Наша культура в противостоянии времени
ثقافتنا في مواجهة العصر
Жанры
وقل هذا نفسه بالنسبة إلى ما عندنا من مرابي الحيوان التي لا نقصد فيها إلى جمال الجلد والريش، بقدر ما نقصد إلى التشريح وإلى التجارب على الكائنات الحية، لنهتدي بالنتائج إلى ما يمكن تطبيقه على الإنسان، وإلى جانب ما نجريه من تجارب العقاقير وما إليها، هنالك التجارب نجريها على إحداث التغيرات في أطوال الحيوانات وأحجامها، وفي الزيادة أو القلة من إخصابها، وفي تنويع ألوانها وأشكالها ودرجة الفاعلية فيها، فضلا عن المزاوجة بينها؛ ما يخرج لنا صنوفا جديدة، ولسنا في شيء من هذا كله نركن إلى المصادفات، بل إننا - في مجرى التجارب العلمية - لنكون على يقين من أي شيء نضيفه إلى أي شيء لينتج لنا كذا أو كيت من الكائنات.
ولن أطيل بك الوقوف عند ما لدينا من معاصر ومخابز ومطاعم، نخرج بها المآكل والمشارب بكل ما يشتهيه المذاق، لأنتقل بك إلى ما قد بلغناه في صنع الآلات وما نصنعه بها: الورق، وأنسجة التيل والحرير، والطنافس، وغير ذلك من أسباب الترف، كما أن لدينا من المعامل العلمية ما تعلو فيه درجات الحرارة وما تهبط، ومن المراصد ما يمكننا من دراسة الضوء والإشعاع واللون والشفافية، وكل ما يتصل بهذا الأصل من فروع، كالبحث في الأحجار الكريمة، وفي المنشورات الزجاجية، وغير ذلك، ولدينا كذلك من المعامل ما يمكننا من دراسة الصوت على اختلاف درجاته وتنوع مصادره، ويدخل هذا الباب دراسة النطق، وأصداء الصوت، وانعكاساته، ووسائل تقويته، وطرائق توصيله إلى مسافات بعيدة، وشبيه بذلك ما عندنا من معامل لإجراء التجارب على الروائح، فنستخرج العطور، وفي هذه المعامل نفسها تجرى التجارب على الطعوم، وهكذا لا نترك شيئا مما تراه العين، أو تسمعه الأذن، أو يذوقه اللسان، أو يشمه الأنف، إلا وأخضعناه للتجارب التي تمكننا من الإمساك بزمامه، ومن إنتاج الجديد فيه.
وبعد أن أفاض الرئيس في وصفه لما يحتوي عليه بيت سليمان من أجهزة علمية ومن تجارب، ختم حديثه بموجز عن إدارة هذا البيت، وما يتبع فيه من أوضاع، وبارك لزائره، وتمنى له ولبلاده التقدم والصعود.
كان ذلك حلما حلم به عاقل عاش في القرن السادس عشر، حين لم يكن يعرف الناس من أمور دنياهم إلا قليلا، جاءهم عن طرق خبرات القرون الطويلة، ولم يكن قد طاف برءوسهم أنه هو العلم الطبيعي وتطبيقه الذي في يده أن يثب بالحياة طيرانا إلى أجواز الفضاء، وغوصا إلى جوف الأرض وأغوار الماء، بهذا وحده وبأمثاله يتغير وجه الدنيا.
لكن هذا كله كان عند فرانسيس بيكون خيالا يتخيله، لا واقعا يعيشه، ثم جاء العلم بعدئذ ليصير الخيال علما وعملا، وفي هذا التكامل بين الخيال المقيد البناء، والعلم الذي يتحول إلى عمل، يقيم الإنسان لنفسه حياة مطردة السير إلى أمام، وإلى أعلى، ناجيا من أشباح الخرافة والجهالة التي رسمها «جويا» في صورته «أحلام العقل»، رسمها خطرا مخيفا يدهم الإنسان إذا ما عقله غفا، حالما كان ذلك العقل ، أو صاحيا.
من برتي إلى برتراند
منذ أن كان الفتى «برتي» في سن المراهقة الباكرة - وبهذا العمر «برتي» كان يدلله ذووه - شغل نفسه بالفلسفة وقضاياها، ولم ينقطع عنها حتى بلغ برتراند رسل من عمره ما بلغ، فماذا تتوقع من عقل فلسفي لم ينفك طوال ثمانين عاما نشيطا منتجا سوى أن يجيء فكره كالنهر الغزير في فيضانه، يهدم هنا، ولكنه يخصب الأرض هناك، ويظل ينعرج في دفعه يمنة ويسرة، لا توقفه الصخور العاتية على طول الطريق؛ لأن له - برغم انعراجاته ودورانه - قصدا واحدا، يجري إليه، يحكم طبيعة المجرى الذي يتدفق فيه، أجل، ماذا تتوقع من فيلسوف لبث يعاني الفلسفة من الخامسة عشرة حتى جاوز الخامسة والتسعين إلا أن يغير من رأيه في مواضع ويثبت عليه في مواضع؟ ولكم شهدت بعيني، وسمعت بأذني، نفرا من دارسي الفلسفة - لا أقول من طلابها الناشئين، بل ممن بلغوا من دراستها شوطا بعيدا - شهدتهم وسمعتهم يهاجمون الرجل لأنه ناقض نفسه في هذا الموضع أو ذاك؛ ألم يذكر في كتابه «مشكلات فلسفية» (صدر 1912م) أن للمعاني الكلية - مثلا - وجودا أوليا لا يقبل التحليل مما يدرجه في زمرة المثاليين، ثم عاد ليقول عنها في كتابه «المعرفة البشرية» (صدر 1948م) ما ينفي ذلك؟ هكذا كنت أسمع وأرى هجمات الهاجمين، فأدرك الظلم في تلك الهجمات؛ لأنها تنسى عشرات السنين التي تفصل عند الرجل كتابا عن كتاب، وتنسى أن الرجل إنسان يتطور وينمو ويفكر، ثم يعيد التفكير مدى ثمانين عاما نشيطة منتجة، هي التي تخللت في عمره ما بين الخامسة عشرة والخامسة والتسعين. ولست أعرف في تاريخ الفلسفة، من أوله إلى آخره، فيلسوفا عمر بقدر ما عمر برتراند رسل، كلا، ولا أعرف من صرف في التفكير الفلسفي ثمانين عاما كاملة كما حدث لفيلسوفنا برتراند، مات سقراط في السبعين، وأفلاطون في الثمانين، وأرسطو في الثالثة والستين، وديكارت في الرابعة والخمسين، وبيكون في الخامسة والستين، وإسبينوزا في الثالثة والأربعين، وليبنتز في السبعين، ولوك في الثالثة والسبعين، وباركلي في الثامنة والستين، وهيوم في الخامسة والستين، وكانت في الثمانين، وهيجل في الحادية والستين، ومن فلاسفة المسلمين مات الكندي في نحو السبعين، والفارابي في نحو الثمانين، وابن سينا في السابعة والخمسين، وابن رشد في الثانية والسبعين، وكان جون ديوي من أطول الفلاسفة عمرا؛ إذ مات وهو في الثالثة والتسعين، على أن طول العمر في ذاته ليس بذي مغزى كبير، بالنسبة إلى طول الفترة التي قضاها الفيلسوف مشتغلا بالفلسفة. فإذا عرفنا أن برتراند رسل لم ينقطع عن اشتغاله بها مدة ثمانين عاما كاملة، أدركنا على الفور أن قد كان أمامه من فرصة المراجعة والتبديل ما لم يكن أمام غيره.
كتب برتراند رسل عن «محاولاته الأولى» يقول: بدأت أفكر في المسائل الفلسفية في الخامسة عشرة من عمري، ومنذ ذلك الحين إلى أن التحقت بكيمبردج بعد ذلك بثلاثة أعوام، كنت أفكر بمفردي، ومن قبيل الهواية؛ فلم أكن قد اطلعت بعد على أي كتاب فلسفي، حتى قرأت «منطق» جون استيوارت مل في الشهور الأخيرة قبيل التحاقي بالجامعة .. ولم يكن «برتي» قد أتم عامه السادس عشر حين كتب مذكراته الفلسفية الأولى، وكانت - في معظمها - تدور حول ما ساوره عندئذ من شكوك في مسائل العقيدة وفي خلود الروح، لكنه كان يخشى الردع والسخرية من ذويه، وذووه متدينون على الأغلب، لا يريدون لوليدهم كثرة التفكير في موضوعات كهذه، يحسن أخذها مأخذ التسليم لينصرف الإنسان إلى سواها مما يتصل بالحياة العلمية وشواغلها، كان يخشى الردع والسخرية، لو وقع ذووه هؤلاء على مذكراته، فكتبها كلها بالرموز، ولم يفصح عن مدلولات رموزه تلك إلا بعد أن جاوز الثمانين، وتقرأ هذه المذكرات الأولى، فترى علائم النضج المبكر واضحة قوية؛ فاقرأ - مثلا - ما يقوله في تلك المذكرات بتاريخ 29 من أبريل سنة 1888م، (أي حين كان عمره ستة عشر عاما): «قطعت على نفسي عهدا أن أجعل العقل رائدي في كل الأمور، وألا ألقي بالا للميول التي ورثتها - في جانب منها - عن أجدادي، والتي اكتسبتها تدريجا بفعل الانتخاب الطبيعي، والتي ترجع - في جانب آخر منها - إلى ما تلقيته من تربية ؛ فما أشده من عبث لو أننا احتكمنا إلى هذه الميول في مسائل الصواب والخطأ! فالجانب الذي ورثته من تلك الميول إنما هو بمثابة المبادئ التي تهدي في طريق المحافظة على النوع، أو قل إلى المحافظة على ذلك الجزء الذي أنتمي إليه من النوع؛ وأما الجانب الذي يرجع إلى التربية، فهو يجعل الصواب والخطأ مرهونين بما قد ربيت عليه؛ ومن الجانبين معا يتكون لدى الفرد ما يسمى ب «الضمير» ومع ذلك تراهم يوهموننا بأن هذا الضمير هو هبة من الله، هذا الضمير الذي دفع مارية السفاحة إلى حرق من حرقتهم من البروتستانت؛ نعم، إنهم مع ذلك يقولون لنا إن الواجب يقتضي من الإنسان أن يتبع «ضميره». وعندي أن ذلك ضرب من الجنون؛ أما أنا فسأحاول أن أذهب مع «العقل» إلى أقصى مداه، وسيكون مثلي الأعلى هو ما يؤدي آخر الأمر إلى أكبر قدر من السعادة لأكبر قدر من الناس وبالعقل وحده أستطيع أن أحقق هذه الغاية من أيسر الطرق.»
واعجب لهذا الفتى الناشئ يتناول في مذكراته تلك، ما قد ساوره من قلق شديد إزاء المسلمات الرياضية في علمي الهندسة والحساب؛ يقول في ختام يوميته المؤرخة 3 من يونيو من نفس العام: «إن بعض براهين إقليدس - وخاصة ما كان منها متصلا بالتطابق - قد أثار قلقي إلى حد بعيد، حتى لقد أنبأني معلم الهندسة أن هندسة لا إقليدية قد نشأت، فأمتعني هذا النبأ، برغم أني لم أعلم عن تلك الهندسة يومئذ إلا مجرد اسمها، ولم يكن الذين يعلمونني حساب اللامتناهي على علم بالبراهين الصحيحة التي تقام على نظرياته الأساسية، وكانوا يحاولون إقناعي بأن أسلم بالمغالطات السائدة، فآخذها مأخذ الإيمان، وكذلك أدركت أن الحساب يصلح في التطبيق العملي، لكنني لم أفهم قط لماذا كان ذلك ...»
بهذه الشكوك الفلسفية في دنيا اللاهوت، وفي دنيا الرياضة، بدأ الفتى «برتي»، وظل يكتم شكوكه وراء رموزه، حتى دخل جامعة كيمبردج، وهناك أفصح عما كان يضمره.
Неизвестная страница