتدف الإدبار [3 ب] أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين «6»، فصلى الله عليه وعلى آله ما انبلج عن الليل الصباح «7»، واقترن العز بأطراف الرماح، ونادى المنادي بحي على الفلاح، صلاة تكافى ء حسن بلائه، وتضاهي سابق غنائه، وتقضي فرض طاعته، وتقتضي فرض شفاعته، وسلم تسليما. وبعد:
Страница 5
فإن الملك والدين توأمان. فالدين أس، والملك حارس، وما لا حارس له فضائع، وما لا أس له فمهدوم. والسلطان ظل الله تعالى في أرضه «1»، وخليفته على خلقه، وأمينه على رعاية حقه. به تتم السياسة، وعليه تستقيم الخاصة والعامة، وبهيبته ترتفع الحوادث والفتن، وبإيالته «2» تنحسم المخاوف والمحن. ولولاه لا نحل النظام، وتساوى الخاص والعام، وشمل الهرج والمرج، وعم الاضطراب والهيج، واشرأبت النفوس إلى ما في طبائعها «3» من التباغي والتنابز «4»، والتفاضل والتمايز «5»، حتى يشغلهم ذلك عما يصلحهم معاشا ومعادا، ويقيم أودهم يوما وغدا، وإلى هذا المعنى يلتفت قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما يزع «6» السلطان، أكثر مما يزع القرآن»، إذ كان أكثر الناس [4 أ] يرون ظاهر السياسات فيردعهم خوف المعاقبة، وحذر «7» المؤاخذة عن تنكب الجدد «8»، والعدول عن السمت «9» والمقتصد. ومن لنا بمن يستقرى ء آي كتاب الله تعالى بفكره، ويتدبرها بعقله، ويجعل لنفسه منها زماما «10» يهديه إلى الأصلح، ويثنيه عن الأقبح، فيكون مؤدب نفسه ومقوم ذاته، ورائض أخلاقه وعاداته. ومعنى حديث عمر رضي الله عنه منتزع من قوله تعالى: لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون «1»، فموضوع السيف للعامة، ومجموع القرآن للخاصة، وإن كان الجميع في معانيه مشتركا، وبأوامره ونواهيه مرتبطا ومشتبكا، غير أن العامي يرى السيف فيرتدع، والخاصي يرى الحق فيتبع، وشتان ما بين مدبر ومسخر بغيره، ومؤدب ومهذب بنور ربه.
Страница 7
وقد كان يختلج في صدري معنى قوله تعالى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز «2»، لجمعه بين الكتاب والميزان والحديد على تنافر ظاهرها من المناسبة، وبعدها قبل الرؤية [4 ب] والاستنباط عن جواز المشاكلة والمجانسة، وسألت عنه عدة من أعيان العلماء المعروفين «3» بالتفسير، والمشهورين من بينهم بالتذكير، فلم أحصل منهم على جواب يزيح العلة، ويشفي الصدر وينقع الغلة «4»، حتى أعملت التفكر، وأنعمت «5» التدبر، فوجدت الكتاب قانون الشريعة «6»، ودستور الأحكام الدينية، يبين سبل المراشد، ويفصل جمل الفرائض، ويرتهن مصالح الأبدان والنفوس، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، وقد حظر فيه التعادي والتظالم، ورفض التباغي «7» والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل، في اقتسام «8» الأرزاق المخرجة لهم بين رجع السماء وصدع الأرض، ليكون ما يصل منها إلى أهل الخطاب، بحسب الاستحقاق بالتكسب، دون التغلب والتوثب، واحتاجوا في استدامة حياتهم بأقواتهم مع النصفة المندوب إليها إلى استعمال آلة للعدل يقع بها التعامل، ويعم معها التساوي والتعادل، فألهمهم الله اتخاذ الآلة التي هي الميزان، فيما يأخذونه ويعطونه لئلا يتظالموا بمخالفته «1» فيتهالكوا به، إذ لم يكن ينتظم لهم عيش مع سوغ «2» ظلم البعض منهم للبعض «3».
ويدل على هذا المعنى قوله جل ذكره: والسماء رفعها ووضع الميزان [5 أ]. ألا تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان «4»، وذلك أنه تعالى جعل «5» السماء علة للأرزاق والأقوات، من أنواع الحبوب والنبات، فكان ما يخرج منها من أغذية العباد ومرافق حياتهم، مضطرا إلى أن يكون اقتسامه بينهم على الإنصاف، دون الجزاف «6»، ولم يكن يتم ذلك إلا بهذه الآية المذكورة، فنبه «7» الله على موضع «8» الفائدة فيه، والعائدة به، بتكرير ذكره ومعانيه «9»، فكان ما تقدم ذكره معنى الكتاب والميزان.
Страница 8
ثم إنه من المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية، إنما يحفظ العام على اتباعهما، ويضطر العالم إلى التزام أحكامهما بالسيف الذي هو حجة الله تعالى على من جحد وعند، ونزع عن صفقة الجماعة اليد، وهو بارق سطوته، وشهاب نقمته، وجذوة عقابه، وعذبة عذابه «10»، فهذا السيف هو الحديد، الذي وصفه الله بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز معاني كثيرة الشعوب «11»، متدانية الجنوب، محكمة المطالع، مقومة المبادى ء «1» والمقاطع «2»، فظهر «3» بهذا التأويل معنى الآية، وبان أن السلطان خليفة الله في أرضه على خلقه، [5 ب] وأمينه على رعاية حقه، بما قلده من سيفه، ومكن له في أرضه، وأحق الولاة بأن يكون شريفا نبيها، وعند الله تعالى كريما وجيها، من كانت عنايته بنصرة الدين، وحماية بيضة الإسلام والمسلمين، أوفر وأوفى، ومجاهدته لأعداء الله المارقين عن شرائعه، الماردين دون حدوده وفرائضه، بنفسه وماله، ورهطه ورجاله أشرح للصدور وأشفى.
Страница 9
وقد علم أبناء البدو والحضر، وأنشاء المدر والوبر، من حيث مد الصبح جناحيه إلى أن ضمهما «4» للوقوع في أفق الغرب، أن راية الإسلام لم تظل على سلطان أحسن دينا، وأصدق يقينا، وأوسع علما، وأوقع حلما، وأسد سيرة، وأخلص سريرة، وأتم وفاء، وأعم سخاء، وأوفر حياء، وأغنى غناء، وأعظم قدرا، وأفخم ذكرا، وأمد باعا، وأشد امتناعا، وأجل جلالة، وأكمل عدة وآلة، وأرفع ملكا وسلطانا، وأطوع أنصارا وأعوانا، وأروع سيفا وسنانا، وأحمى للإسلام وذويه، وأنفى للشرك ومنتحليه، وأعدى للباطل ومن يليه، اكتسابا ووراثة وطباعا واستفادة، من الأمير السيد الملك المؤيد يمين الدولة وأمين الملة، أبي القاسم محمود «5» بن ناصر الدين «6» [6 أ] أبي منصور سبكتكين «7» ملك الشرق بجنبيه، والصدر من العالم ويديه، لانتظام الإقليم الرابع «1» وما «2» يليه من ثالث الأقاليم «3» وخامسها «4» في حوزة ملكه، وحصول ممالكها الفسيحة، وولاياتها العريضة، في قبضة ملكه، ومصير أمرائها، وذوي الألقاب الملوكية من عظمائها، تحت حمايته وجبايته، واستدرائهم «5» من آفات الزمان بظل ولايته ورعايته، وإذعان ملوك الأرض على «6» بعدهم لعزته، وارتياعهم من فائض هيبته، واحتراسهم على تقاذف الديار، وتحاجز الأنجاد والأغوار «7»، من فاجى ء ركضته، واستخفاء «8» الهند والروم تحت جيوبها عند ذكره، واقشعرارهم لهب الرياح من أرضه.
وقد كان- أدام الله دولته- منذ لفظه المهد، وجفاه الرضاع، وانحلت من «9» لسانه عقدة الكلام، واستغنى عن الإشارة بالإفهام، مشغول اللسان بالذكر والقرآن، مشغوف النفس بالسيف والسنان، ممدود الهمة إلى معالي الأمور، معقود الأمنية بسياسة الجمهور.
لعبه مع الأتراب جد، وجده مستكد «10»، يألم لما لا يعلم حتى يقتله خبرا، ويحزن لما يحزن حتى يدمثه قسرا وقهرا.
Страница 10
وكان الأمير الماضي «1» - أنار الله برهانه- يرى الدنيا بعينه «2» [6 ب] ويسمع بأذنه، وينطق بلسانه، ويستحلي مذاق العيش به، ويستطيب روح الهواء بقربه، ويستفتح مغالق الأمور بيمنه، ويستحمد عواقب الخطوب باسمه. ولم يزل بين سحره ونحره، إلى أن استنزلته رؤية البلوغ، وبصيرة الإدراك عن حجره «3».
ولم ينفك يتدرج بين ألطافه وكراماته، وولاياته وإقطاعاته، من رتبة إلى أخرى أعلى منها مكانا وأرفع شأنا، إلى أن ولي قيادة الجيوش والعساكر بخراسان، وهي الرتبة التي طالما تناحر [عليها كباش] «4» الرجال، وقروم الأبطال، فلم يحظ بها إلا العدد اليسير الذين «5» سار ذكرهم في الآفاق، وتسامع بهم رجالات خراسان والعراق، سناء وقدرا، ودهاء ونكرا، ومهابة وحشمة، ونباهة ونعمة. هذا على طراءة «6» سنه، ونضارة غصنه، وعنفوان أمره، وريعان شبابه وعمره «7»، [كما قال الكميت] «8»:
Страница 11
قاد الجيوش لخمس عشرة حجة ... ولداته إذ «9» ذاك في أشغال قعدت بهم هماتهم وسمت به ... همم الملوك وسورة الأبطال «1»
Страница 12
وهلم جرا إلى أن ملك خراسان بأسرها وزاولستان «2» عن آخرها، [7 أ] وبلاد نيم روز «3» بحذافيرها، وجبال الغور «4» على حصانتها، ودوخ السند فاستباحها، وغزا الملتان «5» فاجتاحها، وتوغل الهند عودا على بدء «6»، فنكأ جراحها، وأذل لقاحها، وجاس مغانيها ورباعها، وافتتح صياصيها «1» وقلاعها. وأقام عن «2» بيوت الأصنام، مساجد الإسلام، وعن مشاهد البهتان، معاهد التوحيد والإيمان، فصارت الأبطال تهدد في بطالاتها «3» بإقدامه، وتفزع بإقبال ألويته وأعلامه، فظل «4» أندپالهم «5» وچيبالهم «6»، وكماتهم وأبطالهم، كما قال أشجع «7» السلمي «8»:
Страница 13