Осознание: краткое руководство по основному загадке разума
الوعي: دليل موجز للغز الجوهري للعقل
Жанры
شكر وتقدير
1 - لغز مختف في وضح النهار
2 - الأحكام الحدسية والأوهام
3 - هل الوعي حر؟
4 - رفيق في الرحلة
5 - من نحن؟
6 - هل الوعي في كل مكان؟
7 - ما وراء شمولية الوعي
8 - الوعي والزمن
ملاحظات
Неизвестная страница
شكر وتقدير
1 - لغز مختف في وضح النهار
2 - الأحكام الحدسية والأوهام
3 - هل الوعي حر؟
4 - رفيق في الرحلة
5 - من نحن؟
6 - هل الوعي في كل مكان؟
7 - ما وراء شمولية الوعي
8 - الوعي والزمن
ملاحظات
Неизвестная страница
الوعي
الوعي
دليل موجز للغز الجوهري للعقل
تأليف
آناكا هاريس
ترجمة
أحمد هنداوي
إلى سام، وإيما، وفيوليت
شكر وتقدير
هذا الكتاب هو خلاصة سنوات طويلة من البحث والحوارات المستفيضة مع خبراء في مجال دراسات الوعي. وأشعر بالامتنان للعلماء والفلاسفة الذين اقتطعوا من جداول أعمالهم المزدحمة لمشاركة أفكارهم (ورؤاهم الجدلية باستفاضة!) مع هاوية مثلي؛ كان ممتعا حقا مناقشة موضوع الوعي مع كل هؤلاء: دونالد هوفمان، أنيل سيث، كريستوف كوخ، ريبيكا جولدشتاين، دين بونومانو، فيل جوف، آدم فرانك، توماس ميتسينجر.
Неизвестная страница
مر هذا المشروع بمراحل تطور عديدة؛ إذ كان في البداية مجرد اهتمام شغل تفكيري ثم صار مقالة طويلة ثم كتابا قصيرا، وخلال مراحل تطوره هذه، لعب الكثير من الأصدقاء والزملاء دورا محوريا. أشعر بالامتنان لكرم العلماء والفلاسفة والرسامين الذين قرءوا هذا الكتاب، وأبدوا ملاحظاتهم بشأن مسوداته الأولى، وشاركوني تساؤلاتهم النهمة ورؤاهم الثاقبة: إيزابيل بويميكي، شون كارول، ديفيد جيليز، جوزيف جولدشتاين، دانييل جولمان، آدم جرانت، سوزان كايسر جرينلاند، دان هاريس، ناتاليا هولت، سوزان هادسون، ماركو ياكوبوني، ديفيد جانيت، آيمي لينكلوس، لين ماكجيلكرايست، توماس ناجل، روب ريد، كاسي رنتس، موراي شاناهان، جيسون سيلفا، سوزان سمولي، جالين ستراوسون، ماكس تيجمارك، داليت توليدانو، جوليو تونوني، جون تيرتلتاوب، تيم إيربان، دي إيه والاش، ريتشيل ريتش ووترز، ديانا وينستون، كاليكا ياب. وأتوجه بشكر خاص إلى جوردون جولد على انتزاعي من بوتقة الفلسفة الروحية الشاملة لأبدأ أخيرا في تأليف هذا الكتاب.
وأشكر بحرارة آيمي رينيرت، وكيلة كتاب الأطفال الذي ألفته، وهو بعنوان «أتساءل»، على دعمها لهذا المشروع من أول يوم، وأقول إنني أثق دائما بقدراتها وحسها السليم؛ فهذا الكتاب لم يكن ليخرج إلى النور لولا جهودها. كما أشكر وكيلي جون بروكمان، لمغامرته إزاء كتاب عن موضوع مجنون كهذا، وأشكر أيضا ماكس بروكمان لإسهامه في إقناع جون بالإقدام على هذه الخطوة. لقد ظل جون وكاتينكا بروكمان صديقين موثوقين لسنوات طويلة، وربما يكون من المستحيل أن أحصر الطرق التي ألهماني ودعماني بها. فلست ممتنة فحسب لنيلي فرصة العمل معهما ولكن لميزة قضائي وقتا مع شخصين أكن لهما كل إعجاب. أيضا أتوجه بالشكر إلى محررتي ومستشارتي سارا ليبينكوت؛ لقد كان اهتمامها وثقتها مصدر إلهام وتشجيع لي، وأصبح الكتاب يتسم بمزيد من القوة والبلاغة بفضل آرائها القيمة. كما أنني مدينة لمحررتي سارا هاوجن في دار نشر هاربركولينز لحماسها الكبير وصبرها الوافر بينما كنا نسعى لسلوك النهج السليم في تناول موضوع معقد وجدلي كهذا. لقد أظهرت اهتماما كبيرا في حثي على الخروج من «نطاق الأمان»، وبفضل ذلك خرج الكتاب إلى النور بهذا المستوى من القوة.
أما مربيتنا، روزماري، فقد ساعدت في استمرار عجلة الحياة (ومنع أطفالي من اقتحام مكتبي) خلال الساعات التي كنت أمضيها في البحث والكتابة. وقد منحتني ثقتي بها حرية مواصلة العمل الذي أحبه؛ وهي نوع من الرفاهية قلما تمنحه النساء هذه الأيام، وأشعر بالامتنان الشديد إزاءه.
أما بول ويت، فقد قدم بسخاء، حتى في مرضه الشديد، تقييمه الذي انطوى على فيض من الخبرة، لكن المحزن في الأمر أنه لم يستمر برفقتنا طويلا ليقرأ مسودة الكتاب. كان هذا الكتاب سيستفيد كثيرا من موهبته وحكمته. جميعنا نفتقده بشدة، ونفتقد لمسته في هذه الصفحات بكل تأكيد.
كما أعبر عن خالص شكري وامتناني لأختي بريانا وجين، لإظهارهما استعدادا دائما لقراءة مسودة الكتاب، وإعطاء تقييم دائم (بل وتقديم تعديلات حتى اللحظات الأخيرة عبر الرسائل النصية). أشعر بأنني محظوظة للغاية لأنني نلت صداقتهما وأتيحت لي فرصة الاستفادة من مهاراتهما التحريرية الفطرية. وأتوجه بالشكر أيضا لأمي لكونها محررتي الأولى والأكثر إخلاصا ولدعمها الدائم لي.
وأخيرا، وليس آخرا، أشكر سام وإيما وفيوليت الذين منحوني حبا أجده في وعيي أثرى تجربة وأنفس هبة.
الفصل الأول
لغز مختف في وضح النهار
إن خبرتنا بالوعي جوهرية للغاية لكينونتنا، إلى درجة أننا نادرا ما نلاحظ أن شيئا غامضا يحدث من حولنا. إن الوعي هو «الخبرة ذاتها»؛ لذا فمن السهل ألا ننتبه إلى السؤال العميق الذي يحدق في وجوهنا في كل لحظة من حياتنا: لماذا يتحلى أي تجمع للمادة في الكون بالوعي؟ إننا نتجاوز التفكير في هذا اللغز وكأن وجود الوعي أمر بديهي أو نتيجة حتمية لوجود حياة معقدة، ولكن عندما ننظر من كثب، نجد أنه أحد أغرب جوانب الواقع.
إن التفكير في الوعي يمكن أن يثير متعة تماثل تلك التي نستمدها من التأمل في طبيعة الزمان أو في أصل المادة، وهو ما يستثير فضولا عميقا إزاء أنفسنا والعالم من حولنا. أتذكر أنني كنت أنظر إلى السماء حين كنت فتاة صغيرة، وأتذكر إدراكي أن الإحساس المعتاد بأنني على الأرض في الأسفل وأن السماء تعلوني هو تصور غير دقيق على نحو تام. لقد شعرت بالدهشة لحقيقة أنه على الرغم من أنني تعلمت أن الجاذبية تجذبنا نحو الأرض أثناء دورانها حول الشمس - وأنه لا يوجد «أعلى» و«أسفل» في حقيقة الأمر - فإن «شعوري» بأنني في الأسفل على الأرض تحت السماء ظل دون تغيير. ومن أجل تغيير منظوري، كنت أحيانا أرقد خارج المنزل وأمد ذراعي وساقي في محاولة لاستيعاب أكبر قدر ممكن من السماء والأفق. وفي محاولة للتحرر من الشعور المألوف بكوني «هنا بالأسفل» وفوقي القمر والنجوم، كنت أرخي كل عضلات جسدي - مستسلمة للقوة التي تمسكني بإحكام على سطح كوكبنا - وأركز على حقيقة وضعي: إنني أسبح في الكون على سطح هذه الكرة العملاقة؛ معلقة هنا بواسطة الجاذبية ومنطلقة في هذه الرحلة. وحين كنت أستلقي هناك، كنت أشعر حقا أنني أنظر إلى الخارج نحو السماء، ولست أنظر إلى الأعلى. استمددت البهجة التي شعرت بها من إسكات حدس زائف مؤقتا ورؤية حقيقة أعمق: إن الوجود على الأرض لا يفصلنا عن بقية الكون؛ بل في الواقع، لقد كنا دائما، ولا نزال، في الفضاء الخارجي.
Неизвестная страница
يهدف هذا الكتاب إلى زعزعة افتراضاتنا اليومية بشأن العالم الذي نعيش فيه. إن بعض الحقائق مهمة للغاية وغير بديهية على الإطلاق (تتكون المادة في أغلبها من فراغ خاو؛ والأرض هي كرة دوارة واحدة من مليارات الأنظمة الشمسية في مجرتنا؛ والكائنات المجهرية تسبب المرض؛ وهكذا)؛ لذا نحتاج إلى تذكر هذه الحقائق مرارا وتكرارا، إلى أن تتغلغل أخيرا في ثقافتنا وتصبح أساسا لتفكير جديد. ويحتل الغموض الجوهري للوعي - وهو موضوع محير للغاية للفلاسفة والعلماء على حد سواء - مكانة خاصة بين هذه الحقائق التي نحتاج إلى تذكرها. إن هدفي من تأليف هذا الكتاب هو أن أنقل للقارئ البهجة التي تنبع من اكتشاف مدى روعة الوعي وكم هو مدهش.
وقبل أن نطرح أي أسئلة عن الوعي، يجب علينا تحديد ما نتحدث عنه في المقام الأول. يستخدم الناس هذه الكلمة بعدة طرق مختلفة؛ مثل الإشارة إلى حالة اليقظة، أو الشعور بالذات، أو القدرة على التأمل في الذات. ولكن عندما نريد أن نحدد بالضبط الخاصية الغامضة التي تشكل جوهر الوعي، فمن المهم أن نركز على ما يجعله فريدا من نوعه. وأكثر التعريفات جوهرية للوعي هو التعريف الذي قدمه الفيلسوف توماس ناجل في مقالته الشهيرة «ماذا يشبه أن تكون خفاشا؟» وهو المعنى الذي أستخدم به الكلمة في هذا الكتاب بالكامل. وخلاصة الشرح الذي يقدمه لنا ناجل هو على النحو التالي:
يكون الكائن الحي واعيا إذا كان ثمة «شيء يشبه» كونه ذلك الكائن الحي.
1
وبعبارة أخرى، الوعي هو ما نشير إليه عندما نتحدث عن التجربة في أكثر أشكالها جوهرية. هل ثمة «شيء يشبه» كونك أنت في هذه اللحظة؟ من المفترض أن تكون إجابتك هي نعم. هل ثمة «شيء يشبه» كونك ذلك المقعد الذي تجلس عليه؟ ستكون إجابتك (على الأرجح) هي لا، بالقدر نفسه من الحسم. وهذا الاختلاف البسيط - بين ما إذا كانت ثمة تجربة حاضرة أم لا - الذي يمكننا جميعا استخدامه كنقطة مرجعية، هو الذي يشكل ما أعنيه بكلمة «الوعي». هل ثمة «شيء يشبه » كونك حبة رمال، أو بكتيريا، أو شجرة بلوط، أو دودة، أو نملة، أو فأرا، أو كلبا؟ عند نقطة ما على طول هذا الطيف، تكون الإجابة هي نعم، ويكمن اللغز العظيم في معرفة السبب وراء «إضاءة أنوار الوعي» لدى بعض تجمعات المادة في الكون.
ويمكننا حتى أن نتساءل: عند أي نقطة من تطور الإنسان ينبثق الوعي إلى الوجود؟ تخيل الكيسة الأريمية البشرية بعد بضعة أيام فقط من تخصيب البويضة، والتي تتكون من حوالي مائتي خلية فقط. إننا نفترض أنه لا يوجد على الأرجح «شيء يشبه» أن يكون المرء هذه المجموعة المجهرية من الخلايا. لكن بمرور الوقت، تتكاثر هذه الخلايا وتتحول ببطء لتصبح طفلا بشريا له دماغ بشري، قادر على اكتشاف التغيرات في الإضاءة والتعرف على صوت أمه، حتى وهو لا يزال في الرحم. وعلى عكس جهاز الكمبيوتر، الذي يمكنه أيضا اكتشاف الضوء والتعرف على الأصوات، فإن هذه المعالجة تكون مصحوبة بخبرة أو شعور بالضوء والصوت. وفي أي مرحلة من مراحل تطور دماغ الطفل يخبرك حدسك فيها قائلا: «حسنا، الآن ثمة خبرة تعاش هناك»، يكمن اللغز في التحول. أولا، لا يكون ثمة وعي، ثم فجأة، وعلى نحو سحري، وفي اللحظة المناسبة ... ينبثق شيء ما. وبغض النظر عن مدى ضآلة هذا الشيء الأولي، فإن شرارة الشعور أو الخبرة تشتعل على نحو واضح في قلب ذلك الجماد، متجسدة من قلب الظلام.
وعلى أي حال، يتكون الطفل الرضيع من جسيمات لا تختلف عن تلك التي تحوم في قلب الشمس. فالجسيمات التي تشكل جسدك كانت ذات يوم مكونات لعدد لا يحصى من النجوم في ماضي هذا الكون. وقد سافرت مليارات السنين لتستقر في جسدك - في هذا التكوين المحدد الذي هو أنت - وهي الآن تقرأ هذا الكتاب. تخيل متابعة حياة هذه الجسيمات من أول ظهور لها في الزمان والمكان وحتى اللحظة التي أصبحت فيها مرتبة على نحو يتيح لها أن تبدأ في أن تشعر بشيء ما أو تختبر شيئا ما.
رسمت الفيلسوفة ريبيكا جولدشتاين صورة لهذا اللغز رائعة في وضوحها ومرحها:
من المؤكد أن الوعي مسألة مادة - فما عساه يكون غير ذلك، حيث إن ذلك هو ما نحن عليه - ورغم ذلك، فإن الحقيقة هي أن بعض كتل المادة لها حياة داخلية ... لا تشبه أي خصائص أخرى للمادة رأيناها حتى الآن، فضلا عن تلك التي استطعنا تفسيرها. هل يمكن لقوانين حركة المادة أن تنتج «هذا»، كل «هذا»؟ فجأة تستيقظ المادة وتفهم العالم وتستوعبه؟
2
Неизвестная страница
يبدو أن اللحظة التي تصبح فيها المادة واعية لا تقل غموضا عن لحظة انبثاق المادة والطاقة إلى الوجود للمرة الأولى. إن لغز الوعي يضاهي أحد أعظم الألغاز التي حيرت الفكر الإنساني على مر العصور: كيف يمكن أن يظهر شيء من العدم؟
3
وبالمثل، كيف تنشأ الخبرة الحسية من مادة لا حياة فيها ولا وعي؟ وقد ذاع عن الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز أنه أطلق على ذلك اسم «المعضلة العويصة» للوعي.
4
فعلى عكس «المشكلات السهلة» المتمثلة في تفسير السلوك الحيواني أو فهم أي العمليات في الدماغ تؤدي إلى ظهور وظائف معينة، تكمن المعضلة العويصة في فهم أسباب اقتران بعض من هذه العمليات الفيزيائية بخبرة حسية من الأساس.
لماذا تؤدي تكوينات معينة من المادة إلى أن تشتعل هذه المادة بالوعي؟
الفصل الثاني
الأحكام الحدسية والأوهام
الآن بعد أن أصبح لدينا تعريف ملائم للوعي والغموض الذي ينطوي عليه، يمكننا البدء في التخلص من بعض الأحكام الحدسية الشائعة. لقد تشكل حدسنا إلى حد كبير بواسطة الانتقاء الطبيعي لتزويدنا بسرعة بالمعلومات التي من شأنها أن تنقذ حياتنا، ولا يزال يمكن لهذا الحدس الذي تطور في الماضي أن يستمر في مساعدتنا في الحياة الحديثة. فعلى سبيل المثال، لدينا القدرة على أن ندرك دون وعي العناصر المحيطة بنا في بيئتنا في موقف يمثل لنا تهديدا، وهو ما يؤدي بدوره إلى تقييم فوري للخطر المحدق بنا؛ مثل ذلك الحدس الذي يخبرنا بأننا لا يجب أن ندخل المصعد مع شخص معين، على الرغم من عدم قدرتنا على معرفة السبب بالضبط. غالبا ما يقوم دماغك بمعالجة إشارات مفيدة قد لا تكون مدركا لها بوعي في تلك اللحظة: ذلك الشخص الآخر الذي يدخل المصعد متوهج الوجه أو متسع حدقتي العينين (وكلا الأمرين يمثل إشارة على أن مستوى الأدرينالين لديه مرتفع وأنه على وشك التصرف بعنف)، أو باب المبنى الذي عادة ما يكون مغلقا، ولكنه مفتوح الآن. يمكننا أن نعرف أن موقفا ما خطير دون أن تكون لدينا أدنى فكرة عن كيفية معرفتنا ذلك أو أسباب تلك المعرفة. يتشكل حدسنا أيضا من خلال التعلم، والثقافة، وعوامل بيئية أخرى. ويكون لدينا أحيانا حدس مفيد في قراراتنا الحياتية - مثل اختيار الشقة التي سنستأجرها - وهو حدس ناشئ عن معلومات ذات صلة اكتسبها دماغنا - وأخذها في الاعتبار - من خلال عمليات غير واعية. وفي الواقع، تشير الأبحاث إلى أن «إحساسنا الداخلي» يكون أكثر موثوقية من نتائج التفكير الواعي المنطقي في الكثير من المواقف.
1
Неизвестная страница
لكن «إحساسنا الداخلي» يمكن أن يخدعنا كذلك، و«الحدس الخاطئ» يمكن أن ينشأ بعدد كبير من الطرق، لا سيما في مجالات الفهم التي لم يكن من الممكن أن يتنبأ بها التطور؛ مثل العلوم والفلسفة. تأمل الاحتمالات والإحصاء، حيث يشتهر حدسنا بأنه لا يعتمد عليه على الإطلاق: كثيرون منا يشعرون بالقلق من السفر بالطائرة، على الرغم من أننا نحتاج - إحصائيا - إلى الطيران يوميا لنحو 55 ألف سنة قبل أن نتعرض لحادث تحطم طائرة مميت (ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من أن الناس لا يصابون عادة بنوبات ذعر عند الجلوس خلف عجلة قيادة سياراتهم استعدادا لرحلة إلى متجر البقالة، فإن سلامة المرء في مثل هذه الرحلات في الواقع تكون أقل بأضعاف مضاعفة مقارنة بالطيران).
2
إننا بالكاد نستطيع التوفيق بين حدسنا وبين بعض الحقائق العلمية الأساسية؛ إذ بدت لنا الأرض مسطحة إلى أن كشفت لنا التطورات المذهلة في القياسات الفلكية غير ذلك. وفي بعض مجالات البحث - مثل فيزياء الكم - لا يعد حدسنا عديم الفائدة فحسب، بل إنه يشكل عقبة صريحة أمام تحقيق التقدم. الحدس ببساطة هو شعور قوي بأن شيئا ما صحيح دون أن يكون لدينا وعي أو فهم للأسباب الكامنة وراء هذا الشعور؛ بصرف النظر عما إذا كان هذا الشيء يمثل حقيقة صحيحة في العالم أم لا.
في هذا الفصل من الكتاب، سوف نتناول حدسنا فيما يتعلق بكيفية حكمنا على ما إذا كان شيء ما واعيا أم لا، وسنكتشف أن الإجابات التي تبدو واضحة بديهية تنهار أحيانا عند فحصها فحصا دقيقا. وأحب أن أبدأ هذا الاستكشاف بسؤالين يبدو للوهلة الأولى أنهما بسيطان للغاية وتسهل الإجابة عنهما. لاحظ أول الاستجابات التي تطرأ على ذهنك، وتذكرها جيدا بينما نستكشف بعض الحدسيات والأوهام النمطية. (1)
في نظام نعرف أن لديه تجارب حسية واعية - ألا وهو الدماغ البشري - ما هو الدليل الذي يمكننا استقاؤه من العالم الخارجي على وجود الوعي؟ (2)
هل الوعي ضروري لسلوكنا؟
يتداخل هذان السؤالان في عدة نقاط هامة، لكن من المفيد تناول كل منها على نحو مستقل. فكر أولا في أنه يمكن أن توجد تجربة واعية دون أي تعبير خارجي على الإطلاق (على الأقل في الدماغ). أحد أبرز الأمثلة على ذلك الحالة العصبية التي تسمى «متلازمة المنحبس» (أو «السبات الكاذب»)، والتي يكون فيها جسد الإنسان بأكمله مشلولا ولكن الوعي سليم تماما. اشتهرت هذه الحالة العصبية من خلال جان دومينيك بوبي، رئيس التحرير السابق لمجلة «إل» الفرنسية، الذي ابتكر بعبقرية طريقة للكتابة عن معاناته الشخصية مع متلازمة المنحبس. فبعد أن أصابته جلطة دماغية بالشلل، لم يستعد بوبي شيئا من قدرته على الحركة سوى الرمش بعينه اليسرى. ومن المدهش أن القائمين على رعايته لاحظوا جهوده من أجل التواصل، وطوروا بمرور الوقت طريقة تمكنه من تهجئة الكلمات من خلال الرمش بعينه بنمط معين، وهكذا تمكنوا من الكشف عن النطاق الكامل لحياته الواعية. وقد وصف بوبي هذه التجربة المروعة في مذكراته التي نشرت عام 1997 بعنوان «جرس الغوص والفراشة» والتي كتبها من خلال نحو مائتي ألف رمشة. قد نفترض، بالطبع، أن وعيه لم يكن سيتغير بأي حال من الأحوال لو أن جفنه الأيسر استسلم للشلل بدوره. ومن دون هذه القدرة على تحريك جفنه الأيسر، لما كانت ثمة وسيلة لديه لإخبارنا بأنه واع وعيا تاما.
مثال آخر على الحبس الجسدي هو حالة تسمى «الوعي أثناء التخدير»، حيث يعاني المريض الخاضع للتخدير العام لإجراء عملية جراحية الشلل دون أن يفقد وعيه. ومما لا شك فيه أن الأشخاص الذين يمرون بهذه الحالة يعيشون كابوسا متمثلا في شعورهم بكل خطوة من خطوات العملية الجراحية، التي تكون أحيانا عبارة عن تدخل طبي شديد مثل استئصال أحد أعضاء المريض، دون القدرة على التحرك أو إخبار من حولهم بأنهم مستيقظون تماما ويشعرون بالألم. يبدو أن هذا المثال والمثال السابق يأتيان مباشرة من فيلم رعب، لكن يمكننا أن نتخيل حالات أخرى أقل إزعاجا يفتقد فيها العقل الواعي القدرة على التعبير؛ كما في سيناريوهات تنطوي على ذكاء اصطناعي - على سبيل المثال - يصبح نظاما متقدما واعيا، ولكن ما من سبيل لديه لتوصيل هذه الحقيقة على نحو مقنع لنا. ولكن إن كان ثمة شيء مؤكد بالنسبة إلينا فهو أنه: من الممكن أن توجد تجربة وعي مفعمة بالحياة دون إمكانية رصدها من الخارج.
والآن، لنعد إلى السؤال الأول ونسأل أنفسنا: ما الذي يمكن اعتباره دليلا على الوعي؟ إننا نعتقد، إلى حد كبير، أنه يمكننا تحديد ما إذا كان الكائن الحي واعيا أم لا عن طريق دراسة سلوكه. فيما يلي افتراض بسيط يقوم به أغلبنا، تماشيا مع حدسنا، ويمكننا استخدامه كنقطة بداية: «البشر واعون؛ النباتات ليست واعية.» يعتقد معظم الناس بشدة أن هذه جملة صحيحة، وثمة أسباب علمية جيدة للاعتقاد بأنها كذلك. إننا نفترض أن الوعي لا وجود له في غياب الدماغ أو الجهاز العصبي المركزي. لكن ما الدليل أو السلوك الذي يمكننا رصده لدعم هذا الادعاء بشأن التجربة النسبية للبشر والنباتات؟ فكر في أنواع السلوك التي نعزوها عادة إلى الحياة الواعية، مثل الاستجابة للضرر البدني أو رعاية الآخرين. تكشف الأبحاث العلمية أن النباتات تقوم بكل من هذين الأمرين بطرق معقدة؛ رغم أننا، بالطبع، نتصور أنها تفعل ذلك دون الشعور بالألم أو الحب (أي دون وعي). لكن بعض سلوكيات البشر والنباتات متشابهة للغاية إلى حد أن هذا التشابه يشكل في واقع الأمر تحديا لاستخدامنا سلوكا معينا باعتباره دليلا على وجود خبرة واعية.
في كتابه «ما يعرفه النبات: دليل ميداني للحواس»، يصف دانيال تشاموفيتز بتفاصيل رائعة كيف يمكن لتحفيز النبات (باللمس، أو الضوء، أو الحرارة ... إلخ) أن يستحث استجابات مماثلة لاستجابات الحيوانات في ظل ظروف مشابهة. فالنباتات يمكنها أن تستشعر بيئتها من خلال اللمس، ويمكنها اكتشاف العديد من جوانب محيطها - بما في ذلك درجة الحرارة - بوسائل أخرى. بل إنه من الشائع جدا أن تتفاعل النباتات مع اللمس: فالكرمة تزيد من معدل نموها وتغير اتجاه هذا النمو حين تشعر بوجود جسم قريب يمكنها الالتفاف حوله، ويمكن لنبات «خناق الذباب» سيئ السمعة أن يميز بين الأمطار الغزيرة أو هبة رياح قوية - وهما أمران لا يتسببان في إغلاق شفرات النبات - وبين عمليات التسلل المترددة الوجلة لخنفساء أو ضفدع يعتبره النبات غذاء، وحينها يغلق النبات شفراته عليها في عشر ثانية.
Неизвестная страница
يوضح تشاموفيتز كيف يؤدي تحفيز الخلية النباتية إلى تغيرات خلوية تؤدي إلى إطلاق إشارة كهربائية - على غرار التفاعل الناجم عن تحفيز الخلايا العصبية في الحيوانات - و«كما هو الحال في الحيوانات، يمكن لهذه الإشارة أن تنتشر من خلية إلى أخرى، وهي تتضمن الوظيفة المنسقة لقنوات الأيونات؛ بما في ذلك البوتاسيوم، والكالسيوم، والكالمودولين، ومكونات نباتية أخرى.»
3
ويصف تشاموفيتز أيضا بعض الآليات المشتركة بين النباتات والحيوانات، وصولا إلى مستوى الحمض النووي. ومن خلال بحثه، اكتشف الجينات المسئولة عن قدرة النبات على تحديد ما إذا كان في الظلام أو في الضوء، كما تبين أن هذه الجينات هي أيضا جزء من الحمض النووي البشري. في الحيوانات، تنظم هذه الجينات نفسها الاستجابات للضوء وتشارك في «توقيت الانقسام الخلوي، ونمو الخلايا العصبية على مستوى المحور، والتشغيل السليم للجهاز المناعي». وتوجد آليات مشابهة في النباتات لاكتشاف الأصوات، والروائح، والموقع، وحتى تشكيل الذكريات. وفي مقابلة مع مجلة «ساينتفك أمريكان» يصف تشاموفيتز كيف تلعب أنواع مختلفة من الذكريات دورا في سلوكيات النباتات:
إذا كانت الذاكرة تنطوي على تشكيل الذكرى (تشفير المعلومات)، والاحتفاظ بالذكرى (تخزين المعلومات)، واستعادة الذكرى (استرداد المعلومات)، فإن النباتات تتذكر بكل تأكيد. فعلى سبيل المثال، نبات «خناق الذباب» لا يغلق مصيدته إلا إذا لمست حشرة شعرتين من الشعر الموجود على أوراقه؛ ومن ثم فهو يتذكر اللمسة الأولى ... وتتذكر شتلات القمح أن فصل الشتاء قد انتهى قبل أن تبدأ في الإزهار وصنع البذور. وتصنع بعض النباتات المجهدة ذرية أكثر مقاومة لنوع الإجهاد نفسه الذي تعرض له أسلافها، وهو نوع من الذاكرة العابرة للأجيال اكتشف حديثا في الحيوانات أيضا.
4
تجري عالمة البيئة سوزان سيمارد أبحاثا في علم بيئة الغابات، وقد حققت أبحاثها تقدما كبيرا في فهمنا للتواصل الذي يحدث بين الأشجار في الغابات. في عام 2016، ألقت سوزان محاضرة في مؤتمر «تد»
TED
الشهير وصفت فيها إثارة اكتشاف التكافل بين نوعين من الأشجار أثناء إجراء أبحاثها على شبكات الفطريات الجذرية؛ وهي شبكات متشعبة تحت الأرض من الفطريات تربط نباتات مستقلة، وتنقل الماء، والكربون، والنيتروجين، ومعادن ومواد مغذية أخرى، بين هذه النباتات. كانت سيمارد تدرس مستويات الكربون في نوعين من الأشجار؛ وهما دوجلاس التنوب (أحد أنواع شجر الصنوبر) والبتولا الورقية، عندما اكتشفت أن النوعين منخرطان في «محادثة ثنائية حيوية». ففي أشهر الصيف، عندما تكون شجرة «التنوب» بحاجة إلى المزيد من الكربون، ترسل البتولا المزيد من الكربون إليها، وفي أوقات أخرى، عندما تكون التنوب لا تزال في مرحلة النمو، وتحتاج البتولا إلى مزيد من الكربون لأنها بلا أوراق، ترسل التنوب المزيد من الكربون إلى البتولا - وهو ما يكشف أن هذين النوعين متكافلان في واقع الأمر. ومما يثير الدهشة أيضا نتائج أبحاث إضافية أشرفت عليها سيمارد، وأظهرت أن «الأشجار الأم» من دوجلاس التنوب قادرة على التمييز بين أقاربها من النوع نفسه وبين الشتلات الأخرى المجاورة. وجدت سيمارد أن الأشجار الأم استعمرت الأشجار من نوعها عن طريق شبكات فطريات جذرية أكبر، وكانت ترسل إليها المزيد من الكربون تحت الأرض. كما أن الأشجار الأم «قللت من تنافس جذور تلك الأشجار لإفساح المجال أمام الأشجار الناشئة للنمو»، كما كانت ترسل رسائل حين تصاب أو تحتضر من خلال الكربون، وتوصل إشارات دفاعية أخرى إلى شتلات تلك الأشجار، مما يزيد من مقاومة هذه الشتلات للضغوط البيئية المحلية.
5
وبالمثل، عن طريق نشر السموم عبر الشبكات الفطرية تحت الأرض، تستطيع النباتات أيضا مكافحة الأنواع التي تهددها. ونظرا إلى الروابط الهائلة ووظائف شبكات الفطريات الجذرية هذه، يشار إليها باسم «شبكة الإنترنت الطبيعية للأرض».
Неизвестная страница
6
ومع ذلك، يمكننا بسهولة تخيل النباتات تمارس السلوكيات الموصوفة هنا دون أن يكون ثمة «شيء يشبه» كونك نباتا؛ لذا فإن السلوك المعقد لا يلقي الضوء بالضرورة على ما إذا كان النظام واعيا أم لا. ويمكننا استكشاف حدسنا بشأن السلوك من زاوية أخرى من خلال طرح السؤال التالي: «هل يحتاج النظام إلى وعي لممارسة سلوكيات معينة؟» على سبيل المثال، هل يحتاج روبوت متقدم إلى أن يكون واعيا ليربت على ظهر صاحبته عندما يراها تبكي؟ أغلبنا سوف يجيب على الأرجح: «ليس بالضرورة». فبعض شركات التقنية تقوم بخلق أصوات محوسبة لا يمكن تمييزها عن الأصوات البشرية.
7
وإذا قمنا بتصميم ذكاء اصطناعي وبدأ يوما ما في قول أشياء مثل: «توقف من فضلك - ما تفعله يؤلمني!» فهل ينبغي أن نأخذ ذلك دليلا على وجود الوعي، أو ببساطة على برمجة معقدة، ولكنها مفتقدة إلى الوعي؟
إننا نفترض، على سبيل المثال، أن خوارزمية مجردة تماما من الوعي تكمن وراء قدرة جوجل المتزايدة على تخمين ما نبحث عنه بدقة، أو قدرة برنامج مايكروسوفت أوتلوك على تقديم اقتراحات بشأن من قد نرغب في إضافته لتسلم نسخة من رسالة البريد الإلكتروني التالية. إننا لا نعتقد أن جهاز الكمبيوتر الخاص بنا واع - فضلا عن أن يهتم بنا - عندما يومض اسم أحد أقاربنا، مثل العم جون، مذكرا إيانا بإدراجه في الرسالة التي نكتبها لإخبار الأسرة بمولد طفل جديد. من الواضح أن البرنامج تعلم أن العم جون عادة ما يدرج اسمه في رسائل البريد الإلكتروني إلى الوالد وإلى ابنة العم جيني، ولكن ليس لدينا أي دافع لنقول لهذا البرنامج: «شكرا لك - كان هذا لطفا منك!» غير أنه من الممكن تصور أن تقنيات التعلم العميق المستقبلية سوف تمكن هذه الأجهزة من التعبير عن أفكار وعواطف واعية (مما يعطيها قدرات متزايدة على خداع البشر). وتكمن المشكلة في أن كلا من الحالات الواعية وغير الواعية تبدو متوافقة مع أي سلوك، حتى تلك المرتبطة بالعاطفة، ومن ثم فإن السلوك في حد ذاته لا يشير بالضرورة إلى وجود الوعي.
وهكذا، فجأة، تبدأ إجاباتنا الأولية عن السؤال الأول - سؤال ما الذي يعد دليلا على وجود الوعي؟ - في التلاشي. وهذا يقودنا إلى السؤال الثاني، بشأن ما إذا كان الوعي يؤدي وظيفة أساسية - أو له أي تأثير على الإطلاق - في النظام المادي صاحب الوعي.
8
من الناحية النظرية، يمكنني أن أتصرف بكل الطرق التي أتصرف بها وأقول كل الأشياء التي أقولها دون أن يكون لدي خبرة واعية بها، مثلما قد يفعل روبوت متقدم (رغم أنه يصعب تخيل ذلك بلا شك). هذا هو جوهر تجربة فكرية تعرف باسم «الزومبي الفلسفي»، والتي اشتهرت عن طريق ديفيد تشالمرز. يطلب منا تشالمرز أن نتخيل أن أي شخص قد يكون - حقا - زومبي؛ وهو شخص يبدو ويتصرف من الخارج مثل أي شخص آخر تماما، ولكن دون أي خبرة داخلية على الإطلاق. إن تجربة الزومبي الفكرية مثيرة للجدل، ويدعي فلاسفة آخرون، ولا سيما دانيال دينيت من جامعة تافتس، أن ما تقترحه هذه التجربة الفكرية مستحيل؛ بمعنى أن أي دماغ بشري يعمل بشكل كامل لا بد أن يكون واعيا، بطبيعة الحال. لكن تصور «الزومبي» مسألة تستحق التأمل ولو من الناحية النظرية فقط؛ لأنها تساعدنا في تحديد السلوكيات التي نعتقد أنها يجب أن تكون مصحوبة بوجود للوعي، إن وجدت.
الهدف هنا هو التخلص من أكبر عدد ممكن من الافتراضات الخاطئة، وهذا التمرين الذهني تحديدا مفيد، سواء كان وجود الزومبي متوافقا مع قوانين الطبيعة أو لا. تخيل أن شخصا ما في حياتك هو في الواقع زومبي أو روبوت مزود بذكاء اصطناعي (يمكن أن يكون أي شخص؛ بداية من شخص لا تعرفه يعمل في متجر، ونهاية بصديق مقرب لك). في اللحظة التي تشهد فيها سلوكا من هذا الشخص تعتقد أنه لا بد أن يكون سلوكا متزامنا مع خبرة داخلية لهذا الشخص، اسأل نفسك لماذا تعتقد ذلك. ما هو الدور الذي يبدو أن الوعي يلعبه في سلوكه؟ لنفترض أن صديقك الزومبي شاهد حادث سيارة، ويبدو عليه القلق على نحو متناسب مع الحدث، ويخرج هاتفه للاتصال بسيارة إسعاف. هل يمكن أن يكون هذا الشخص يتصرف بشكل آلي دون إحساس داخلي بالقلق والاهتمام، أو دون عملية تفكير واعية تؤدي به إلى إجراء المكالمة الهاتفية ووصف ما حدث؟ هل يمكن أن يحدث كل هذا حتى لو كان روبوتا، دون أن يشعر بأي شعور يدفعه لهذا السلوك؟
لقد اكتشفت أن تجربة الزومبي الفكرية يمكنها أيضا التأثير على تفكيرنا على نحو يتجاوز مقصدها الأصلي. فبمجرد أن نتخيل أن السلوك البشري من حولنا موجود دون وعي، يبدأ هذا السلوك يبدو أشبه بالعديد من السلوكيات التي نراها في العالم الطبيعي والتي لطالما افترضنا أنها غير واعية، مثل سلوك نجم البحر الذي يتجنب العقبات، وهو حيوان مائي لا فقاري ليس لديه جهاز عصبي مركزي.
Неизвестная страница
9
وبعبارة أخرى، عندما نخدع أنفسنا لنتخيل أن الناس يفتقرون إلى الوعي، يمكننا أن نبدأ في التساؤل عما إذا كنا في الواقع نخدع أنفسنا طوال الوقت عندما نعتبر أنظمة حية أخرى - مثل اللبلاب المتسلق أو شقائق النعمان البحرية اللاسعة - مجردة من الوعي. إن لدينا حدسا متأصلا بعمق - ومن ثم اعتقاد راسخ - بأن الأنظمة التي تسلك مثل سلوكنا هي أنظمة واعية، وأن تلك التي لا تفعل ذلك غير واعية. ولكن ما توضحه تجربة الزومبي الفكرية لي تماما هو أن الاستنتاج الذي نستخلصه من هذا الحدس ليس له أساس حقيقي سليم. إنه مثل صورة ثلاثية الأبعاد، تنهار في اللحظة التي نخلع فيها نظارتنا.
الفصل الثالث
هل الوعي حر؟
بينما نمضي في حياتنا اليومية، نعيش ما يبدو لنا أنه تيار مستمر من أحداث اللحظة الراهنة، ومع ذلك فإننا في الواقع لا ندرك الأحداث المادية في العالم إلا «بعد» وقوعها بقليل. وفي الحقيقة، إن إحدى أكثر النتائج إثارة للفزع في علم الأعصاب هي أن الوعي غالبا ما يكون «آخر من يعلم». تنتقل المعلومات البصرية، والسمعية، وأنواع أخرى من المعلومات الحسية عبر العالم (وعبر جهازنا العصبي) بسرعات مختلفة. فالموجات الضوئية والموجات الصوتية التي تنبعث لحظة ملامسة كرة التنس لمضربك، على سبيل المثال، لا تصل إلى عينيك وأذنيك في الوقت نفسه، وكذلك يحدث التأثير الذي تشعر به يدك الممسكة بالمضرب في لحظة زمنية مختلفة عنهما. ومما يزيد الأمور تعقيدا، أن الإشارات التي تتلقاها يداك وعيناك وأذناك تنتقل مسافات مختلفة عبر الجهاز العصبي للوصول إلى دماغك (فيداك بعيدتان عن دماغك أكثر من بعد أذنيك عنها مثلا). وفقط بعد تلقي الدماغ جميع المدخلات ذات الصلة، تجري مزامنة الإشارات وإدخالها إلى تجربتك الواعية من خلال عملية تسمى «الربط»؛ وبواسطة هذه العملية ترى، وتسمع، وتشعر أن الكرة ترتطم بالمضرب في اللحظة ذاتها. وقد عبر عالم الأعصاب، ديفيد إيجلمان، عن ذلك قائلا:
إدراكك الواقع هو النتيجة النهائية لحيل تعديل بارعة: يخفي الدماغ الفروق بين أوقات الوصول. كيف؟ إن ما يقدمه دماغك بوصفه الواقع هو في الحقيقة نسخة متأخرة عنه. يجمع دماغك كل المعلومات من الحواس قبل أن يصنع قصة عما يحدث. ... والنتيجة الغريبة لكل هذا هي أنك تعيش في الماضي. فبحلول الوقت الذي تعتقد فيه أن هذه اللحظة تحدث، تكون تلك اللحظة قد انتهت منذ وقت طويل. إن تكلفة مزامنة المعلومات الواردة من الحواس هي أن يتأخر إدراكنا الواعي عن العالم المادي.
1
والمثير للدهشة أن وعينا لا يبدو أنه يتدخل في الكثير من تصرفاتنا، باستثناء كونه شاهدا عليها. وقد أجري عدد من التجارب الرائعة في هذا المجال، ويصف عالم الأعصاب مايكل جازانيجا بعض هذه التجارب بالتفصيل في فصل رائع معنون على نحو ملائم «الدماغ يعرف قبل أن تعرف أنت» في كتابه «ماضي العقل». تظهر بعض هذه التجارب - التي اشتهر بإجرائها بنجامين ليبيت في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو - أن دماغك يجهز حركات ميكانيكية معقدة لجسمك قبل أن تدرك بوعي قرار التحرك. في مثل هذه التجارب، يشاهد المشاركون ساعة خاصة، ووفقا لأداة مماثلة لعقرب الثواني في الساعات التقليدية، يحددون بدقة اللحظة التي يقررون فيها تحريك إصبع مثلا. ولكن، باستخدام جهاز لرسم الدماغ، يستطيع الباحثون اكتشاف نشاط قشرة الدماغ الذي يرسل الإشارة للقيام بهذه الحركات الوشيكة بنحو نصف ثانية «قبل شعور المشاركين بأنهم اتخذوا قرار التحرك».
2
وقد أجريت نسخ أكثر تطورا من هذه التجارب منذ ذلك الحين، وأكدت النتائج نفسها.
Неизвестная страница
3
وعلى الرغم من أنه ليس من الواضح بعد كيف ترتبط أنواع القرارات الحركية البسيطة تلك بقرارات أكثر تعقيدا، مثل اختيار ما سنأكله في الغداء أو الاختيار بين عرضي عمل، فلا شك أن علم الأعصاب الحديث يوفر لنا رؤية آخذة في التطور بسرعة للعقل البشري. ولدينا الآن سبب للاعتقاد بأنه إذا استطاع شخص آخر الوصول إلى نشاط معين يحدث داخل دماغك، فسيتمكن من معرفة ما ستفعله قبل أن تعرف أنت نفسك.
إن حدسنا المتمثل في أن الوعي يقف وراء سلوكيات معينة نابع من شعورنا بأننا نتخذ القرارات بحرية في هذا العالم، بينما أعمالنا الإرادية ترتبط ارتباطا وثيقا بإحساسنا بالتحكم الواعي في اللحظة الراهنة. وسواء أكان القرار الذي نفكر فيه صغيرا مثل اختيار شرب الماء بدلا من عصير البرتقال، أم قرارا ذا تبعات كبيرة، مثل قبول وظيفة في تكساس بدلا من وظيفة أخرى في نيويورك، فإننا نشعر بشدة أن الوعي مطلوب لعمليات التفكير (وحتى التفضيلات) الضرورية لاتخاذ قرار ما. ومن ثم، فإن النتائج المتعلقة بكيفية اتخاذ القرارات على مستوى الدماغ - والتأخير بمقدار عدة أجزاء من الألف من الثانية في إدراكنا الواعي للمدخلات الحسية وحتى أفكارنا - تسببت في وصف العديد من علماء الأعصاب، بما في ذلك جازانيجا، لشعور الإرادة الواعية بأنه وهم. لاحظ أنه في مثل هذه التجارب، شعر المشاركون بأنهم يقومون بفعل ما بإرادتهم الحرة، بينما الواقع أن هذا الفعل قد بدأ بالفعل قبل أن يشعروا أنهم اتخذوا قرار التحرك.
وتعززت الحجة القائلة بأن الإرادة الواعية هي وهم من خلال حقيقة أن هذا الوهم يمكن تحفيزه والتلاعب به عن عمد. فقد استطاع القائمون على التجارب إحداث شعور بالإرادة لدى المشاركين في هذه التجارب في حين لم يكن لهؤلاء الأشخاص في الواقع أي تحكم فيما يحدث. ويبدو أنه في ظل الظروف المناسبة، من الممكن إقناع الناس بأنهم بدءوا بوعي في القيام بفعل ما، في حين يتحكم شخص آخر في هذا الفعل في واقع الأمر. أجرى عالما النفس دانيال فيجنر وتاليا ويتلي سلسلة من هذه الدراسات. يقول فيجنر موضحا:
نجعل المشارك في التجربة يضع يده على لوحة صغيرة موضوعة فوق فأرة كمبيوتر، وهذه الفأرة تحرك مؤشرا على شاشة الكمبيوتر. تحتوي الشاشة على مجموعة متنوعة من الأشياء المختلفة، مثل صور من كتاب «أنا أتجسس»؛ وهي في هذه الحالة صور ألعاب بلاستيكية صغيرة. ولدينا أيضا في الغرفة حليف في التجربة إلى جانب المشارك؛ وكلاهما يضع سماعات رأس، ويطلب منهما معا تحريك المؤشر على الشاشة والتوقف على شيء على الشاشة كل بضع ثوان، متى سمعوا صوت موسيقى. ... في أغلب الأحيان، يسمعان أصواتا عبر سماعات الرأس التي يضعانها، وبعض هذه الأصوات هي أسماء لأشياء موجودة على الشاشة. يحدث الجزء الرئيسي من التجربة عندما يطلب من الحليف في التجربة - في بعض المحاولات - إجبار المشارك في التجربة على وضع المؤشر على شيء معين على الشاشة، بحيث لا يكون الشخص الذي نختبره هو من فعل ذلك، وإنما أجبر عليه. يبدو الأمر كما لو أن شخصا ما كان يغش على لوح «ويجا» (الذي يظن البعض أنه وسيلة للتخاطب مع الأرواح). ومن ثم نقوم بإسماع اسم شيء ما للمشارك في التجربة قبل أو بعد إجباره على التحريك بمدة زمنية معينة، وقد وجدنا أنه إذا قلنا اسم الشيء قبل ثانية واحدة فقط من إجبار المشارك على الانتقال إليه على الشاشة، فإنه يفيد بأنه فعل ذلك عمدا. ... إذن فمن الممكن اختلاق الشعور بالإرادة والإيهام به؛ ومع ذلك، فإننا نعيش حياتنا اليومية ونحن نشعر بعكس ذلك.
4
فما هو الدور الذي يلعبه الوعي إذا لم يكن هو خلق إرادة التحرك وكان مجرد مشاهد لهذا التحرك وهو يحدث، وكل ذلك في ظل وهم أنه هو المسئول؟ يمكننا الآن أن نرى كيف أن الشعور بالإرادة الحرة - كما نختبره عادة - ليس بالبساطة التي يبدو عليها. وإذا بددنا هذا المفهوم الشائع، يمكننا البدء في التشكيك في فكرة أن الوعي يلعب دورا أساسيا في توجيه السلوك البشري.
من المهم أن أوضح أنني عندما أتحدث عن طبيعة الإرادة الحرة في هذا السياق، فإنني أشير تحديدا إلى الشعور بالإرادة «الواعية». إنني أشير إلى الوهم الأساسي اليومي الذي يبدو أنه يلازمنا جميعا: أننا «ذوات» متمايزة ومنفصلة؛ ليست منفصلة فقط عن المحيطين بنا وعن العالم الخارجي، ولكن حتى عن أجسادنا نفسها، كما لو أن تجربتنا الواعية بطريقة ما تطفو مستقلة عن العالم المادي. فعلى سبيل المثال، لدي - مثل أي شخص آخر - ميل سخيف إلى اعتبار «جسدي» (بما في ذلك «رأسي» و«دماغي») شيئا يسكنه وعيي؛ في حين أن الحقيقة هي أن كل ما أفكر فيه على أنه «أنا» يعتمد على وظائف دماغي. فحتى أدنى التغيرات العصبية التي قد تحدث عن طريق التسمم مثلا، أو المرض، أو الجرح، يمكن أن تجعل «الأنا» غير قابلة للتعرف عليها. ومع ذلك، لا يبدو أنني أستطيع زعزعة الحدس الخاطئ القائل بأنه يمكنني حتى اختيار ترك جسدي (فقط لو كان بإمكاني معرفة كيفية فعل ذلك) وكل شيء يشكل «الأنا» سيظل بطريقة سحرية ما قائما دون مساس. من السهل أن نرى كيف أن البشر في جميع أنحاء العالم، جيلا بعد جيل، قاموا دون عناء كبير ببناء مفاهيم مختلفة عن «الروح»، وأوصاف لحياة بعد الموت تحمل تشابها مذهلا مع الحياة قبل الموت.
غير أن الدماغ، كنظام، يمتلك بالفعل نوعا من الإرادة الحرة؛ حيث إنه يتخذ القرارات والخيارات على أساس معلومات خارجية، وأهداف داخلية، وعملية تفكير معقدة. ولكن عندما أناقش وهم الإرادة الواعية هنا ، فإنني أتحدث عن الوهم القائل بأن «الوعي هو الإرادة نفسها».
5
Неизвестная страница
يبدو أن مفهوم الإرادة الحرة الواعية غير متسق؛ فهو يشير إلى أن إرادة الفرد منفصلة ومنعزلة عن بقية بيئتها، لكنها - على نحو متناقض - قادرة على التأثير في هذه البيئة عن طريق اتخاذ خيارات داخلها.
كنت ذات مرة في إحدى الفعاليات عندما سئل صديقي ومعلم التأمل جوزيف جولدشتاين عما إذا كان يعتقد أن لدينا إرادة حرة. وقد أجاب عن السؤال بوضوح لافت للنظر عندما قال إنه لا يعرف حتى ماذا يعني هذا المصطلح. ما معنى أن تكون لدينا إرادة مستقلة عن العلاقات بين الأسباب والنتائج في الكون؟ وأشار بيديه إشارة راقصة في الهواء فوقه؛ في محاولة للإشارة إلى هذه الإرادة الحرة الخيالية، وهو يتساءل: «كيف يمكننا حتى محاولة تخيل مثل هذه الإرادة حولنا؟»
غير أن الكثير من الناس يعترضون على مقولة أن الإرادة الواعية هي وهم استنادا إلى أسس أخلاقية، مؤكدين أن البشر يجب أن يتحملوا مسئولية اختياراتهم وسلوكياتهم. لكن البشر يمكن (ويجب عليهم) أن يتحملوا مسئولية أفعالهم، لأسباب عديدة؛ فهذان المعتقدان ليسا متناقضين بالضرورة. فلا يزال بإمكاننا معرفة الفارق بين الأفعال المتعمدة والواضحة وبين النوع الذي تسببه الأمراض العقلية أو غيرها من اضطرابات العقل/الدماغ.
6
تخيل أننا في مدينة مستقبلية، وأن سيارة ذاتية القيادة صدمت أحد المشاة. سوف تعتمد الاستجابة لهذا الحدث المؤسف على سبب عدم توقف السيارة. إذا تبين أن برامجها معيبة ولا يمكنها التعرف على المشاة عندما يرتدون معاطف شتوية داكنة، على سبيل المثال، فإن ذلك سيتطلب استجابة معينة. وإذا تعطلت مستشعرات السيارة بسبب عيب في هذه السيارة تحديدا، فإن ذلك يتطلب استجابة مختلفة. وإذا صدمت السيارة الشخص السائر لأنها كانت تتجنب الاصطدام بحافلة مزدحمة ودفعها وسط زحام مروري في الاتجاه الآخر، فسننظر إلى هذا الموقف (ونستجيب له) على نحو مختلف تماما عن السيناريوهين الأولين - باعتباره «نجاحا» للتكنولوجيا المتقدمة للسيارة، بدلا من اعتباره عيبا بها. إن مجرد معرفتنا أن سيارة ذاتية القيادة صدمت أحد المشاة ليست معلومات كافية لمساعدتنا في منع هذه السيارة من أن تكرر الحادثة أو لمعرفة كيفية صنع سيارات أفضل.
من المهم أن نلاحظ أنه في هذه التأملات حول السيارات الذاتية القيادة، لم يدخل الوعي في المحادثة قط. ويمكن النظر إلى الدماغ بطريقة مماثلة عندما يتعلق الأمر بالإرادة الواعية. فسيكون من المهم دائما معرفة «السبب» الذي جعل شخصا ما يتصرف بعنف، على سبيل المثال. ثمة مجموعة من السلوكيات البشرية التي يمكن أن تتأثر بالردع، والعواقب السلبية، والتعاطف، إلى جانب تلقين الأدمغة النامية للأطفال بالتنظيم الذاتي والتحكم الذاتي؛ وجميع الطرق الأخرى التي تستخدمها المجتمعات المتحضرة لإبقاء البشر حسني التصرف (عموما).
يغير الدماغ من سلوكه باستمرار استجابة للمدخلات التي يتلقاها. كما أنه يتغير ويتطور من خلال الذاكرة، والتعلم، والتفكير الداخلي. فمع التوجيه الصحيح، فإننا نتوقف في النهاية عن رمي أنفسنا على الأرض والدق بقبضات أيدينا عندما لا نحصل على ما نريد. وما كنا لنتمكن من الوصول إلى ذلك دون مفاهيم مثل المسئولية، والمساءلة، والعواقب. لكن في المواقف التي تكون فيها الضغوط الحضارية المعتادة عاجزة (حين يعاني شخص ما هلاوس فصامية مثلا)، فمن المنطقي معاملة هذا الشخص وسلوكه على نحو مختلف عن الشخص الذي يخضع لتلك الضغوط الحضارية. وبالمثل، فإن فهم النوايا الكامنة وراء السلوك العنيف يعطينا معلومات مهمة حول نوع «البرمجيات» التي يعمل بها دماغ شخص ما. فالشخص الذي يخطط لعدة جرائم قتل لديه دماغ يعمل بشكل مختلف تماما عن شخص أصيب بجلطة دماغية أثناء قيادة سيارته وقتل عددا من الأشخاص عن طريق الخطأ.
قد يبدو من التناقض الحديث عن الأخلاق في هذا الإطار؛ لأن الوعي ضروري لمناقشة المسائل الأخلاقية. فلما كانت الأخلاق مجالا يتعلق بالمعاناة، فإن كل المحادثات حولها تدور حول كيفية «الشعور» بشيء ما. لكن من حيث كون الدماغ نظاما للمعالجة الفيزيائية؛ فإن بعض أهدافه يمكن أن تكون أخلاقية بطبيعتها - تحديدا، العمل على تقليل عدد الأحداث التي تسبب المعاناة - وهنا تشبه أدمغتنا السيارات الذاتية القيادة المذكورة سابقا. وعلى الرغم من أننا نتحدث عن تعديل تجربة واعية، فإن الوعي نفسه لا يعني بالضرورة التحكم في النظام؛ وكل ما نعرفه هو أن الوعي يشعر بالنظام. وليس من التناقض أن نقول إن الوعي ضروري للاعتبارات الأخلاقية، ولكنه في الوقت ذاته غير ذي صلة عندما يتعلق الأمر بالإرادة.
يعد التمييز بين سلوكيات الدماغ المتعمدة والسلوكيات التي يسببها تلف في الدماغ أو قوى خارجية أخرى («ضد إرادة الفرد») أمرا سليما وضروريا، لا سيما عند تنظيم قوانين المجتمع وأنظمة العدالة الجنائية. لكن الادعاء بأن الإرادة الواعية وهمية لا يزال قائما - بمعنى أن الوعي لا يقود السفينة - ويمكن الحفاظ على تلك الإرادة جنبا إلى جنب مع هذه التمييزات الأخرى المتمثلة في التعمد والمسئولية.
التجارب الموصوفة في هذا الفصل ليست ضرورية لإثبات هذه النقطة في حقيقة الأمر. فخبرتنا وحدها تكشف الوهم، ويمكنك اكتساب بعض الأفكار المتبصرة حول هذا الأمر من خلال تجربة بسيطة. اجلس في مكان هادئ وامنح نفسك خيارا - أن ترفع ذراعك أو قدمك - مع وجوب إجراء هذا الخيار قبل وقت معين (قبل أن يصل عقرب الثواني في الساعة إلى الرقم ستة، على سبيل المثال). فلتقم بذلك الأمر مرارا وتكرارا، ولتراقب خبرتك من لحظة إلى أخرى عن كثب. لاحظ كيف يتم إجراء هذا الاختيار في الوقت الحقيقي، وما الشعور الذي يسببه. من أين ينبع القرار؟ هل «تقرر متى تقرر»، أم يبزغ القرار ببساطة في تجربتك الواعية؟ هل ثمة إرادة واعية تعطيك بطريقة ما الفكرة؛ «حرك ذراعك»، أم أن الفكرة تصل إليك من مصدر ما؟ ما الذي يجعلك تختار الذراع وليس القدم؟ قد يبدو لك فجأة أن «أنت» (أي تجربتك الواعية) لم يكن لها أي دور في الأمر.
Неизвестная страница
يبدو واضحا أننا لا نستطيع أن نقرر ما نفكر فيه أو نشعر به أكثر مما نستطيع أن نقرر ما نراه أو نسمعه. إن التقاء معقدا للغاية بين العوامل والأحداث الماضية - بما في ذلك جيناتنا، وتاريخ حياتنا الشخصية، وبيئتنا المباشرة، وحالة أدمغتنا - هو المسئول عن كل فكرة تالية نفكر فيها. هل قررت أن تتذكر الفرقة الموسيقية في مدرستك الثانوية عندما بدأ الراديو في إذاعة تلك الأغنية؟ هل قررت أنا أن أكتب هذا الكتاب؟ الإجابة بشكل ما هي نعم، لكن «أنا» في السؤال ليست هي تجربتي الواعية. في الواقع، قرر دماغي، بالاشتراك مع تاريخه ومع العالم الخارجي، أن أكتب هذا الكتاب. أما أنا (بمعنى تجربتي الواعية) فقد شهدت ببساطة هذه القرارات وهي تتجلى للعيان.
الفصل الرابع
رفيق في الرحلة
يمكن العثور على عدد هائل من الأمثلة التي من شأنها أن تقلب حدسنا رأسا على عقب، وتتحدى المفهوم النمطي للإرادة الحرة، في دراسة الطفيليات وكيفية تأثيرها على سلوكيات عوائلها. «التوكسوبلازما جوندي» هو طفيل مجهري يمكنه أن يصيب جميع الحيوانات ذات الدم الحار، لكنه لا يستطيع التكاثر الجنسي إلا في أمعاء القطط. ورغم أنه يمكن أن يعيش في أي حيوان ثديي، إلا أنه يجب أن يعود في النهاية إلى قطة لإكمال دورة حياته. عادة ما يصيب طفيل التوكسوبلازما الفئران؛ لأنها توجد في كثير من الأماكن التي توجد فيها القطط، وقد طور هذا الطفيل آلية بارعة ومخيفة للغاية للتغلب على التحدي المتمثل في الانتقال من الفئران - التي تشعر بخوف غريزي عميق من القطط - ليعود إلى المكان الذي يستطيع أن يتكاثر فيه؛ أي القطط. فمن خلال آلية عصبية لا يزال العلماء لا يفهمونها تماما بعد، يؤثر طفيل التوكسوبلازما على سلوك الفئران المصابة، فتتسبب في تخلي الفئران عن خوفها من القطط، لدرجة أنه في كثير من الحالات تسير الفئران (أو حتى تركض) باتجاه عدوها مباشرة. يخلق التوكسوبلازما مئات من الأكياس في دماغ مضيفه، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الدوبامين. والدوبامين هو ناقل عصبي يلعب دورا في استثارة مشاعر قوية مثل الرغبة والخوف، وهو ما يساعد في تفسير الكثير من السلوكيات التي نراها في الثدييات المصابة بهذا الطفيل. من المحتمل أن هذه الفئران تشعر بطريقة أو بأخرى أنه يتم التلاعب بها رغم إرادتها بواسطة قوة خارجية، ولكن يبدو من المرجح أكثر أن الكيمياء العصبية لديها تتغير، ومن ثم تتغير رغباتها ومخاوفها: إنها لم تعد تشعر بالخوف من القطط، بل على العكس، تشعر الآن أنها منجذبة إليها.
1
يمكن أن يصاب البشر بهذا الطفيلي بالطريقة نفسها التي تصاب بها الثدييات الأخرى - عن طريق استهلاك اللحوم غير المطهية جيدا للحيوانات المصابة، أو عن طريق الاتصال المباشر مع البيئات الملوثة بفضلات القطط، مثل مياه الشرب أو تربة الحديقة أو صناديق القمامة - وقد تبين أن طفيل التوكسوبلازما له أيضا تأثير على أدمغة البشر. وقد أشارت الصحفية العلمية كاثلين ماكوليف إلى الملاحظات التي أبداها علماء الطفيليات قائلة إن «الخلايا العصبية التي تؤوي الطفيلي تصنع الدوبامين بكميات تفوق تلك التي تصنعها الخلايا الطبيعية بثلاثة أضعاف ونصف. ويمكن في الواقع رؤية المادة الكيميائية وهي تتجمع داخل خلايا الدماغ المصابة». ويمكن أن تسبب التوكسوبلازما مجموعة متنوعة من التغيرات السلوكية في البشر، ويعتقد أنها تسبب حدوث انفصام الشخصية وغيره من الأمراض العقلية لدى كثير من الناس. ووفقا لما ذكرته ماكوليف فإن «الأشخاص المصابين بالفصام تزداد احتمالات أن تكون نتائج اختبارات وجود أجسام مضادة للطفيلي لديهم إيجابية بمرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بأولئك الذين لا يعانون هذا الاضطراب.»
2
في مقالها الرائع الماتع في «نيويورك تايمز» الذي جاء بعنوان «كيف تتلاعب الطفيليات للحصول على المساعدة من عائلها للبقاء على قيد الحياة»، تقول ناتالي أنجيير:
عندما أجرى ياروسلاف فليجر من جامعة تشارلز في براغ اختبارات شخصية على مجموعتين من الناس، إحداهما تظهر عليها علامات مناعية لعدوى سابقة بالتوكسوبلازما، والأخرى لا تظهر عليها هذه العلامات؛ سجل الرجال المصابون درجات أعلى نسبيا من الرجال غير المصابين في سمات مثل الشك في السلطة والميل لكسر القواعد، في حين أن النساء المصابات سجلن ترتيبا أعلى نسبيا من النساء غير المصابات على مقاييس الحنان، والثقة بالنفس، والثرثرة.
وثمة أمثلة لا حصر لها على طفيليات أخرى تؤثر على سلوكيات عائلها. فتتسبب الديدان الشعرية مثلا في جعل الصراصير المصابة - التي تحافظ عادة على مسافة آمنة من المسطحات المائية الكبيرة - تعدو نحو أقرب بحيرة أو مجرى مائي. فعن طريق إطلاق مواد كيميائية عصبية تحاكي تلك الموجودة في الصراصير، تحث الدودة الصراصير على الغرق في الوقت المناسب لمشاركة الدودة في موسم التزاوج، الذي لا بد أن يحدث في الماء.
Неизвестная страница
3
وبالمثل، على الرغم من أن حشرة قمل الخشب عادة ما تختبئ خلال ساعات النهار لتجنب أن تأكلها الطيور، فإن الحشرات المصابة بالديدان شائكة الرءوس ترغب بشدة في الخروج لقضاء ظهيرة لطيفة للاستجمام في الشمس - على سطح فاتح اللون، بدون مبالغة، حيث تسهل البيئة العالية التباين على الطيور التي تحلق فوقها اكتشافها بسهولة. وهكذا تقوم الديدان بالعودة إلى الجهاز الهضمي للطائر لوضع بيضها.
4
وتملك يرقات فراشة ألكون الزرقاء كيمياء سطحية تحاكي المواد الكيميائية الموجودة على سطح نوعين على الأقل من يرقات النمل، مما يتسبب في حمل النمل ليرقات الفراشة ذات الرائحة المألوفة إلى عشها لإطعامها ورعايتها، غالبا على حساب ذرية النمل ذاتها.
5
وتتسبب الدبابير الطفيلية في جعل العناكب الغازلة المدارية تقوم ببناء شبكات تختلف اختلافا جذريا عن تصميماتها المعتادة. فبعد حقن يرقات الزنبور مادة كيميائية في العنكبوت، يبدأ العنكبوت في غزل شبكة أكثر ملاءمة لاحتياجات اليرقة من احتياجاته هو، والحفاظ على اليرقة في مأمن من الحيوانات المفترسة القريبة وتوفير شبكة مثالية لبناء شرنقتها.
6
والقائمة تطول وتطول.
وعند استعراض أمثلة كهذه، يذهلنا على الفور كثرة غفلتنا عن رؤية مجموعة القوى المعقدة التي تؤثر في السلوكيات التي تحدث في كل مكان حولنا. ولا يسع المرء إلا أن يتساءل عما يدفع حقا كل رغباتنا وسماتنا الشخصية؛ لا سيما تلك التي نميل إلى التوحد معها بقوة.
ثمة أيضا حالات من العدوى البكتيرية التي تسبب تغيرات سلوكية في البشر، والعلماء مستمرون في اكتشاف الروابط بين الأمراض المعدية والاضطرابات النفسية البشرية.
Неизвестная страница
7
فقد طورت البكتيريا العقدية، على سبيل المثال، آلية دفاعية تمكنها من الاختفاء بنجاح من الجهاز المناعي للأطفال لبعض الوقت. فالجزيئات الموجودة على جدران خلاياها تجعلها لا يمكن تمييزها عن الأنسجة الموجودة في قلب الطفل، ومفاصله، وجلده، ودماغه. وفي نهاية المطاف، يتعرف جهاز المناعة لدى الطفل على وجود بكتيريا غريبة في الجسم، ولكن عندما يشن هجومه، قد يستهدف عن طريق الخطأ الأنسجة السليمة في الجسم أيضا. ووفقا للدراسات التي أجراها المعهد الوطني للصحة العقلية، ففي هذه الحالات فإن «بعض الأجسام المضادة التفاعلية المتصالبة والمضادة للدماغ [قد] تستهدف الدماغ، مسببة الوسواس القهري، والتشنجات اللاإرادية، وأعراضا عصبية ونفسية أخرى تعرف اختصارا ب
[اضطرابات المناعة الذاتية النفسية العصبية عند الأطفال المصاحبة لالتهابات العقديات]».
8
هنا، سلوك العائل لا يدعم أهداف الطفيلي؛ وبدلا من ذلك، ينتج عن العدوى البكتيرية ظاهرة ذات تأثيرات «غير مقصودة». لكن كلا النوعين من الأمثلة يكشف عن الواقع ذاته حول تجربتنا الواعية، وتبدأ فكرة أن «أنا» هي المصدر النهائي لرغباتي وأفعالي في الانهيار.
ومع وجود العديد من القوى التي تعمل من وراء الكواليس - بدءا من العمليات العصبية الأساسية التي ذكرناها سابقا وحتى العدوى البكتيرية والطفيليات - يصعب أن نرى كيف يمكن أن تكون سلوكياتنا، وتفضيلاتنا، وحتى خياراتنا، واقعة تحت سيطرة إرادتنا الواعية بأي معنى واقعي. ويبدو من الأكثر دقة بكثير أن نقول إن الوعي مجرد رفيق في الرحلة؛ يشاهد العرض، ولكن لا يصنعه أو يتحكم فيه. من الناحية النظرية، يمكننا أن نذهب إلى حد القول بأن قلة قليلة (إن وجدت) من سلوكياتنا تحتاج إلى الوعي من أجل تنفيذها. ولكن على مستوى حدسي، فإننا نفترض أنه نظرا إلى أن البشر يتصرفون بطرق معينة ويكونون واعين - ولأن تجارب مثل الخوف، والحب، والألم، تبدو كأنها محفزات قوية داخل الوعي - فإن سلوكياتنا يحفزها «وعينا بها» وما كانت ستحدث بخلاف ذلك. غير أنه صار من الواضح الآن أن العديد من السلوكيات التي نعزوها عادة إلى الوعي، ونفكر بها كدليل على الوعي، يمكن أن توجد بالفعل دون وعي، على الأقل من الناحية النظرية. ويعيدنا هذا إلى السؤالين اللذين طرحناهما. ومرة أخرى، من الصعب أن نرى كيف تلعب التجربة الواعية دورا في السلوك. هذا لا يعني عدم وجود دور لها، لكن يكاد يكون من المستحيل الإشارة إلى طرق محددة تلعب بها هذا الدور.
ومع ذلك، أثناء تأملاتي الشخصية، تعثرت فيما قد يكون استثناء مثيرا للاهتمام: يبدو أن الوعي يلعب دورا في السلوك «عندما نفكر في سر الوعي ونتحدث عنه». فعندما أتأمل في «معنى» أن أكون شيئا، فمن المفترض أن تجربة الوعي هذه تؤثر على المعالجة التي تحدث في دماغي لاحقا. وكل شيء تقريبا أفكر فيه أو أقوله عندما أتفكر في الوعي لن يكون له أي معنى إذا صدر عن نظام بدون وعي. كيف يمكن لروبوت فاقد الوعي (أو زومبي فلسفيا) أن يتفكر في تجربة واعية بنفسه دون أن تكون له تجربة واعية أصلا؟ تخيل للحظة أن ديفيد تشالمرز نفسه زومبي، يفتقر تماما للتجربة الداخلية، ثم فكر في الأشياء التي يقولها في كتابه «العقل الواعي» عند شرح مفهوم الزومبي:
ونظرا إلى أن توءمي الزومبي يفتقر إلى التجارب الواعية، فهو في وضع معرفي مختلف تماما عني، وأحكامه تفتقر إلى المبررات اللازمة لها. ... إنني أعلم أنني واع، وهذه المعرفة تعتمد فقط على تجربتي المباشرة. ... ومن وجهة نظر المتكلم، أنا وتوءمي الزومبي مختلفان تماما: فأنا لدي تجارب واعية، وهو ليس لديه.
9
لست أدري كيف يمكن لأي نظام غير واع أن يكون لديه أي سبب لإنتاج هذه الأفكار من الأساس، فضلا عن الكيفية التي يستطيع بها نظام ذكي أن يفهمها. فدون أن يختبر توءم تشالمرز الزومبي تجربة الوعي، لا يكون ثمة ذلك الفارق الذي يشير إليه. إن تفسير تشالمرز لكيفية استمرار تصور الزومبي من الناحية النظرية هو أنه من الممكن دمج لغة الوعي ومفاهيمه في برنامج الزومبي. فيمكن بالتأكيد برمجة الروبوت لوصف عمليات محددة مثل «رؤية اللون الأصفر» عند اكتشاف بعض الأطوال الموجية للضوء، أو حتى التحدث عن «الشعور بالغضب» في ظل ظروف محددة، دون أن يرى أي شيء أو يشعر بأي شيء فعليا. ولكن يبدو أنه من المستحيل على أي نظام أن يميز بين التجربة الواعية واللاواعية بشكل عام دون أن يكون لديه تجربة واعية فعلية كنقطة مرجعية. عندما أتحدث عن لغز الوعي - مشيرا إلى شيء يمكنني تمييزه والتعجب بشأنه ونسبه (أو عدم نسبه) إلى كيانات أخرى - يبدو من المستبعد كثيرا أن أتمكن من فعل ذلك - فضلا عن تكريس الكثير من الوقت لذلك - دون شعور بالتجربة التي أتكلم عنها (لأن التجربة النوعية هي الموضوع برمته، ودونها لا يمكنني معرفة أي شيء عنها على الإطلاق). وعندما أقلب هذه الأفكار في ذهني، فإن حقيقة أن أفكاري تدور «حول تجربة الوعي» تشير إلى أن ثمة حلقة تغذية مرتدة من نوع ما، وأن الوعي يؤثر على معالجة دماغي. ففي نهاية المطاف، لا يمكن لدماغي التفكير في الوعي إلا بعد عيش تجربة الوعي (كما يمكن أن يفترض المرء).
Неизвестная страница
لكن بخلاف هذا المثال الواحد الذي غالبا ما أقنع نفسي به، فإن معظم حدسياتنا حول ما يمكن اعتباره دليلا على وجود وعي يؤثر في نظام ما تتداعى عند تمحيصها. لذا، يجب علينا إعادة تقييم الافتراضات التي نفترضها حول الدور الذي يلعبه الوعي في توجيه السلوك؛ لأن هذه الافتراضات تؤدي بطبيعة الحال إلى الاستنتاجات التي نستخلصها بشأن ماهية الوعي، وما الذي جعله ينشأ في الطبيعة. إن كل ما نأمل في اكتشافه من خلال دراسات الوعي - بداية من تحديد ما إذا كان شخص ما في حالة واعية أم لا، إلى تحديد أين نشأ الوعي أولا أثناء تطور الحياة، إلى فهم العملية المادية المحددة التي تنتج التجربة الواعية - موجه بواسطة حدسنا حول وظيفة الوعي.
الفصل الخامس
من نحن؟
حين نتحدث عن الوعي، فإننا عادة ما نشير إلى «الذات» التي هي موضوع كل شيء نختبره؛ فكل ما ندركه يبدو أنه يحدث لهذه الذات أو حولها. لدينا ما نشعر أنه تجربة موحدة، حيث تتكشف لنا الأحداث في العالم بطريقة متكاملة. ولكن، كما رأينا، فإن عمليات الربط مسئولة جزئيا عن هذا الأمر، فهي تقدم لنا وهما بأن الحوادث الفيزيائية متزامنة تماما مع تجربتنا الواعية في اللحظة الحالية. يساعد الربط أيضا على ترسيخ مفاهيم أخرى في الزمان والمكان، مثل لون وشكل وملمس جسم ما؛ وكلها تعالج بواسطة الدماغ على نحو منفصل، ثم تجمع معا قبل الوصول إلى وعينا ككل متكامل . غير أنه في بعض الأحيان تتوقف عمليات الربط، بسبب مرض عصبي أو إصابة عصبية، تاركة المريض في عالم مربك لم تعد المشاهد والأصوات فيه متزامنة (العمه الانفصالي)، أو ترى فيه الأشياء المألوفة مجرد أجزاء، ولكن دون التعرف عليها (العمه البصري).
وحتى إذا كان الدماغ سليما، يمكننا في بعض الأحيان ملاحظة مواطن خلل صغيرة في الربط تلقي الضوء على الوهم الذي عادة ما يخلقه لنا الربط. قبل بضعة أشهر، كنت أسير لأحضر كوبا من الماء في منتصف الليل حين سمعت صوت اصطدام مرتفع في الخارج. ولسبب ما، ربما كان متعلقا بحقيقة أنني كنت شبه نائمة، اختبرت تلك اللحظة بطريقة غير عادية؛ فقد لاحظت استجابة الجفول المفاجئ لجسدي قبل سماع صوت الاصطدام. وللحظة وجيزة، شعرت أنني استجبت لشيء لم أسمعه «أنا» بعد.
تخيل كيف ستكون تجربتك إذا لم يحدث الربط على الإطلاق - عندما تعزف على البيانو، على سبيل المثال، إذا رأيت إصبعك تضغط على المفتاح أولا، ثم سمعت النغمة الموسيقية، وأخيرا شعرت بمفتاح البيانو ينزل تحت إصبعك. أو تخيل لو تعرضت عملية الربط للتلف ووجدت نفسك تجري قبل سماع نباح كلب شرس. من دون عمليات الربط، قد لا تشعر بذاتك على أنها ذات على الإطلاق. سيكون وعيك أشبه بتدفق للتجارب في موقع معين من الفضاء؛ وهو ما سيكون أكثر قربا إلى الحقيقة. هل يمكن أن تكون ببساطة على وعي بالأحداث، والأفعال، والمشاعر، والأفكار، والأصوات؛ وجميعها يأتي في سلسلة من الإدراك؟ مثل هذه الخبرة ليست استثنائية في مجال ممارسة التأمل، والعديد من الناس - بمن فيهم أنا - يمكن أن يشهدوا عليها. إن الذات التي يبدو أننا نسكنها معظم الوقت (إن لم يكن كل الوقت) - كمركز متموضع وثابت وصلب للوعي - هي وهم يمكن العبث به، دون تغيير خبرتنا بالعالم بأي طريقة أخرى. يمكن أن يكون لدينا وعي كامل بكل ما هو معتاد من المشاهد، والأصوات، والمشاعر، والأفكار، دون الشعور بكوننا ذاتا تتلقى هذه الأصوات وتفكر هذه الأفكار. لا يتعارض هذا على الإطلاق مع علم الأعصاب الحديث؛ فقد عثر على منطقة من الدماغ تعرف باسم شبكة النمط الافتراضي يعتقد العلماء أنها تسهم في إحساسنا بأنفسنا، ووجد أن هذه المنطقة تقمع أثناء ممارسة التأمل.
1
وثمة طرق أخرى لإيقاف الشعور بالذات. فمن المعروف أن عقاقير الهلوسة - مثل إل إس دي، والكتامين، والسيلوسيبين - تهدئ دائرة في الدماغ تربط بين التلفيف المجاور للحصين وبين القشرة المخية خلف الشبكية في شبكة النمط الافتراضي، وهو ما يفسر سبب وصف الناس لفقدانهم ذاتهم أثناء كونهم تحت تأثير هذه العقاقير.
2
يدرس العلماء تجارب الناس مع عقاقير الهلوسة ونشاط الدماغ المرتبط بها من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. بينما يكون المشاركون تحت تأثير هذه العقاقير، فإنهم يخبرون تجارب تتراوح بين «الطفو والشعور بالسلام الداخلي، إلى الاختلالات في الوقت والاقتناع بأن الذات تتفكك».
Неизвестная страница
3
يفترض الكثير من الناس أن الوعي وتجربة الذات متلازمان دائما، ولكن من الواضح أنه في تلك اللحظات التي يفيد فيها الناس بالانفصال عن الذات، يظل الوعي حاضرا بالكامل. وكما يوضح مايكل بولان في كتابه «كيف تغير عقلك» عن نتائج البحث العلمي على عقاقير الهلوسة:
كلما زاد الانخفاض في تدفق الدم واستهلاك الأكسجين في شبكة النمط الافتراضي، زاد احتمال قيام المتطوع بالإفادة بفقدان الإحساس بالذات. ... تشير تجربة عقاقير الهلوسة ل «عدم الازدواجية» إلى أن الوعي ينجو من اختفاء الذات، وأن الذات ليست لا غنى عنها بقدر ما نرغب - وبقدر ما ترغب هي نفسها - في الاعتقاد.
4
تعمل عقاقير الهلوسة أيضا على كبح التواصل بين الخلايا العصبية في مناطق أخرى خارج شبكة النمط الافتراضي، مما يجعل النشاط في المخ أقل انفصالا بشكل عام. يناقش إرين برودوين، وهو صحفي في مجال العلوم، أبحاث روبين كارهارت-هاريس، الذي يجري دراسات التصوير في إمبريال كوليدج لندن حول تأثير عقار الهلوسة إل إس دي على الدماغ:
يقول كارهارت-هاريس: «إن انفصال هذه الشبكات يتداعى، وبدلا من ذلك ترى دماغا أكثر تكاملا أو توحدا». قد يساعد هذا التغيير في تفسير سبب إنتاج العقار [إل إس دي] لحالة مغايرة من الوعي أيضا . ... يبدو أن الحواجز بين الشعور بالذات والشعور بالتواصل مع البيئة الشخصية تذوب.
5
ومن المثير للاهتمام أن أحد الأسباب التي تجعل الأشخاص الذين يتناولون عقاقير هلوسة يكونون في مثل هذه الحالات المغايرة؛ هو أن هذه الفئة من العقاقير يمكنها أيضا تعطيل عمليات الربط. ويبدو من المحتمل أن هذا أيضا يسهم في إيقاف شعور المرء بأنه ذات، متمايزة ومنفصلة عن العالم. يشير بولان إلى أن «إحساسنا بالفردية والانفصالية يعتمد على ذات لها حدود وترسيم واضح للحدود بين ما هو نحن وبقية العالم. ولكن كل ذلك قد يكون بناء عقليا، أو نوعا من الوهم».
6
يصف برودوين تجربة أحد المشاركين في دراسة في جامعة جونز هوبكنز حول الآثار العلاجية لسيلوسيبين على المرضى الذين يعانون السرطان والقلق المرتبط به قائلا: «لبضع ساعات، يتذكر الشعور بالراحة؛ كان مستريحا، ويشعر بالفضول، ويقظا في الوقت نفسه. ... ولكن الأهم من كل شيء أنه لم يعد يشعر بالوحدة. لقد قال: «إن مفهوم «أنت» بأكمله يتحول بشكل ما إلى حضور خارج إطار الزمان وبلا شكل محدد»».
Неизвестная страница
7
على الرغم من أنه قد يكون من المستحيل على شخص لم يختبر شيئا كهذا أن يتخيله، فإن الوعي يمكنه أن يستمر من دون شعور المرء بأنه ذات، وحتى في غياب التفكير. يشير الصحفي والكاتب مايكل هاريس إلى أن هذا يرجع جزئيا إلى تلك القدرة على التداخل مع إحساس المرء بذاته وهو الإحساس الذي نعرف أنه بناء:
إذا كان من الممكن العبث بتمايز الذات الجسدية بواسطة وسائل ميكانيكية [عقاقير الهلوسة، أو سكتة دماغية، أو اضطراب عصبي]، فعلينا حينئذ أن نبدأ في قبول أن الذات الجسدية - ذلك الشعور بأننا كائنات كاملة ومصونة - لا ترجع إلى وجود روح مميزة، أو «أنا»، موجودة داخل أدمغتنا.
8
فكما ذكرنا من قبل، يمكن التغلب على المفهوم النمطي ل «الذات» - إلى جانب مفاهيم خاطئة أخرى عن الخبرات اليومية - من خلال التدريب على التأمل، الذي أصبح الآن مفهوما على نحو أفضل على مستوى الدماغ. لآلاف السنين، استخدمت التقاليد التأملية الشرقية التأمل أساسا تجريبيا لدراسة طبيعة الوعي، وعلى الرغم من أن العلوم الغربية متأخرة نسبيا عن هذه الأساليب للاستبطان، يجري البحث الآن من قبل علماء الأعصاب عن الآثار المحددة للتأمل على العقل والدماغ. نأمل أن تؤدي هذا الأبحاث إلى اكتشافات جديدة حول كيفية تدريب انتباهنا بطرق منهجية يمكن أن توفر فهما أفضل للوعي وعلم النفس البشري. وعلى أقل تقدير، تؤكد هذه الأبحاث أنه يمكن امتلاك رؤى قيمة من خلال أدوات تحقيق ذاتية. يصف العالم البوذي أندرو أولنسكي الطبيعة الوهمية للذات التي يمكن الكشف عنها من خلال التأمل قائلا:
مثل تسطح الأرض أو صلابة المائدة، لها [أي فكرة الذات] فائدة على مستوى معين - اجتماعيا، لغويا، قانونيا - لكنها تنهار تماما عندما يتم فحصها بتمحيص دقيق.
9
لكن بغض النظر عما إذا كان يمكن للمرء كسر وهم الذات أم لا، فمن الواضح أن ثمة الكثير مما يتم إدراكه في أي تجربة واعية معينة؛ بداية من شخص في حالة واعية في أدنى شكل ممكن إلى شخص يقود طائرة. والشيء الوحيد الذي يمكننا أن نقوله بثقة - بغض النظر عما يتم إدراكه - هو أنه إما أن الوعي موجود أو غير موجود. إنه إما يشبه شيئا أو لا.
وكما تفكرنا في اللحظة التي ظهرت فيها التجربة الواعية للمرة الأولى في جنين ينمو، يمكننا أن نتساءل عن اللحظات الأخيرة للوعي في نهاية الحياة. أخبرني صديق لي مؤخرا عن قضاء بعض الوقت مع جده، الذي كان يموت ببطء بسبب مرض قلبي. لقد وصف تدهور حالة جده على مدار عدة أشهر والتجربة المدمرة المتمثلة في مشاهدة شخص يعرفه جيدا ويحبه كثيرا يتغير بشكل كبير. كان أول ما اختفى لدى جده هو التنظيم العاطفي والسيطرة على اندفاعه، بسبب الأضرار التي تحدث في قشرة الفص الجبهي على الأرجح. لم يعد جده يخفي عواطفه المتذبذبة؛ فقد كان يعلن فجأة للجميع كافة المشاعر التي يحس بها؛ الفرح، والإحباط، والشهوة، والغضب. وبعد ذلك، بدأت ذاكرته في التدهور، مما جعل استمرارية شخصيته أقل استقرارا. وفي نهاية المطاف، فقد القدرة على الكلام والمشي . وفي مرحلة ما، وجد صديقي نفسه يتساءل، مثلما يفعل كثيرون في مثل هذه الحالات، متى لن يعود جده «موجودا» حقا؟ متى سيكف عن أن يكون «نفسه»، وأكثر من ذلك، متى سيتلاشى وعيه تماما؟ ومع جلوسه صامتا في غرفة ليس بها شخصية يمكن التعرف عليها، ومع ضياع معظم ذكرياته، ظل الجد يبدو لصديقي أنه يختبر «شيئا ما». فحتى لو كان المتبقي هو أدنى أثر للإدراك، فإن الوعي يكون موجودا بوضوح في شكل ما، حتى اللحظة الأخيرة لوجوده. وهذا الحد الأدنى من الإدراك - مهما كان شكله قبل أن تنطفئ الأنوار تماما - قد يكون مختلفا تماما عن تجربتنا البشرية المألوفة.
عندما طلب منا توماس ناجيل أن نتخيل ماذا يشبه أن نكون خفاشا، فإنه يشير إلى أننا نعرف بالفعل أن ثمة حالات للوعي مختلفة تماما عن حالاتنا. فالطيران في الهواء باستخدام نظام استشعار الصدى لا بد أنه شعور مختلف تماما عن الشعور بالسير على الرصيف باستخدام البصر. وتقدم الدراسة المذهلة ذات الصلة التي أجريت على استبدال الحواس - حيث تمكن العلماء من إعطاء أشخاص مكفوفين وصم طرقا جديدة لإدراك ما يراه ويسمعه معظمنا - أدلة على وجود مجموعة واسعة من الخبرات المحتملة في الدماغ. على سبيل المثال، من خلال أداة تسمى منفذ الدماغ - وهي شبكة صغيرة توضع على اللسان وتحول تغذية فيديو إلى صدمات كهربائية صغيرة - يمكن للمخ أن يبدأ في تعلم ترجمة الإشارات الكهربائية التي تصل إلى اللسان. وباستخدام هذه التكنولوجيا، يمكن للمكفوفين في نهاية المطاف إنجاز مهام مثل رمي الكرة بدقة في سلة، والتنقل عبر مسار به عقبات.
Неизвестная страница
10
من الواضح أن استخدام منفذ الدماغ مرتبط باستخدام الرؤية للمناورة في جميع أنحاء العالم المادي، ولكن من المؤكد أن طبيعة الخبرة الفعلية مختلفة تماما عن الرؤية بأعيننا. ثمة مصطلح رائع، وهو «البيئة الحسية»، قدمه لنا عالم الأحياء جاكوب فون أوكسكول في عام 1909، لوصف خبرة حيوان معين، على أساس الحواس المستخدمة من قبل هذا الكائن الحي للتنقل في بيئته. الخفافيش لها بيئة حسية معينة، وللنحل بيئة حسية أخرى، وللبشر بيئة حسية ثالثة، وشخص يستخدم تكنولوجيا مثل منفذ الدماغ يختبر بيئة حسية مختلفة أيضا.
يشارك ديفيد إيجلمان في أبحاث تستكشف إمكانيات توسيع البيئة الحسية للبشر لتشمل المعلومات التي لا نستطيع الوصول إليها حاليا من خلال حواسنا الخمس. يوضح ديفيد إيجلمان أن الدماغ «لا يهتم بكيفية حصوله على المعلومات، ما دام قد حصل عليها».
11
في مؤتمر تيد لعام 2015، وصف إيجلمان النتائج المستقبلية المحتملة لاستبدال الحواس، التي بموجبها يتم إنشاء «حواس جديدة» للأشخاص:
لا توجد في الأفق نهاية حقا لإمكانيات التوسع البشري. فقط تخيل أن يكون رائد فضاء قادرا على الشعور بالصحة العامة لمحطة الفضاء الدولية أو - بالأحرى - أن تشعر بالحالات غير المرئية لصحتك الشخصية؛ مثل مستوى السكر بالدم وحالة الميكروبيوم الخاص بك، أو رؤية ما حولك بنطاق 360 درجة، أو الرؤية باستخدام الأشعة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية.
12
نحن نعلم في الحقيقة أن الدماغ البشري - في ظل ظروف مناسبة - يمكنه دمج الأشياء الغريبة بسلاسة في خريطته لما يشكل جسده. ووهم اليد المطاطية مثال على كيفية إدراج شيء خارجي في تصور الفرد للذات عند استيفاء شروط معينة. في التجربة الأصلية، يجلس المشارك واضعا يده الحقيقية أسفل طاولة، بينما توضع يد مطاطية على الطاولة في مكان يده الأصلية. وعندما يقوم القائم بالتجربة بحك اليد الحقيقية للمشارك واليد المطاطية في الوقت نفسه باستخدام فرشاة، يبدأ المشارك في الشعور بأن اليد المطاطية التي يراها على الطاولة هي يده. وقد أجريت تجربة وهم اليد المطاطية فيما بعد بأشكال مختلفة باستخدام تقنية الواقع الافتراضي. في واحدة من هذه التجارب، التي أجراها عالم الأعصاب أنيل سيث وفريقه في جامعة ساسكس، ترتدي المشاركة نظارات الواقع الافتراضي، وتختبر عالما افتراضيا تمتلك فيه يدا افتراضية. أحيانا يتسبب القائمون بالتجربة في وميض اليد باللون الأحمر بشكل متزامن مع دقات قلب المشاركة، وأحيانا بشكل غير متزامن. وكما يمكن أن نتوقع، يكون لدى المشاركة شعور أكبر بملكية اليد الافتراضية عندما يكون الوميض متزامنا مع دقات قلبها.
13
يشير سيث إلى خبراتنا بأنفسنا في العالم على أنها نوع من «الهلوسة المحكومة». وهو يصف الدماغ بأنه «محرك تنبؤ» ويوضح أن «ما ندركه هو أفضل تخمين لما هو موجود في العالم». إنه يقول بمعنى ما: «إننا نخرج أنفسنا إلى حيز الوجود من خلال التنبؤ.»
Неизвестная страница
14
تعد ظاهرة «الانقسام الدماغي» أيضا ظاهرة مفيدة هنا؛ حيث تلقي الضوء على كل من مرونة الوعي ومفهوم الذات. كثير من الناس صاروا الآن يعرفون بشأن الأبحاث الرائعة التي أجراها روجر سبيري ومايكل جازانيجا في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، ابتداء من ستينيات القرن العشرين، على مرضى الصرع الذين خضعوا لجراحة قطع الجسم الثفني. وهذا إجراء جراحي يتم فيه قطع الجسم الثفني؛ إما جزئيا أو كليا، مما يفصل الروابط بين نصفي الدماغ الأيمن والأيسر في محاولة لمنع نوبات الصرع من الانتشار. وعلى الرغم من أن مرضى انقسام الدماغ لم يتغيروا بشكل مفاجئ بسبب إجراء الجراحة، فإن الأبحاث التي أجريت عليهم كشفت عن حقيقة غريبة ومناقضة للبديهة تشكك في العديد من افتراضاتنا حول سيولة الوعي وحدوده.
في التجارب التي أجريت على الأشخاص الذين خضعوا لجراحة انقسام الدماغ، يمكن تقديم المعلومات بشكل منفصل لكل من نصفي الدماغ من خلال الرؤية (في شكل صور، أو لغة مكتوبة، أو ما إلى ذلك)؛ لأن مجال الرؤية الأيمن يعرض على نصف الدماغ الأيسر، والعكس صحيح. في الشخص الطبيعي، تتم مشاركة المعلومات الواردة من أي مجال رؤية مع نصف الدماغ المقابل من خلال الجسم الثفني. أما في حالة مرضى انقسام الدماغ، فيتم استقبال التحفيز البصري لكل مجال من جانب واحد فقط من الدماغ. والشيء نفسه ينطبق على المحفزات المقدمة لكل أذن، وكذلك بالنسبة إلى معظم المعلومات الواردة من أيدي المرضى؛ في أغلب الأحيان، تصل مستقبلات اللمس من كل يد إلى نصف الدماغ المقابل، وحركة كل يد يسيطر عليها أيضا نصف الدماغ المقابل. في الواقع، بعد العملية الجراحية، يمكن لمرضى انقسام الدماغ أن يختبروا شيئا يسمى «تنافس نصفي الدماغ»؛ حيث نراهم يحاولون القيام بسلوكيات متعارضة بأيديهم اليسرى واليمنى في معركة مربكة - مثل محاولة إقفال أزرار قميصهم بيد بينما اليد الأخرى تحاول فك هذه الأزرار، أو محاولة عناق الزوج بذراع بينما الذراع الأخرى تدفع هذا الزوج بعيدا، أو فتح الباب بيد وإغلاقه باليد الأخرى في الوقت نفسه.
15
شكل 5-1: دراسة انقسام الدماغ.
طور علماء الأعصاب مجموعة متنوعة من الأساليب الإبداعية لتلقي الاتصالات من نصفي الدماغ لمرضى انقسام الدماغ، وكشفوا عن جوانب مذهلة أخرى لهذه الحالة. في الغالبية العظمى من الناس، يكون نصف الدماغ الأيسر هو المسئول عن التعبير عن اللغة من خلال الكلام والكتابة، في حين يكون النصف الأيمن أصم؛ غير أن نصف الدماغ الأيمن قادر على التواصل من خلال الإيماء والإشارة باليد اليسرى (والغناء، في بعض الحالات).
16
إذا أعطينا عملة معدنية لأحد مرضى انقسام الدماغ لكي يمسكها في يده اليسرى دون أن يتمكن من رؤيتها، فإن نصف الدماغ الأيمن فقط هو الذي سيكون مدركا لذلك. وإذا سألنا المريض عما يمسك به، فإنه يرد بأنه لا فكرة لديه؛ لأن نصف الدماغ الأيسر (الذي يملك القدرة على التواصل لفظيا) ليس لديه وعي بالعملة المعدنية. ولكن إذا طلب من المريض الإشارة إلى صورة للشيء الذي أعطي له، فإن يده اليسرى (التي يتحكم فيها نصف الدماغ الأيمن، والذي يعرف بأمر العملة المعدنية) سوف تشير بشكل صحيح إلى صورة العملة المعدنية. وبالمثل، إذا عرضنا كلمة «مفتاح» في نطاق حقل الرؤية الأيسر للمريض، وسألناه عن الكلمة التي يراها، فسوف يفيد بأنه لا يرى شيئا؛ حيث إن نصف دماغه الأيسر الذي يستطيع الكلام لا يرى الكلمة. ولكن إذا طلبنا من المريض التقاط الشيء المطابق للكلمة التي تظهر على الشاشة، فسوف يمد يده اليسرى (التي يتحكم بها نصف الدماغ الأيمن، الذي يرى الكلمة) ويلتقط المفتاح (الشكل
5-1 ). يمكن تكرار هذا النوع من التجارب بعدة طرق متنوعة، والحصول على النتائج نفسها مرارا وتكرارا. في الواقع، يفيد مرضى انقسام الدماغ أحيانا (عبر نصف الدماغ الأيسر القادر على النطق) أن يدهم اليسرى تتصرف من تلقاء نفسها - بإغلاق الكتاب الذي يقرءونه على سبيل المثال - وذلك تأكيد على أنهم غير مدركين رغبات ونوايا نصف الدماغ الأيمن.
وما أثار دهشة علماء الأعصاب الأوائل الذين أجروا مثل هذه التجارب (ودهشة بقيتنا أيضا!)، أن الشخص نفسه يمكن أن يكون لديه إجابتان مختلفتان عن سؤال واحد، إلى جانب رغبات وآراء مختلفة تماما بشكل عام. والأكثر إثارة للدهشة هو اكتشاف أن مشاعر وآراء كل من نصفي الدماغ تبدو كأنها خبرة خاصة به وغير معروفة للنصف الآخر. إن إحدى «ذاتي» المريض المصاب بانقسام الدماغ تندهش من آراء ورغبات الذات الأخرى، بنفس قدر دهشة شخص آخر تماما. إن معرفة ما إذا كانت كلتا وجهتي النظر لدى مرضى انقسام الدماغ واعية أم لا، لهو أمر صعب إن لم يكن مستحيلا، ولكن ليس لدينا سبب للشك في أن ثمة تجربة مرتبطة بأفكار ورغبات كل نصف من نصفي الدماغ، ويعتقد أغلب علماء الأعصاب أن كلا نصفي الدماغ واع في واقع الأمر. وكما يوضح عالم الأعصاب كريستوف كوتش، من معهد ألين لعلوم الدماغ، «فنظرا إلى أن كلا من نصفي الدماغ الناطق والأصم يقوم بسلوكيات معقدة ومخطط لها، فإن كلا النصفين له تصورات واعية، على الرغم من أن طابع ومضمون مشاعرهما قد لا يكونان هما نفسها.»
Неизвестная страница