Наша культура в противостоянии времени
ثقافتنا في مواجهة العصر
Жанры
ومن هذه النقطة ينتقل رسل إلى التفرقة المنطقية بين نوعين من التسمية: التسمية بواسطة عبارة وصفية، والتسمية باسم علم (بفتح اللام)، ومن قبيل التسمية الأولى أن تقول «مؤلف الأيام»، ومن قبيل التسمية الثانية أن تقول «طه حسين»؛ وليس هنا مكان الإسهاب في أهمية هذه التفرقة، وحسبنا أن نقول إن العبارة الوصفية لا يكون لها معنى إلا وهي في جملة، أما وهي وحدها فلا معنى لها، على خلاف اسم العلم، فمحال من الوجهة المنطقية أن يكون بغير مسمى يشير إليه، ويكون هذا المسمى هو معناه، ولو وجد اسم علم بغير مسماه كان اسما زائفا، لا يجوز قبوله اسما من الأسماء؛ وأظنك إذا عرفت أن نظرية العبارات الوصفية هذه قد تعد من أهم ما أسهم به رسل في المنطق، عرفت بالتالي أنها جديرة بالدراسة الجادة، وقد جاءت لتصحح موقفا غريبا كان قائما، وهو أنه ما دام هناك عبارة وصفية مفهومة فلا بد أن يكون لها مسماها في عالم الواقع؛ مما أدى بالإنسان إلى افتراض وجود كائنات بعدد ما خلقه خياله من عبارات وصفية.
4
ويخرج فيلسوفنا من موجة المنطق الرياضي التي غمرته ثلاثة عشر عاما، ليلفت بصره فورا نحو الطبيعة الخارجية كيف ركبت؟ ويصدر سنة 1914م كتابه «علمنا بالعالم الخارجي» فيبدؤه بتحليل للإدراك الحسي؛ لأنه في رأيه الوسيلة التي نعرف بها ذلك العالم، وأول ما يلفت إليه أنظارنا هو الفارق الفسيح بين الصورة كما تقع في إدراكنا، والصورة كما هي في لغة علماء الطبيعة المحدثين، أو قل الفارق الفسيح بين العقل والمادة؛ فأنت تعلم بالطبع ما إدراكك للمنضدة التي أمامك، فقارن هذه الصورة المدركة بدنيا الإلكترونات والبروتونات وسائر هذه الكائنات الدقيقة التي يقول لنا علم الطبيعة الذرية إن المنضدة هي مجموعة منها.
ويأخذ رسل في التحليل المتقصي لعله يبلغ من الأمر شيئا، فينتهي إلى نظريته في أن العالم كله «أحداث»؛ سواء في ذلك المادة أو العقل، ومن ثم يلتقي عنده العقل والمادة في أنهما معا من هيولى محايدة، لا هي مادة ولا هي عقل، إنما هي مجموعات من أحداث، ترتب على هذا النحو فتكون ما يسمى بمادة، أو ترتب على ذلك النحو فتكون ما يسمى بعقل؛ ولشرح ذلك نقول في إيجاز شديد: افرض أنك وضعت أي عدد شئت من اللوحات الحساسة في نقاط متفرقة من المكان، وأنها جميعا معرضة لأشعة الشمس، فعندئذ ترتسم صورة الشمس على اللوحات الحساسة جميعا، مهما كان موضعها، ما دام الطريق بينها وبين الشمس خاليا من الحوائل؛ فما معنى ذلك؟ معناه أن ثمة نوعا غريبا من «الأحداث» هو حال في نقاط الفضاء، بسبب الشمس، وأن هذه الأحداث إذا ما وقعت على لوحة حساسة تبين وجودها؛ فإذا سألتني بعد هذا: أين مكان الشمس؟ أجبتك بأن لها ثلاثة ضروب من المكان؛ أولها هو المكان الذي تحل فيه الشمس ذاتها، وثانيها هو أي نقطة شئت من نقاط الفضاء لا يحجبها حائل عن الشمس؛ لأن أي نقطة في الفضاء فيها أحداث لها بنية الشمس وصورتها، إذا لم تكن ظاهرة للوهلة الأولى، فهي تظهر لو وضعت في تلك النقطة لوحة حساسة، وثالث الأمكنة هو الذي يحل على اللوحة الحساسة حين ترتسم عليها الشمس؛ وإذا سألتني بعد ذلك: وما حقيقة الشمس بين هذه الظواهر كلها؟ أجبتك بأن حقيقتها هي هذه الظواهر كلها، فاجمع هذه الظواهر كلها وهذه الأحداث كلها؛ تكن لك الشمس كما هي واقعة.
وننتقل بعد ذلك خطوة أخرى فنقول: إن اللوحة الحساسة حين تضعها في أي نقطة شئت من نقاط الفضاء، وحين تلتقط لك من تلك النقطة ما كان حالا فيها من «أحداث» تحمل صورة الشمس، أقول إن تلك اللوحة الحساسة عندئذ لا تعكس صورة الشمس وحدها، بل إنها تعكس كذلك كل ما هو متجمع في مكانها من أحداث، بحيث نرى على سطح اللوحة شمسا وجسوما أخرى ارتسمت صورتها عليها.
فلو تصورنا أن اللوحة الحساسة كائن عضوي حي، لجاز القول - إذن - إن هذا الكائن «يدرك» مختلف الأشياء التي تكون أحداثها متجمعة في النقطة المكانية التي يحل فيها ذلك الكائن؛ وبهذا نصل إلى التفرقة بين ما يسمى ب «مادة» وما يسمى ب «عقل»؛ فمادة الشمس هي حاصل جمع أحداثها الساقطة على أي جهاز حساس - والجهاز العصبي جهاز حساس - مهما يكن مكان تلك الأجهزة وزمانها؛ وأما «العقل» فهو ما يتجمع على جهاز حساس واحد في لحظة بعينها من مختلف الانعكاسات الآتية إليه من هنا وهناك؛ وهكذا ترى أن «الأحداث» هي المادة الخامة التي يتكون منها المادة والعقل معا، وأن الفرق هو في طريقة التجميع والترتيب؛ ومن ثم كان في فلسفة رسل ما يسمى ب «الهيولى المحايدة» التي منها يتكون العقل وتتكون المادة في آن واحد؛ فبعد أن كان الفلاسفة إما ماديين يحولون كل شيء إلى مادة، وإما عقليين يحولون كل شيء إلى فكر، جاء رسل وسبقه على الطريق نفسه وليم جيمس، فأخذ بالهيولى المحايدة التي لا هي مادة بالمفهوم القديم، ولا هي عقل بالمفهوم القديم، لكنها أصل للمادة والعقل معا.
5
وتقع الحرب العالمية الأولى سنة 1914م، فينصرف فيلسوفنا إلى مناهضتها بكتابات أدت به إلى السجن؛ لمجرد أنها تدعو إلى السلام في عالم مجنون. وما كادت الحرب تدنو من ختامها حتى يأخذه اليأس، فيعود من جديد إلى دنيا الفلسفة يلوذ بها - مع نزهة حينا بعد حين يقضيها مع شئون البشرية في أحكامها العامة وفي علاقات أفرادها - فلئن كان قبل الحرب قد شغلته التحليلات المنطقية الرياضية، ثم شغله تحليل العالم الطبيعي، فإنه هذه المرة قد غاص في دخيلة الإنسان لتحليل العقل، وما يتصل بهذا التحليل من بحوث في المنطق وفي المعرفة، فله محاضرات عن «الذرية المنطقية» (1918م) جمعت في كتاب (1924م)، وله محاضرات عن «تحليل العقل» جمعت كذلك في كتاب (1921م)، ومحاضرات عن «المعنى والصدق» جمعت هي الأخرى في كتاب (1940م)، وله كتاب في «المعرفة الإنسانية» (1948م)، إلى جانب عشرات من الكتب الأخرى.
ولو شئنا موجزا في سطور يلخص برتراند رسل كما هو في دنيا الفلسفة، قلنا: إنه ينتمي إلى مدرسة «الواقعية الجديدة»، التي تعترف بأن للأشياء الخارجية وجودها المستقل عن عقل الإنسان المدرك لها. فسواء وجد على وجه الأرض ناس أو لم يوجدوا، وسواء كانت في الكون كله ذات واعية مدركة أو لم يكن؛ فهنالك العالم الخارجي بأشيائه قائم. ثم هو فيلسوف يتخذ «التحليل» منهجا له، بمعنى أنه يتناول الأفكار مهما يكن ميدانها، ليحاول تفتيتها وفكها إلى عناصرها الأولية، حتى يتبين له آخر الأمر إن كانت أفكارا أصيلة أولية، أو كانت مما يمكن ردها إلى سواها، فإذا كانت الأخيرة كان معنى ذلك أنه يستغني عنها، مكتفيا بالأصل الذي ترد إليه، وقد لبث طول عمره الفلسفي الطويل يبتر ويجذ ويقص، هادفا إلى أن يصل إلى أقل عدد ممكن من الأفكار تكون هي الأفكار البسيطة الأولية التي لا بد من قبولها بغير تعريف، لنعرف بها سواها الذي ينبثق عنها، وتسمى هذه العملية في عالم الفلسفة بنصل أوكام (أوكام فيلسوف من العصور الوسطى، كان يدعو المفكرين إلى القصد في عدد الكائنات، بحيث لا نضيف من عندنا ما لا تقتضيه ضرورة افتراض وجوده)، فحتى الفكرتان «مادة» و«عقل» استطاع أن يستغني عنهما بفكرة واحدة هي «الهيولى المحايدة» التي قوامها «أحداث». ويأخذ رسل بما قد وصل إليه علم الطبيعة النووية في تحليله للعالم، بل إن فلسفة «الأحداث» التي يرد إليها كل شيء، هي انعكاس لعلم الطبيعة الحديث بما قد رد المادة إليه من كهارب، حتى لقد انعدمت الشقة التي كانت تباعد بين المادة والعقل، وأصبحت المادة طاقة، والطاقة مادة، ولا فرق بين الاثنتين. وهو في علم النفس يساير الاتجاه التحليلي نفسه، فيأخذ بالمذهب السلوكي الذي يفتت السلوك إلى وحدات بسيطة هي الأفعال المنعكسة الفطرية والشرطية، لكنه يجد أن السلوكية لا تفسر كل ضروب السلوك وكل جوانب الخبرة، فيكملها بما يغطي هذه الزوائد الفائضة؛ ويتنبه رسل على العلاقة الكائنة بين عالم اللغة وعالم الأشياء، فمتى تصور اللغة هذا العالم ومتى لا تصوره؟ ولذلك ينصرف بعنايته إلى الدراسات اللغوية من جانبها المنطقي ويربط الصلة بين اللغة والوقائع الخارجية ربطا وثيقا.
تلك لمحة عن رسل الفيلسوف، لعلها تضيء صورة في أذهان عامة القراء، وهي الصورة المشرفة في حد ذاتها، والتي تصوره رجلا يسهم في رسالة السعادة والعدالة والسلام.
Неизвестная страница