Писатели арабов в эпоху невежества и раннего ислама
أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام
Жанры
سفينة جارية في نهر دجلة، وجمجمتها بالسندان، وطرف الجمجمة بالمبرد في دقته وصلابته، وخدها بقرطاس الرجل الشآمي في انملاسه، ومشفرها بالجلد اليماني في لينه، وعينيها في صفائهما وبريقهما بالمرآة وبالماء في نقرة صخر، وحجاجيها
44
وغئور عينيها فيهما بكهفين أي مغارتين. ثم شبه عينيها في حسنهما بعيني بقرة وحشية مذعورة لها ولد، وأذنيها في تيقظهما بأذني ثور وحشي منفرد كثير الحذر، وقلبها في صلابته بمرداة - أي صخرة - تكسر بها الصخور، وشبه ما يحيط به من الأضلاع بحجارة عريضة محكمة.
ولا يخفى ما في هذا القسم من الفوائد التاريخية عن العصر الجاهلي. (2-7) حياته وشاعريته
وبعد أن يتم وصف ناقته وتصويرها يفرغ إلى نفسه فيصف معيشته في السلم والحرب، فإذا هو يحب اللهو والعبث كما يحب الحرب، وإغاثة الملهوف، وإذا هو مبذر يكره جمع المال ؛ لأن الموت لا يفرق بين الكريم والبخيل، والكريم خير من البخيل، وفي هذا القسم يطلعنا على آرائه في الحياة والموت، وعلى اضطهاد عشيرته له، وعلى غير ذلك مما يتعلق بحياته. وهو أهم أقسام المعلقة؛ لأن به تظهر خصائص الشاعر تمام الظهور. فلا خولة طرفة ولا ناقته تجذبه إلينا أو تجذبنا إليه، فليس في نسيبه ما يغري به ويستخف القلوب، وليس في وصف «عوجائه المرقال» ما يجمع روحنا بروحه ويربط دنيانا بدنياه، وإن كان أدق واصف لها بشهادة المتقدمين والمتأخرين. وإنما طرفة بنفسه دون غيره، بلهوه ومرحه، بفخره واعتداده، بتشكيه وتظلمه، يحملنا إليه أو يحمل ذاته إلينا، فنحس بإحساسه، نأسى لألمه، ونبتهج لحماسته، ونضحك لسروره. فحياته في شعره لها أثر قوي في توجيه هذا الشعر، وضم روحه إلى أرواح قرائه. وإذا لم يكن فيه ما في شعر امرئ القيس من انطلاق النفس، وعمق التصور، وتلوين الخيال المتحرك، فإن فيه من صدق الشعور، وفطرة النفس، وبساطة التعبير ما يفيض عليه الجمال ويضمن تقريبه إلى القلوب.
والشعور الصادق عامل رئيس للفن، يبعث النشاط في النفس، ويحبو الجمال عنصر الحياة. وكل عمل فني فاته الشعور لا يستحق أن يعد من أبناء الحياة، وليست النشوة التي تحدثها حياة الفن إلا ائتلافا موسيقيا بين الشعور والخيال والإدراك، تتولى الألفاظ إخراجه في الشعر كما تتولى إخراجه في الموسيقى والرسم، والأوتار والألوان.
وكان طرفة في حياته قطعة موسيقية ائتلفت بها عناصر الحس والخيال والفكر، فانتظمت وحدة كلية على غير تكافؤ، لما للشعور من سيادة وسلطان، وجاء شعره صورة عن حياته في اتحاد هذه القوى النفسية، وسيطرة الإحساس عليها جميعا. وما هذه الحماسة التي ترافق شعره، في الدفاع عن نفسه وعن آرائه، إلا وليدة إحساسه القوي لكل ما يتصوره ويفكر فيه. يندفع بإيمان ثابت، وعناد متصلب، وإن كان على خطإ في ما يرمي إليه.
وطرفة ربيب البحرين شهد من الحضارة والعمران ما لا يشهده ساكن الخيام في بوادي نجد والحجاز، ونشأ يتيما لا يد فوقه تقوم على تأديبه، إلا يد أمه ولم تكن قاسية عليه، ووجد في حوزته مالا وافرا، فراح يختلف إلى الحوانيت وهو في العشرين أو دون العشرين، يصحب الندمان، ويشرب الخمر، ويعاشر القيان، حتى أنفق ما لديه وأفلس، فخلعته عشيرته، وأوسعته لوما وإهانة، وكان أقرب الناس إليه - أخوه وابن عمه - أشدهم وقيعة به. فتألمت نفسه الفتية، وأبت أن تصبر على الضيم في أنفتها، وشدة إحساسها، فتفجرت منها ينابيع الشعر ثائرة على الظلم، ساخطة على الأقرباء، مستهينة بالموت والحياة. وليس للشاعر غير فنه يسكن به آلامه، ويبث شكايته، ويرد عن نفسه، فاندفع طرفة يسفه أقوال لائميه، ويبدي لهم صلاح أعماله، وفساد آرائهم، في شيء غير قليل من القحة والعناد والزراية والتحدي.، وبنى أحكامه على الخلود والفناء، فما دام الإنسان مائتا على كل حال، ولا خلود في هذه الدنيا لحي؛ فلماذا لا يبادر الفتى منيته بماله وملذاته؟ تلك الملذات التي يختصرها في ثلاثة أشياء: الحرب والخمر والنساء.
فهذا الدفاع الحار بحجج يسيطر فيها الشعور على الفكر، هو الذي يحبب شعر طرفة إلينا، وما شعره إلا صورة لحياته الهائجة المضطربة، تللك الحياة التي ينكرها عليه أهلوه ويضطهدونه من أجلها، ويراها، مع ما لقي بسببها من إفلاس وطرد وشقاء، مثلا أعلى لا يسمو إليه إلا كل فتى كريم، يجمع الشرف والنجدة واللهو والغزل.
وقوة الشعور عنده تكاد تجعلنا لا نشعر بسذاجة الآراء التي يبنيها على الموت والحياة؛ لأنه لم يقف فيها موقف الخطيب الواعظ، أو الرجل الحكيم المصلح؛ بل جاء بها مدافعا عن نفسه، يحسها كأنها بعض روحه، بما فيها من تدافع الحزن والألم وعزة النفس والأنفة، وحباها بكل ما في الشباب من نشاط وحياة، وزادتها جمالا بساطة التعبير عن خوالج النفس دون أي تكلف، وفطرة صريحة يحلو بها الشعر الجاهلي، ويستقل بنفسه عن الأدب العربي. فطرفة لا يجنح في تعابيره إلى الصيغ المجازية البعيدة، ولا إلى الصور الخيالية العميقة، وإنما يتدفق شعوره بالألفاظ التي تبعثها النفس على سجيتها ، سهلة حينا، خشنة أحيانا، فيها من الفن ما يكفي لنقل الحالة التي يحسها الشاعر ويتصورها، وإن يكن هذا الفن يحتاج إلى تهذيب بعض الأحيان، ولا سيما المواطن التي لا يتدفق منها الشعور.
Неизвестная страница