الهجرة الأولى إلى الحبشة
أمر الرسول الصحابة بالهجرة إلى الحبشة، أي أنهم هاجروا من أرض كافرة إلى أرض هي أيضًا كذلك، إلا أن المسلم يفر من الأرض لأسباب ثلاثة، قال الإمام الشافعي: سافر تجد عوضًا عمن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب والتبر كالترب ملقى في أماكنه والعود في أرضه نوع من الحطب أي أن عود البخور في أرضه يسمى عودًا، لكنه حين يجلب إلى العطار يسمى بخور، والمياه عندما تقف في مكانها تكون راكدة لكنها حين تجري تكون طيبة، فالإمام الشافعي يشبه موضوع السفر، فيقول: سافر تجد عوضًا عمن تفارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب فالسفر يكون لثلاثة أسباب: إما سعيًا وراء العلم، وممن جسد ذلك من الأئمة الليث بن سعد، فقد ظل يبحث في الأحاديث فاستشكل حديثًا فأخذ يسأل عن الذي رواه؟ فقيل: تلميذ الأشتر النخعي أستاذ أبي حنيفة فقال: أين أجده؟ فقيل: في نجد، فأخذ الراحلة وذهب إلى نجد، وأخذ يسأل أين فلان؟ فقيل: هذه ناقته تجري وجرى وراءها، فلما أدرك الرجل وجده قد ثنى ثوبه يدعو ناقته إلى حجره، فقال له: أفي حجرك شيء؟ قال له: لا، وإنما أوهم الناقة لتأتي، فقال: تكذب على الناقة، حري بك أن تكذب على رسول الله، أنا لست بحاجة إلى حديثك، فرجع إلى مصر مرة أخرى.
ومن الأخطاء الفادحة ما يصنعه الآباء والأمهات من استسهال الكذب على الأطفال، ومواعدتهم بالمواعيد الكاذبة، فيعد أحدهم الطفل بأنه سيعطيه كذا، أو يشتري له كذا، وهو غير عازم حتى على إعطائه أو الشراء له، كل ذلك وهو غافل عن أن الله يكتب كل ذلك كذبًا عليه.
سمع الرسول ﷺ امرأة وهي تدعو ابنها وتقول له: تعال أعطيك، فقال لها: (في يدك شيء؟ قالت له: لا، قال: لو لم يكن في يدك شيء لكتبت عليك كذبة)، فلو قلت لابنك: تعال أعطيك، أو: تذهب إلى المدرسة وأعطيك جنيهًا، وأنت لا تريد أن تعطيه فأنت كذاب، وما يزال الرجل يتعود الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا كما ثبت في الحديث.
كما أن الكذاب معرض لمصيبة أخرى، فلو أن كل كذبة قيلت في البلد تنسب إليه حتى وإن لم يكن قالها، فكلما كذبت كذبة قيل: فلان هو الذي قالها.
يذكر أن رجلًا كان يحدث صاحبه فقال له: انظر لا يوجد شيء غريب في الحياة؟ إن أبي يرحمه الله كان يصلي المغرب على شاطئ النيل، فمرت سمكة طويلة، ظلت تمر حتى نام وقام يصلي الفجر ولم يمر ذيلها بعد.
فسكت صاحبه برهة ثم قال له: أما أنا فإن أبي يرحمه الله ذهب إلى الحداد وطلب منه أن يصنع له قدرًا قطره ثلاثين مترًا -مثل الجامع- فقال الأول: يا لكذبك يا أخي، وهل هناك قدر قطره ثلاثين مترًا؟ فأجابه: وأين ستطبخ سمكة أبيك.
وما ينبغي على المسلم هو أن يتحرى الصدق، فالصدق منجاة، ومن الخطأ أن تتوقع أن الكذب سينجيك، ذكر الإمام الغزالي أن رجلًا فر من أعدائه فوجد رجلًا يفتل الليف ويصنع منها الحبال، فقال له أخفني عندك، فقال له: لماذا؟ قال: هناك جماعة يجرون خلفي، فقال له: ادخل تحت كومة الليف هذه، فدخل تحت كومة الليف، فجاء الذين يجرون خلفه، فسألوه أرأيت رجلًا يمر من هنا؟ فقال لهم: نعم، ثم أخذوا يعددون أوصافه وهو يقول: نعم، ثم قال لهم: هو تحت كومة الليف هذه، فظنوا أنه يكذب عليهم واستبعدوا أن يكون متخفيًا تحت كومة الليف فتركوه وذهبوا، فلما ذهبوا خرج الرجل من كومة الليف وأمسك بعنق صاحب الليف وقال، أما قلت لك أن تخفيني؟ فقال له: اسكت إن الصدق قد أنجاك، لأنه قال لهم: أنا لم أره، سيحرصون على أن يبحثوا عنه تحت كومة الليف.
تقدم أن السفر يكون لأسباب ثلاثة: إما سفر للعلم أو سفر للسعي على الرزق: فإذا رأيت أن الرزق ضيق في بلد أسافر إلى بلد آخر، لكن المهم أن لا يغير المال من أخلاقي، وأن تكون النية صادقة لله: أوسع على أولادي ولا أنسى حق الله ﷿، ولذلك قال: يا ثعلبة! قليل تشكره خير من كثير لا تطيقه.
وقيل أيضًا: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
وقيل أيضًا: قليل يكفيك خير من كثير يطغيك، لأن القليل الذي يكفيك وتكون شاكرًا أفضل من الكثير.
لأنك لو كان لديك مائة جنيه وأخرجت منها عشرين جنيهًا لله، وآخر لديه مليون جنيه وأخرج عشرين ألفًا، فالأول أنفق الخمس من ماله، والثاني أنفق واحدًا من أربعين، فسبق درهم درهمين.
ويكون السفر كذلك للفرار بالدين: فعندما تجد بلدًا يعصى الله فيه وترتكب الفواحش ولا يوجد فيه أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر ولا مجالس علم ولا بيوت آمنة، حينها لك أن تهاجر إلى بلد تشعر فيها بالأمن والأمان.
ومن النوع الثالث كان فرار الصحابة وسفرهم رضوان الله عليهم إلى الحبشة وكان على رأس المهاجرين عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله، وجعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله، وغيرهم.
12 / 17