Великий суд
القيامة الكبرى
Издатель
دار النفائس للنشر والتوزيع
Номер издания
السادسة
Год публикации
١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م
Место издания
الأردن
Жанры
التعريفُ بالقيَامة الكبرى
سيأتي يوم يبيد الحيُّ القيوم فيه الحياة والأحياء، مصداقًا لقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ - وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: ٢٦- ٢٧]، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص: ٨٨]، ثم يأتي وقت يعيد الله العباد ويبعثهم، فيوقفهم بين يديه ويحاسبهم على ما قدموه من أعمال، وسيلاقي العباد في هذا اليوم شيئًا عظيمًا من الأهوال، ولا ينجو من تلك الأهوال إلا من أعدَّ لذلك اليوم عدته من الإيمان والعمل الصالح، ويساق العباد في ختام ذلك اليوم إلى دار القرار: الجنة أو النار.
هذا اليوم هو يوم القيامة.
1 / 17
الفصل الأول أسمَاء يَوم القيَامَة
سمى الله ذلك اليوم الذي يحل فيه الدمار بهذا العالم، ثم يعقبه فيه البعث والنشور للجزاء والحساب بأسماء كثيرة، وقد اعتنى جمع من أهل العلم بذكر هذه الأسماء، وقد عدها الغزالي والقرطبي فبلغت خمسين اسمًا كما يقول ابن حجر العسقلاني (١) .
وقد ساق القرطبي هذه الأسماء مفسرًا لها، ولكنه أخذ تفسيرها من كتاب (سراج المريدين) لابن العربي، وربما زاد عليه شيئًا ما في الشرح والتفسير (٢) .
وقد عدَّها بعضهم من غير تفسير، منهم ابن نجاح في كتابه «سبيل الخيرات»، وأبو حامد الغزالي في «الإحياء» وابن قتيبة في «عيون الأخبار» (٣) .
وسنقتصر في هذا الحديث على ذكر أشهر هذه الأسماء، مع تعريف كل اسم تعريفًا مختصرًا.
_________
(١) فتح الباري: (١١/٣٩٦) .
(٢) التذكرة للقرطبي: ٢٣٣.
(٣) التذكرة: ٢٣٢.
1 / 19
أشهر أسماء ذلك اليوم:
١- يوم القيامة: ورد هذا الاسم في سبعين آية من آيات الكتاب، كقوله تعالى: (اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ) [النساء: ٨٧]، وقوله: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) [الإسراء: ٩٧]، وقوله: (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الشورى: ٤٥] .
والقيامة في اللغة مصدر قام يقوم، ودخلها التأنيث للمبالغة على عادة العرب، وسميت بذلك لما يقوم فيها من الأمور العظام التي بينتها النصوص. ومن ذلك قيام الناس لرب العالمين.
٢- اليوم الآخر: كقوله تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) [البقرة: ١٧٧]، وقال: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة: ٢٣٢]، وقال: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [التوبة: ١٨] .
وأحيانًا يسميه بالآخرة أو الدار الآخرة، كقوله: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [البقرة: ١٣٠] . وقوله: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ) [النساء: ٧٤] . وقوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا
1 / 20
لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) [القصص: ٨٣]، وقوله: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: ٦٤] .
وسمى ذلك اليوم باليوم الآخر، لأنه اليوم الذي لا يوم بعده.
٣- الساعة، قال تعالى: (وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) [الحجر: ٨٥]، وقال: (إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) [طه: ١٥]، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج: ١] .
قال القرطبي: " والساعة كلمة يعبر بها في العربية عن جزء من الزمان غير محدود، وفي العرف على جزء من أربعة وعشرين جزءًا من يوم وليلة، اللذين هما أصل الأزمنة.. وحقيقة الإطلاق فيها أن الساعة بالألف واللام عبارة في الحقيقة عن الوقت الذي أنت فيه، وهو المسمى بالآن، وسميت به القيامة إما لقربها، فإن كل آت قريب. وإما أن تكون سميت بها تنبيهًا على ما فيها من الكائنات العظام التي تصهر الجلود. وقيل: إنما سميت بالساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة.. " (١) .
٤- يوم البعث: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ...) [الحج: ٥]، وقال: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذا يومُ البَعثِ) [الروم: ٥٦] .
_________
(١) التذكرة للقرطبي: ٢١٦.
1 / 21
قال ابن منظور: " البعث: الإحياء من الله تعالى للموتى، وبعث الموتى نشرهم ليوم البعث " (١) .
٥- يوم الخروج: قال تعالى: (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) [ق: ٤٢] وقال: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) [المعارج: ٤٣]، وقال: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ) [الروم: ٢٥] .
سمي بذلك لأن العباد يخرجون فيه من قبورهم عندما ينفخ في الصور.
٦- القارعة: قال تعالى: (الْقَارِعَةُ - مَا الْقَارِعَةُ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) [القارعة: ١-٣] وقال: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ) [الحاقة: ٨] .
قال القرطبي: " سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بأهوالها. يقال: قد أصابتهم قوارع الدهر، أي: أهواله وشدائده، قالت الخنساء:
تعرفني الدهر نهشًا وحزا ××× وأوجعني الدهر قرعًا وغمزا
أرادت أن الدهر بكبريات نوائبه وصغرياتها " (٢) .
٧- يوم الفصل: قال تعالى: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) [الصافات: ٢١] . وقال: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) [المرسلات: ٣٨] . وقال: (إِنَّ يَوْمَ
_________
(١) لسان العرب: مادة: (ب ع ث) (١/٢٣٠) .
(٢) التذكرة للقرطبي: ٢٠٩.
1 / 22
الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) [النبأ: ١٧] .
سمي بذلك لأن الله يفصل فيه بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، وفيما كانوا فيه يختصمون، قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [السجدة: ٢٥] .
٨- يوم الدين: قال تعالى: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ - يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ - وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) [الانفطار: ١٤-١٩] . وقال: (وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ) [الصافات: ٢٠] .
والدين في لغة العرب: الجزاء والحساب. قال الشاعر:
حصادك يومًا ما زرعت وإنما ××× يدان الفتى يومًا كما هو دائن
سمي بذلك لأنه الله يجزي العباد ويحاسبهم في ذلك اليوم.
٩- الصاخة: قال تعالى: (فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ) [عبس: ٣٣] .
قال القرطبي: " قال عكرمة: الصاخة النفخة الأولى " والطامة النفخة الثانية. قال الطبري: أحسبه من صخ فلان فلانًا إذا أصمه. قال ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم، وإنها المسمعة، وهذا من بديع الفصاحة حتى لقد قال بعض أحداث الأسنان حديثي الأزمان:
أصمَّ بك الناعي وإن كنت أسمعا
1 / 23
وقال آخر:
أصمَّني سيرهم أيام فرقتهم ××× فهل سمعتم بسير يورث الصمما
ولعمر الله إن صيحة القيامة مسمعة، تصم عن الدنيا، وتسمع أمور الآخرة " (١) . وقال ابن كثير: " قال البغوي: الصاخّة يعني صيحة يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تصخُّ الأسماع، أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها " (٢) .
١٠- الطامة الكبرى: قال تعالى: (فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) [النازعات: ٣٤] .
سميت بذلك لأنها تطم على كل أمر هائل مفظع، كما قال تعالى: (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) [القمر: ٤٦] .
قال القرطبي: " الطامَّة الغالبة. من قولك: طمَّ الشيء إذا علا وغلب. ولما كانت تغلب كل شيء كان لها هذا الاسم حقيقة دون كل شيء. قال الحسن: الطامة: النفخة الثانية. وقيل: حين يسار أهل النار إلى النار " (٣) .
١١- يوم الحسرة: قال تعالى: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [مريم: ٣٩] .
سمي بذلك لشدة تحسر العباد في ذلك اليوم وتندمهم. أما الكفار فلعدم إيمانهم (حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا
_________
(١) تذكرة القرطبي: ٢٢٧.
(٢) تفسير ابن كثير: (٧/٢١٧) .
(٣) تذكرة القرطبي: ٢٢٧.
1 / 24
فِيهَا) [الأنعام: ٣١]، واستمع إلى تحسر الكفار عندما يحل بهم العذاب: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ - أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الزمر: ٥٦-٥٨] .
وتبلغ الحسرة ذروتها بأهل الكفر عندما يتبرأ السادة والأتباع من متبوعيهم (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة: ١٦٧] .
ويتحسر المؤمنون في ذلك اليوم بسبب عدم استزادتهم من أعمال البر والتقوى.
١٢- الغاشية: قال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية: ١]، سميت بذلك لأنها تغشى الناس بأفزاعها وتغمهم، ومن معانيها أن الكفار تغشاهم النار، وتحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، كما قال تعالى: (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [العنكبوت: ٥٥] . وقال: (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) [الأعراف: ٤١] .
١٣- يوم الخلود: قال تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) [ق: ٣٤] .
سمي ذلك اليوم بيوم الخلود لأن الناس يصيرون إلى دار الخلد، فالكفار
1 / 25
مخلدون في النار، والمؤمنون مخلدون في الجنان، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٣٩]، وقال: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [آل عمران: ١٠٧] .
١٤- يوم الحساب: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: ٢٦] . وقال: (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) [غافر: ٢٧] .
سمي بذلك اليوم بيوم الحساب، لأن الله يحاسب فيه عباده، قال القرطبي:
" معنى الحساب أن الله يعدِّد على الخلق أعمالهم من إحسان وإساءة، ويعدِّد عليهم نعمه، ثم يقابل البعض بالبعض، فما يشف منها على الآخر حكم للمشفوف بحكمه الذي عينه للخير بالخير، وللشرِّ بالشرِّ، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: " ما منكم أحد إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان ".
١٥- الواقعة: قال تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) [الواقعة: ١]، قال ابن كثير: " سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها " (١) . وأصل وقع في لغة العرب كان ووجد.
_________
(١) تفسير ابن كثير: ٦/٥٠٧.
1 / 26
١٦- يوم الوعيد: قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) [ق: ٢٠]، لأنه اليوم الذي أوعد به عباده. وحقيقة الوعيد هو الخبر عن العقوبة عند المخالفة.
١٧- يوم الآزفة: قال تعالى: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) [غافر: ١٨]، سميت بذلك لاقترابها، كما قال تعالى: (أَزِفَتْ الْآزِفَةُ -لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ) [النجم: ٥٧-٥٨] . والساعة قريبة جدًا. وكل آت فهو قريب وإن بَعُد مداه. والساعة بعد ظهور علاماتها أكثر قربًا.
١٨- يوم الجمع: قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ) [الشورى: ٧]، سميت بذلك، لأن الله يجمع فيه الناس جميعًا، كما قال تعالى: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ) [هود: ١٠٣] .
١٩- الحاقة: قال تعالى: (الْحَاقَّةُ - مَا الْحَاقَّةُ) [الحاقة: ١-٢]، سميت بذلك - كما يقول ابن كثير - لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد (١) .
قال البخاري في صحيحه: " هي الحاقة لأن فيها الثواب وحواق الأمور. الحقة والحاقة واحد ". وقال ابن حجر في شرحه لكلام البخاري: " هذا أخذه من كلام الفراء. قال في معاني القرآن. الحاقة: القيامة. سميت بذلك لأن فيها الثواب وحواقّ الأمور. ثم قال: الحقة والحاقة
_________
(١) تفسير ابن كثير: (٧/٩٩) .
1 / 27
كلاهما بمعنى واحد. قال الطبري: سميت الحاقة لأن تحقّ فيها. وهي كقولهم: ليلٌ قائم. وقال غيره: سميت الحاقة لأنها أحقت لقوم الجنة ولقوم النار. وقيل: لأنها تحاقق الكفار الذين خالفوا الأنبياء. يقال: حاققته فحققته، أي: خاصمته فخصمته. وقيل: لأنها حق لا شك فيه " (١) .
٢٠- يوم التلاق: قال تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) [غافر: ١٥] .
قال ابن كثير: " قال ابن عباس: يلتقي فيه آدم وآخر ولده. وقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد. وقال قتادة والسدي وبلال بن سعد وسفيان بن عيينة: يلتقي فيه أهل الأرض والسماء، والخالق والخلق، وقال ميمون بن مهران: يلتقي فيه الظالم والمظلوم. وقد يقال: إن يوم التلاق يشمل هذا كله، ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر كما قاله آخرون " (٢) .
٢١- يوم التناد: قال تعالى حاكيًا نصيحة مؤمن آل فرعون قومه: (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ) [غافر: ٣٢]، سمي بذلك لكثرة ما يحصل من نداء في ذلك اليوم، فكل إنسان يدعى باسمه للحساب والجزاء، وأصحاب الجنة ينادون أصحاب النار، وأصحاب النار ينادون أصحاب الجنة، وأهل الأعراف ينادون هؤلاء وهؤلاء.
٢٢- يوم التغابن: قال تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) [التغابن: ٩] .
_________
(١) فتح الباري: (١١/٣٩٥) .
(٢) تفسير ابن كثير: (٦/١٣٠) .
1 / 28
سمي بذلك لأن أهل الجنة يغبنون أهل النار، إذ يدخل هؤلاء الجنة، فيأخذون ما أعد الله لهم، ويرثون نصيب الكفار من الجنة.
هذه هي أشهر أسماء يوم القيامة، وقد أورد بعض العلماء أسماءً أخرى غير ما ذكرناه، وهذه الأسماء أخذوها بطريق الاشتقاق بما ورد منصوصًا، فقد سموه بيوم الصدر أخذًا من قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا) [الزلزلة: ٦]، ويوم الجدال أخذًا من قوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا) [النحل: ١١١] .
وسموه بأسماء الأوصاف التي وصف الله بها ذلك اليوم، فقالوا من أسمائه: يوم عسير، ويوم عظيم، ويوم مشهود، ويوم عبوس قمطرير، ويوم عقيم.
ومن الأسماء التي ذكروها غير ما تقدم: يوم المآب، يوم العرض، يوم الخافضة الرافعة، يوم القصاص، يوم الجزاء، يوم النفخة، يوم الزلزلة، يوم الراجفة، يوم الناقور، يوم التفرق، يوم الصدع، يوم البعثرة، يوم الندامة، يوم الفرار.
ومنها أيضًا: يوم تبلى السرائر، يوم لا تملك نفسًا لنفس شيئًا، يوم يُدَعُّون إلى نار جهنم دَعّا، يوم تشخص فيه الأبصار، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، يوم لا ينطقون، يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم لا يكتمون الله حديثًا، يوم لا مرد له من الله، يوم لا بيع فيه ولا خلال، يوم لا ريب فيه.
وقد يضيف إليها بعض أهل العلم أسماء أخرى، وقد يسمى الاسم بما يقاربه ويماثله، قال القرطبي: " ولا يمتنع أن تسمى بأسماء غير ما ذكر بحسب الأحوال الكائنة فيه من الازدحام والتضايق واختلاف الأقدام، والخزي،
1 / 29
والهوان، والذل، والافتقار، والصَّغار، والانكسار، ويوم الميقات، والمرصاد، إلى غير ذلك من الأسماء " (١) .
السر في كثرة أسمائه:
يقول القرطبي: " وكل ما عظم شأنه تعددت صفاته، وكثرت أسماؤه، وهذا مهيع كلام العرب، ألا ترى أن السيف لما عظم عندهم موضعه، وتأكد نفعه لديهم وموقعه، جمعوا له خمسمائة اسم، وله نظائر.
فالقيامة لما عظم أمرها، وكثرت أهوالها، سماها الله تعالى في كتابه بأسماء عديدة، ووصفها بأوصاف كثيرة " (٢) .
_________
(١) التذكرة: ٢٣٣.
(٢) التذكرة: ٢١٤.
1 / 30
الفصل الثاني إفنَاء الأحيَاء
المَبحَث الأول
النفخ في الصّور
هذا الكون العجيب الغريب الذي نعيش فيه، يعجُّ بالحياة والأحياء الذين نشاهدهم والذين لا نشاهدهم، وهم فيه في حركة دائبة لا تهدأ ولا تتوقف، وسيبقى حاله كذلك إلى أن يأتي اليوم الذي يُهلك الله فيه جميع الأحياء إلا من يشاء، (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن: ٢٦]، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: ٨٨] .
وعندما يأتي ذلك اليوم ينفخ في الصور، فتُنهي هذه النفخة الحياةَ في الأرض والسماء (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ) [الزمر: ٦٨] .
وهي نفخة هائلة مدمرة، يسمعها المرء فلا يستطيع أن يوصي بشيء، ولا يقدر على العودة إلى أهله وخلانه (مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ - فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ) [يس: ٤٩-٥٠] .
1 / 31
وفي الحديث: " ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا، ورفع ليتًا (١)، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله. قال: فيصعق ويصعق الناس " (٢) .
وقد حدثنا الرسول ﷺ عن سرعة هلاك العباد حين تقوم الساعة، فقال: " ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها " (٣) .
_________
(١) أصغى: أمال: والليت: صفحة العنق.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن: باب خروج الدجال: (٤/٢٢٩٥) ورقمه: ٢٩٤٠.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الفتن، رقم (٧١٢٠)، فتح الباري: (١٣/٨٢) عن أبي هريرة. ورواه في كتاب الرقاق، فتح الباري: (١١/٣٥٢) .
1 / 32
الصّور الذي ينفخ فيه
الصور في لغة العرب القَرْن، وقد سئل الرسول ﷺ عن الصور، ففسره بما تعرفه العرب من كلامها، ففي سنن الترمذي وسنن أبي داود، وسنن ابن حبان، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: " ما الصور؟ قال: الصور قرن ينفخ فيه " (١) قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح.
وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ (الصُوَر)، جمع صورة، وتأوله على أن المراد النفخ في الأجساد لتعاد إليها الأرواح.
ونقل عن أبي عبيدة والكلبي أن (الصُّوْر) بسكون الواو جمع صورة، كما يقال: سور المدينة جمع سورة، والصوف جمع صوفة، وبسر جمع بسرة.
وقالوا: المراد النفخ في الصور وهي الأجساد، لتعاد فيها الأرواح، وما ذكروه خطأ من وجوه:
الأول: أن القراءة التي نسبت إلى الحسن البصري لا تصح نسبتها إلى الأئمة الذين يحتج بقراءتهم.
الثاني: أن (صورة) تجمع على (صُوَر)، ولا تجمع على (صُوْر) كما ادعى
_________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/٦٨)، ورقمه: ١٠٨٠.
1 / 33
أبو عبيدة والكلبي، قال تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر: ٦٤]، ولم يعرف عن أحد من القراء أنه قرأها: فَأَحْسَنَ صُوْركُمْ.
الثالث: أن الكلمات التي ذكروها ليست بجموع، وإنما هي أسماء جموع، يفرق بينها وبين واحدتها بالتاء.
الرابع: أن هذا القول خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فالذي عليه أهل السنة والجماعة أن الصور بوق ينفخ فيه.
الخامس: أن هذا القول مخالف لتفسير الرسول ﷺ، حيث فسره بالبوق، ومخالف للأحاديث الكثيرة الدالة على هذا المعنى.
السادس: أن الله تعالى قال: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر: ٦٨]، فقد أخبر الحق أنه ينفخ في الصور مرتين، ولو كان المراد بالصور النفخ في الصُّوَر التي هي الأبدان لما صح أن يقال: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى)، لأن الأجساد تنفخ فيها الأرواح عند البعث مرة واحدة (١) .
وما ذكره بعض أهل العلم من أن الصور من ياقوتة أو من نور فلا نعلم في ذلك حديثًا صحيحًا، والله أعلم.
_________
(١) راجع في هذه المسألة: تذكرة القرطبي: ١٨٢، ١٨٥. فتح الباري (١١/٣٦٧) . لسان العرب: (٢/٤٩٣) .
1 / 34
النَافخ في الصُّور
قال ابن حجر العسقلاني: " اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل ﵇، ونقل فيه الحليمي الإجماع، ووقع التصريح به في حديث وهب ابن منبه، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه، وكذا في حديث الصور الطويل " (١) .
وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن صاحب الصور مستعد دائمًا للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى، ففي مستدرك الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إن طَرْف صاحب الصور منذ وُكِّل به مستعد ينظر نحو العرش، مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طَرْفه، كأن عينيه كوكبان دُرِّيان " قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي (٢) .
وفي هذا الزمان الذي اقتربت فيه الساعة، أصبح إسرافيل أكثر استعدادًا وتهيؤًا للنفخ في الصور، فقد روى ابن المبارك في الزهد، والترمذي في سننه، وأبو نعيم في الحلية، وأبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: " كيف أنعم، وقد التقم صاحب القرنِ القرنَ، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن
_________
(١) فتح الباري: (١١/٣٦٨) .
(٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/٦٥)، ورقمه: ١٠٧٨.
1 / 35
ينفخ، فينفخ. قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله ربنا " وقال الترمذي: حديث حسن، وقد ذكر الشيخ ناصر رواته من الصحابة وطرقه ومتابعاته وشواهده في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» بما يدلُّ على صحته (١) .
_________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/٦٦)، ورقمه: ١٠٧٩.
1 / 36
اليَوم الذي يكون فيه النفخة
تقوم الساعة في يوم الجمعة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة " (١) .
وفي حديث آخر أخبر الرسول ﷺ أن الساعة تقوم في يوم الجمعة، وفيها يُبعث العباد أيضًا، فعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: " إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصَّعْقَة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ " رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، والبيهقي في «الدعوات الكبير» (٢) . وفي «مسند الطبراني الأوسط»، و«الحلية» لأبي نعيم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " عُرِضَت عليَّ الأيام، فعُرض عليَّ فيها يوم الجمعة، فإذا هي كمرآة بيضاء في وسطها نكتة سوداء، فقلت: ما هذه؟ قيل: الساعة " (٣) .
_________
(١) صحيح مسلم: ٨٥٤.
(٢) مشكاة المصابيح: (١/٤٣٠)، ورقمه: (١٣٦١)، وقال - محقق المشكاة: إسناده عند أبي داود صحيح، وصححه جماعة.
(٣) رمز الشيخ ناصر للحديث بالصحة في صحيح الجامع: (٤/٣١)، ورقمه (٣٨٩٥) وأورد طرقه في سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٤/٥٦٨)، ورقمه: (١٩٣٠) .
1 / 37