[غافر: 3].
[3.31]
{ قل إن كنتم تحبون الله } نزلت فى قول اليهود، نحن أبناء الله.. الخ ولم يقبلوها، وفى قوم مؤمنين قالوا، نحب الله، وفى قول نصارى نجران، تقول عيسى الله أو ابنه ونعبده حبا له وتعظيما لله عز وجل، وفى قول قريش: نعبد هذه الأصنام لتقربنا إلى الله، إذ وقف عليهم صلى الله عليه وسلم وقد علقوا عيها ببعض النعام وشنقوها، وهم سجد لها، فقال، والله لقد خالفتم إبراهيم وإسماعيل { فاتبعونى } فى أمرى، لثبوت نبوتى ورسالتى بالأدلة الواضحة { يحببكم الله } الحب ميل النفس إلى الشىء، والله منزه عن ذلك، لأنه كامل، وكل شىء مخلوق له ومنته إليه فلا شىء يحتاج الله إليه، فيميل إليه، فحب الله لخلقه لازم ذلك، وهو فعل الخير لهم على طاعتهم، فذكر اللازم لذكر الملزوم، وفيه مشاكلة أيضا لقوله تحبون، وحبهم الله ميل نفوسهم إلى ثوابه وإحسانه وعبادته والعارفون يحبون الله لذاته، بمعنى تعظيمه واتباعه واحترامه، ولو لم يكن ثواب ولا عقاب، إلا أن ذلك لأجل صفاته وأفعاله تعالى، وقيل، حب المخلوق الله إرادة اختصاصه تعالى بالعبادة، فالمراد لازم هذه الإرادة، وهو إيقاع العبادة له وحده، أو شبه تلك الإرادة بالحب الذى هو ميل النفس على طريق الاستعارة، وإن قدرنا تحبون ثواب الله، أو رضى الله، وأو طاعة الله فمن مجاز الحذف { ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } لمن اتبعنى، ويجوز أن يكون والله غفور رحيم من الله غير داخل فى القول، أى والله غفور رحيم لمن اتبعك.
[3.32]
{ قل } لقريش وغيرهم { أطيعوا الله والرسول } وهو أنا محمدا، فيما يأمركم به من التوحيد، وهذا تخصيص بعد تعميم التوحيد وغيره فى قوله، فاتبعونى، لمزية التوحيد { فإن تولوا } أى تولى هؤلاء عن الاتباع والطاعة فهذا من الله، أو تتولوا أنتم عن ذلك، فحذف إحدى التاءين فيكون من جملة القول { فإن الله لا يحب } لا يرحم { الكافرين } أى لا يحبهم، بل يعاقبهم، فأظهر ليصفهم بالكفر إشعارا بالعلة، وتعميما لفظيا لجميع الكفرة، وللتلويح بأن من خالفه وقد آمن به شبيه بمن كفر به، وأن الإعراض إما كفر شرك وإما كفر نفاق، وأراد مطلق الكافرين فيدخل هؤلاء، وفى مسلم عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله أحب عبادا دعا جبريل فقال، أنا أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادى فى السماء، إن الله يجب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول أنا أبغض فلانا، فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادى فى السماء، إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء فى الأرض ".
[3.33]
{ إن الله اصطفى ءادم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران } ذكرهم مع دخولهم فى آل إبراهيم إظهار لمزية الاعتناء بعيسى عليه السلام، لشدة مفكريه { على العالمين } بالإسلام والنبوة، وجعل الأنبياء من نسلهم، وليس ذلك فى سائر الناس ولا فى الملائكة، وأنتم يا يهود على غير الإسلام فالآية رد عليهم إذ قالوا، نحن من أبناء إبراهيم وأسحق ويعقوب، ونحن على دينهم، ورد على النصارى إذ جعلوا عيسى إلها، بأنه من البشر الذين انتقلوا فى الأطوار والأرحام، وعمر آدم تسعمائة وستون سنة، واسم نوح السكن، ونوح لفظ عجمي ، وقيل من النواح، لكثرة نواحه على نفسه، وعمرة فى قومه ألف إلا خمسين سنة، وهو نوح بن لمك بن متوشلح بن إدريس، ودخل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى آل إبراهيم، وهو خاتمهم، فليس ذكر آل عمران المغنى عنه ذكر آل إبراهيم العام لمزيتهم، فإن المزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم الداخل فى آل إبراهيم، بل ذكر آل عمران لمجرد التصريح بشرفهم، لا لمزية شرفهم، ولئن سلمنا لنقولن المراد اصطفاؤهم على غيره صلى الله عليه وسلم لقيام الأدلة على أنه أفضل الخلق، ومنها، كنتم خير أمة..الخ، وعمران أبو مريم، وقيل أبو موسى، وبينهما ألف وثمانمائة، وبين عمران أبى موسى ويعقوب ثلاثة أجداد، وبين عمران أبى مريم وبين يعقوب ثلاثون جدا، وعمران عجمى، وقيل، مشتق من العمر، وآل بمعنى أهل، أو مقحم، وهو المشهور المرجح، فكأنه قيل، وإبراهيم وعمران، والآية دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة لدخولهم فى العالمين، فيعلم أن سائر الأنبياء أفضل من الملائكة، وإن قلنا عالمو زمانهم فلا دليل فيه، وعلى عدم الإقحام، فآل إبراهيم إسماعيل وإسحق وأولادهما، فمنهم نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه من ولد إسماعيل، وآل عمران موسى وهرون، أو عيسى ومريم، ويدل على أن المراد عمران أبو مريم أنه لم تبسط قصتها مثل بسطها فى هذه السورة، وقرن موسى بإبراهيم فى سائر القرآن لا يقاوم هذا، ويدل لذلك أيضا قوله،
إذ قالت امرأة عمران
[آل عمران: 35]، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة، وقيل، اصطفى آدم بخلقه بيده وتعليم الأسماء وأسماء الملائكة وإسكانه فى الجنة، ونوحا بأنه أول من حرم ذوات المحارم، وأنه أبو الناس بعد آدم، وآل إبراهيم بالكتاب والنبوة، وآل عمران بالتوراة والتكلم، وعيسى وأمه جعلهما آية للعالمين.
Неизвестная страница