Тавдих

التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب

Редактор

د. أحمد بن عبد الكريم نجيب

Издатель

مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث

Издание

الأولى

Год публикации

١٤٢٩هـ - ٢٠٠٨م

Регионы
Египет
•
Империя и Эрас
Мамлюки
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
الْمِيَاهُ أَقْسَامٌ
الماء اسم جنس، يقع على القليل والكثير، فحقُّه أن لا يُجمع، لكن جمعه باعتبار اختلاف أنواعه، كاللحوم. وأقسام جمع قِسْمٍ بكسر القاف، والمراد به النوع، ومرادُه بالأقسام ثلاثةٌ، كما سيأتي.
قيل: وكان ينبغي للمصنف أن يقول: الماء أقسام؛ لأن الجنس يُفرد، ولا يقال للجنس المياه؛ لأنه يلزم عليه وجود المياه في كل نوع؛ لأن النوع يستلزم الجنس وزيادة؛ ولأنه كان يسلم من الإخنبار بالأخصِّ عن الأعم؛ فإن المياهَ جَمْعُ كَثرة، والأقسامَ جمعُ قِلَّةٍ، وإنما يُخبر بالأعمِّ والمساوِي، أما أخص منه فلا.
وكون الماء جنسًا هو باصطلاح الفقهاء؛ لأن النوع عندهم جنس، وأما الجنسُ عند الأصوليين فهو ما اجتمع على كثيرين مختلفين بالحقيقة. والماءُ ليس كذلك، ولعل المصنف- ﵀ جَمَعَه ليُنبه على أن كل صنف منه ينقسم إلى الثلاثة الأقسام، وهذا لا يَدْفَعُ كونَ الإفرادِ أَوْلَى.
الْمُطْلَقُ طَهُورٌ؛ وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى خِلْقَتِه
أي القسم الأول: (الْمُطْلَقُ) ومرادُه بالمطلق ما لم يُضَفْ إليه شيء أصلًا، ولذلك قال في الجواهر: الباقي على أوصاف خِلْقَتِه مِن غيرِ مُخالِطٍ.
وليس المطلق عند المصنف مرادفًا للطَّهور؛ لأنه جَعل ما تغيّر بما لا يَنفكُّ عنه غالبًا مُلحقًا بالمطلق، والملحقُ بالشيء خلافُه.

1 / 3

وعلى هذا فالطَّهورُ أعمُّ مِن المطلق، وتفسيرنا المطلق لا يَرِدُه اعتراضُ مَن اعتَرض بأنه يَخرج عنه ما انتقل مِن عذوبةٍ إلى ملوحةٍ، وبالعكس؛ إذ هو لم يُخالطه شيءٌ، لكن كلامَ القاضي عبد الوهاب يقتضي أن المطلقَ مرادِفٌ للطَّهورِ، فإنه قال: الماءُ ضربان: مطلقٌ ومضافٌ، والتطهيرُ بالمطلق دونَ المضافِ، والمطلقُ هو ما لم تتغير أحدُ أوصافِه بما لا ينفك عنه غالبًا مما ليس بقَرارٍ له ولا متوَلِّدٍ عنه، فيدخل في ذلك الماءُ القَرَاحُ، وما تَغيَّر بالطينِ لأنه قَرارُه، وكذلك ما يجري على الكِبْرِيتِ، وما تغيَّر بطولِ المُكْثِ؛ لأنه متولِّدٌ عنه، وما تغير بالطُّحْلُبِ؛ لأنه مِن مكثِه، وما انقلبَ مِن العذوبة إلى الملوحة؛ لأنه مِن أرضِه وطولِ إقامته، ويَدخل فيه المستعملُ على كراهة مِنَّا لَهُ، وكذلك القليلُ الذي لم تُغيره النجاسةُ. والمضافُ نقيضُ المطلقِ، وهو ما تغيرتْ أوصافُه وأحدُها مِن مخالطةِ ما يَنفك عنه غالبًا، انتهى. فأنت ترى كيف جَعل ما يُطهر به مطلقًا.
وقوله: (وَهُوَ) أي المطلقُ، وقدَّم حكمَه على تَصَوُّرِه، وإِنْ كان على خِلافِ الأَوْلَى، لأن المقصودَ بالذاتِ الحكمُ، فكان أهمَّ، وما ذكرَه ابنُ عبد السلام، بأنه قال: إنما ذَكَر ذلك لأنه أَلحق بالمطلق أنواعًا أُخَرَ، فلو ذّكر جميعَها قبلَ الخبرِ لحصَل للناظرِ تشويشٌ- ليس بظاهرٍ؛ لإمكانِ ذِكْرِها بعد الخَبَرِ.
وَيُلْحَقُ بِهِ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِمَا لا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا كَالتُّرَابِ وَالزِّرْنِيخِ الْجَارِي هو عَلَيْهِمَا، وَالطُّحْلُبِ وَالْمُكْثِ ...
إنما أُلحق المتغيرُ بهذه الأشياء بالمطلقِ لمشقةِ الاحترازِ مِن المُغَيِّرِ المذكورِ، وقد حكى ابنُ المنذرِ الإجماعَ على طهورية المُتَغَيِّرِ بالمُكْثِ. والطُّحْلب بضمِّ اللام وفَتْحِها، وقد حكَى ذلك الجوهريُّ وغيرُه، وهو خضرةٌ تَعْلو على الماءِ لِطُولِ المُكْثِ، والمكثُ: طُولُ الإقامةِ.

1 / 4

ونَقَلَ سندٌ عن مالك كراهةَ المتغيرِ بالطحلبِ مع وجودِ غيرِه. واحتَرَزَ بالغالب مما غَيَّرَ وليس بغالبِ، كورقِ الشجرِ، وفيه قولان: الجوازُ لشيوخِنا العراقيين، والمنعُ للإِبِّيَانِيِّ، حكاهما الباجيُّ.
وكذا المتغيرُ بأرواثِ الماشيةِ، فإن مالكًا قال مرة: لا يُعجبني، ولا أُحرِّمُه.
اللخمي: والمعروفُ من المذهب أنه غيرُ مطهِّرٍ. قال سند: ليس الأمر على ما قاله اللخميُّ، بل إنما تردّد مالك في ذلك أنه رآه غالبًا.
ويخرج بقولنا: (غَالِبًا) المتغيرُ بحبل السَّانِيَةِ، فإنه يَضُرُّ، ففي أسئلة ابن رشد في الإناء الجديد، والحبل الجديد: إذا كان التَّغَيُّرُ يسيرًا- جاز الوضوء به، وإن تغيّر تغيرًا بَيِّنًا لم يَجُزِ الوضوءُ به، نقلَه سندٌ.
وأما رائحةُ القَطِرَانِ تبقى في الوعاءِ وليس له جسمٌ يُخالطُ الماءَ- فلا بأسَ به، ولا يُستغنى عنه عند العرب وأهل البوادي، فأما إذا أُلْقِيَ في الماء، وظَهر عليه، فإِنْ راعينا مُطلقَ الاسم- قلنا بجواز الوضوءِ به، وإن راعينا مجرد التغيير- منعناه. قال: والأَوَّلُ عندي أرجحُ كما قال أصحابُ الشافعيِّ.
ابنُ راشد: ونُقل عن بعض المتأخرين الجوازُ في القِرَبِ للمسافر بها للحج للضرورة.
وأَبْرَزَ الضميرَ في قوله: (الْجَارِي هو) لكَوْنِ الصِّفَةِ إذا جَرَتْ على غيرِ مَن هي له- فمذهبُ البَصريين وجوبُ إبرازِه مطلقًا [١/ب]، وعند الكُوفيين إنما يجب عند اللَّبْسِ.
وَالْمُتَغَيِّرُ بِالْمُجَاوَرَةِ أَوْ بِالدُّهْنِ كَذَلِكَ
صورة التغير بالمجاورة أن تكون جِيفَةٌ بإزاءِ ماءٍ فتنقُلُ الريحُ رائحةَ تلك الجيفةِ إلى الماء فيتغيرُ، ولا خلافَ في هذا.

1 / 5

حكى المازَرِيُّ في المُبَخَّرِ بالمَصْطَكَى ونحوِها قولين للمتأخرينَ بنَاهما على أنه مجاورٌ فلا يَسلب الطهوريةَ، أو مُخالِطٌ فيسلب، والظاهرُ أنه مخالِطٌ، ولم يَحْكِ اللخمي غيرَه.
وأما الدُّهْنُ، فقد أُنكر ما ذَكره المصنفُ؛ لأن المعروفَ مِن المذهب أن الدهنَ يَسلب الطهوريةَ، وممن ذكر أنه يسلب الطهورية ابنُ بشير، وعلى هذا يُحمل كلامه على ما إذا كان مجاوِرًا لسطح الماء، وإليه أشار ابنُ عطاء الله.
وقال ابن راشد: ولا يُقال: يَلزم عليه التكرارُ، وكان يستغني بالمجاورة؛ لأنَّا نقول: أراد أن يُبين أن المجاور الذي لا يَضُرُّ قسمان: قسمٌ غيرُ ملاصِقٍ، وقسمٌ ملاصقٌ.
وقال بعضُهم: أراد ما يَصعد على الماءِ الراكِد بِطُولِ المكثِ مما يُشْبِهُ الدهنَ.
وقال آخرون: أراد بالدهنِ الماءَ القليل، أو المطرَ القليلَ. والدهنُ يُطلق على ذلك لغةً، ولا يَخْفَى ضعفُه.
وَمِثْلُهُ التُّرَابُ الْمَطْرُوحُ عَلَى الْمَشْهُور
الضمير في (مِثْلُهُ) عائدٌ على (ما) أي: ومثل ما لا يَنفك عن الماء غالبًا الترابُ المطروحُ على المشهور، والمرادُ بـ (الْمَطْرُوحُ) المطروحُ قصدًا، لا ما ألقته الريحُ، فإنه لا خلافَ فيه أنه لا يَضُرُّ. ووجهُ مقابلِه أن الماءً منفكٌّ عن هذا الطارئِ فيسلبه الطهورية كالمطعومات.
وليس الخلافُ خاصًّا بالتراب، بل هو جارٍ في المُغْرَةِ والكِبْرِيتِ ونحوِهما. وخصَّصَ الترابَ بالذكر- والله أعلم- تبعًا لابن شاسٍ. وقد ذَكَرَ مجهولُ الجلّابِ أن المشهورَ في الترابِ وغيرِه واحدٌ، وهو عدمُ سلبِ الطهورية. لكن قال ابن يونس: الصوابُ في المِلْحِ سلبُ الطهورية.

1 / 6

فائدة:
قاعدةُ ابنِ الحاجب وغيرِه مِن المتأخرين أَن يَستغنوا بأحد المتقابلين عن الآخَرِ، ومقابلُ المشهورِ شاذٌّ، ومقابلُ الأشهرِ مشهورٌ دونَه في الشهرةِ، وكذلك في الصحيح والأصحِّ، والظاهرِ والأظهرِ، ويُقابل المعروفَ قولٌ غيرُ معروفٍ، ولم تَطَّرِد للمصنف- ﵀ قاعدةٌ في مقابلِ المنصوصِ، فقد يكون منصوصًا، وقد يكون تخريجًا وهو الأكثرُ.
وكلما قال: (وفيها) فمرادُه المدونةُ وإِنْ لم يتقدم لها ذِكْرٌ؛ لاستحضارِها ذِهْنًا عند كلِّ مَن اشتغلَ في المذهَبِ. ولهذا قال ابنُ رُشْدٍ: نِسْبَتُها إلى كتبِ المذهَبِ كنسبةِ أمِّ القرآن إلى الصلاةِ، يُستغنى بها عن غَيْرِها، ولا يُستغنى بغيرها عنها، ولا يأتي بقولِه فيها في الغالبِ إِلّا لاستشهادٍ أو استشكالٍ.
وإذا قال: (ثالثها) فالضميرُ عائدٌ على الأقوالِ المفهومةِ مِن السياقِ.
وحيث أَطلقَ الروايةَ- فالمرادُ بها قولُ مالكٍ.
و(القولُ) يحتملُ أنْ يكونَ للإمامِ أو غيرِه.
ومِن قاعدته أيضًا أن يَجعل القولَ الثالثَ دليلًا على القولين الأوَّلَيْنِ، فيَجعل صَدْرَه دليلًا على الأول، وعَجُزَه دليلًا على الثاني، إلا في النادر، وسأنبه عليه.
ومِن قاعدتِه أنه إذا ذَكر قسمةً رباعيةً أن يبدأ بإثباتين ثم بنفيين، ثم بإثبات الأول، ونفي الثاني، ثم بعكسه.
ومِن قاعدتِه أنه إذا صَدَّرَ بقولٍ ثم عَطَفَ عليه بقيل- أَنْ يكون الأول هو المشهورُ.
ومِن قاعدتِه إذا حكَى الاتفاقَ- فمرادُه أهلُ المذهبِ، وإذا حكى الإجماعَ فمرادُه إجماعُ الأُمَّةِ.

1 / 7

ومِن قاعدتِه إذا ذَكَرَ أقوالًا وقائِلِينَ- أَنْ يَجعل الأوَّلَ مِن الأقوال للأوَّلِ مِن القائِلِين.
وسيتضحُ لك ما ذكرتُه بالنظرِ في كلامِه، إِنْ شاءَ اللهُ تعالَى.
والإشارةُ في هذا الكتاب: بالراء لابن راشدٍ، وبالعينِ لابن عبدِ السلامِ، وبالهاءِ لابن هارونَ، وإذا ظَهَرَ لي شيءٌ أشرت إليه بالخاءِ.
وَفِي الْمِلْحِ ثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْدِنِيِّ وَالْمَصْنُوع
أي: الملحُ المطروحُ، وأما ما كان مِن القَرَارِ- فقد تقدَّمَ أنه يُغتفرُ اتفاقًا، فَوَجْهُ القولِ بعدمِ تأثيرِه أنه مِن جِنْسِ الأرضِ، فكان كالترابِ، وهو قولُ ابنِ القَصَّارِ، وابنِ أبي زيدٍ، وابنِ راشدٍ.
ووَجْهُ القولِ بتأثيرِه أَنَّهُ يُشبِه المطعومَ، وهو قول القابِسِيِّ.
وتفرقُه الثالثِ ظاهرةٌ، وهكذا حَكَى المازريُّ الثلاثةَ، ووَجَّه الثالثَ بأنَّ المعدنيَّ حكمُه حكمُ الترابِ في جوازِ التيممِ؛ فلم يُؤَثِّرَ، ونَسَبَ سندٌ الثالثَ للباجي، وفي ذلك نظرٌ؛ لأن الباجي لمي َجزم به، وإنما ذَكَرَه على طريقِ الاحتمالِ، فقال بعد أَنْ حكَى عدمَ التأثيرِ عندَ ابنِ القصارِ: يحتملُ أن يكون ذلك في الملحِ المعدنيِّ، وأما المصنوعُ فلا. سندٌ: والأَوْلى عكسُه؛ لأن المصنوعَ أصلُه ترابٌ، بخلافِ المعدنيِّ، فإنه طعامٌ، وفيه نظر. ونقلَ ابنُ بَشِيرٍ خلافًا: هل القولُ الثالثُ تفسيرٌ أم خلافٌ؟
فرع:
حكَى ابنُ رشدٍ في طَهوريةِ ماءِ الملحِ الذائبِ في غيرِ موضعِه بعد أنْ صارَ ملحًا- ثلاثةَ أقوالٍ للمتأخرين: أحدُها: أنه على الأصلِ، لا يُؤثر فيه جمودُه. والثاني: أنَّ حُكمَه

1 / 8

حُكمُ الطعامِ فلا يُتَطَهَّرُ به، ويَنْضَافُ به ما غَيَّرَ مِنْ سائرِ المياه. والثالثُ: أن جمودَه إنْ كان بعنايةٍ وصنعةٍ- أَثَّرَ، وإِلَّا فلا.
وَالْمُسَخَّنُ بِالنَّارِ وَالْمُشَمَّسُ كَغَيْرِه
فلا كراهة فيه، وفيه تنبيهٌ على خلافِ الشافعيةِ [٢/أ]، فإِنَّهم يَكرهون المُسَخَّنَ في الشمسِ لِلطِّبِّ، واقتصرَ عياضٌ- في بعضِ كُتُبِه- وسندٌ في المشمس على الكراهةِ.
الثَّانِي: مَا خُولِطَ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، فَالْكَثِيرُ طَهُورٌ بِاتِّفَاقٍ، وَالْقَلِيلُ بِطَاهِرٍ مِثْلُهُ. وَوَقَعَ لابْنِ الْقَابِسِيِّ: غَيْرُ طَهُورٍ ...
إن كان مرادُه بالكثيرِ ما اتفقتِ الأُمَّةُ على كثرتِه- فصحيحٌ، وإِنْ كان مرادُه ما هو كثيرٌ عندَ قومٍ دونَ قومٍ- فلا يَصِحُّ؛ لأن ابنَ رشدٍ قال في البيان في الماء إذا لم يُغَيِّرْهُ مخالِطٌ: إنه طَهورٌ، إلا على روايةِ ابنِ نافعٍ عن مالكٍ، وهي كمذهبِ أبي حَنِيفَةَ.
وأُجيبَ بأنَّ المصنفَ إِنَّما ذَكَرَ الاتفاقَ في الكثيرِ، ومالكٌ في روايةِ ابنِ نافعٍ هذه لا يَرى هذا الماء كثيرًا، وأُورِدَ على المصنِّفِ أنَّ ما خُولِطَ ولم يتغير مُطْلَقٌ، لا سيما الكثير، فلا يكون هذا القسمُ قَسيمًا للمطْلَقِ، وتفسيرُنا أوَّلًا المطلَقَ يَدْفَعُ هذا، لكن على هذا كان ينبغي أن يذكر هذا في القسم الأول، ويجعلَه مما أُلحق بالمطلقِ.
والعبارةُ التي حكاها عن القابسيّ حكاها الباجيّ وابنُ شاسٍ، وحكى ابنُ بَشيرٍ وغيرُه كراهتَه خاصَّةً، وأشار صاحبُ النُّكَتِ إلى أنه خَرَّجَه على قولِ مَن رَأَى أَنَّ الماءَ القليلَ إذا وقعتْ فيه نجاسةٌ ولم تُغَيِّرْهُ- أنه غيرُ طَهورٍ.
ابنُ عبدِ السلامِ: وإنْ كان هذا هو الصحيح فقد يُقال: لا يَلْزَمُ مِن تنجيسِ الماءِ اليسيرِ عدمُ طهوريةِ الماءِ بما أُضيف إليه؛ لأ، مُسْتَنَدَ مَن حَكَمَ بالنجاسةِ قولُه ﷺ: "إِذا بَلَغَ الماءُ قُلًّتَيْنِ لم يَحْمِلْ خَبَثًا".

1 / 9

ومفهومُه أَنَّ ما دُونَ القُلتين يَحْمِلُ الخبثَ، ولا يَلزمُ مِن تأثيرِ النَّجِسِ تأثيرُ الطاهرِ؛ لأنَّ النجسَ يَسْلُبُ وَصْفَيْ الطَّهوريةِ والطهارةِ، والطاهرُ إنما يَسلب الطهوريةَ فقط، فهو أضعفُ، ولا بُدَّ في الكلام مِنْ حَذْفٍ، أي وَقَعَ لابنِ القابسي فيه.
وَفِي تَقْدِيرِ مُوَافِقِ صِفَةِ الْمَاءِ مُخَالِفًا نَظَرٌ
يعني: إذا خالط الماءَ أجنبيٌّ يُوافقُ أوصافَه الثلاثةَ ولم يُغيره، فهل يُقَدَّرُ مخالفًا أو لا؟ وفيه نظرٌ. والنظرُ في وجودِ التغيرِ وعَدَمِه، وَجْهُ النظرِ تَعَارُضُ مُدْرَكَيْنِ قويين سيأتيان، وعلى هذا فلا نَصَّ في المسألةِ، ولذلك قال ابنُ عطاء الله: إنه لم يَقِفْ في هذه المسألةِ على شَيْءٍ. قال: والذي أَراه أَنه إِن وَجَدَ غيرَه- لم يَسْتَعْمِلْه، وإن لم يَجِدْ غيرَه- تَوَضَّأَ به وتَيَمَّمَ.
ابنُ راشد: ومِن ابنِ عطاء الله أَخَذَ المصنفُ، وعلى هذا مَشَّاهُ ابنُ هارونَ وابنُ عبد السلام.
وقد تَرَدَّدَ سندٌ فيمن وَجَدَ مِن الماءِ دونَ ما يَكفيه، وخَلَطَه بماءِ الزَّرْجُونِ أو غيرِه مما لا يُغَيِّرُهُ، هل يَتطهر به لأنه ماءٌ لم يَتغير، أو لا؟ لأنه تَطَهَّرَ بغيرِ الماءِ جَزْمًا. قال: والظاهرُ أنه لا يُتطهر به. ثم نَقَلَ عن بعضِ الشافعيةِ التفرقةَ بينَ ذلك وبينَ مَن معه مِن الماءِ ما يَكفيه، وخَلَطَ به قَدْرَه مِن المائِعِ، فقال بالإجْزَاءِ في هذه دُونَ الأُولَى، ثم إذا فُرض أنه مخالفٌ- فيُنظر في الواقعِ إما أن يكون طاهرًا أو نجسًا، وإما أن يكون الماءُ قليلًا أو كثيرًا- أَجْرِهِ على ما تقدم.
فإن قيل: لِمَ لا حَمَلْتَ كلامَه على أن النظرَ في كيفيةِ التقديرِ؟ إذ لا يُدرَى بأي نوع يُلحقه من المخالفات، أو على أن استَشكل قولَ مَن جَزَمَ بوقوعِ التقديرِ في المذهبِ؟.
فجوابُه: أنه منعني مِن الحَمْلِ عليهما كوني لم أَرَ نقلًا يُوافِقُهما، والله أعلم.
ابنُ عبد السلام: ويكون ذلك في صورتين: إحداهما: أَنْ يُخالطَه موافقٌ لصفةِ الماءِ كماءِ الريحانِ المقطوعِ الرائحةِ. والثاني: أن يكون متغيرًا بما لا يَنْفَكُّ عنه غالبًا، فيُخالِطُه مائعٌ موافقٌ لِصِفَتِه.

1 / 10

ووجهُ النظرِ هو أنْ يُقال: يَصْدُقُ عليه أنه ماءٌ باقٍ على خِلْقَتِه، وذلك يقتضي إباحةَ استعمالِه. أو يقال: لا نُسَلِّمُ أنه باقٍ على خِلْقَتِه؛ لأن اللونَ والطعمَ الموجودَين- والحالةُ هذه- إنما هما وَصْفانِ للمخالِط والماءِ، وأدنى الأمورِ الشكُّ في هذا، وذلك يقتضي تَجَنُّبَ هذا الماءِ. خليل: هذان المُدْرَكانِ اللذان قلنا: سيأتيان.
ثم قال ابنُ عبد السلام: واعلمْ أنَّ الأصلَ التمسكُ ببقاءِ أوصافِ الماءِ حتى يُتحققَ زوالُها- أو يُظنَّ- كما لو كان المخالطُ للماء هو الأكثرُ، ولا تُقدر الأوصافُ الموافقةُ مخالفةً لعدمِ الانضباط مع التقدير؛ إذْ يَلزمُ إذا وقعتْ نقطةٌ أو نقطتان مِن ماءِ الزَّهْرِ مثلًا أَلَّا تُغير، ولو كان مِن ماءِ الورْد لأَثَّرَ، وكذلك ربما غَيَّرَ مقدارٌ مِن ماءِ الوَرْدِ ما لم يُغيره مِن ماءٍ آخرَ مِن مياه الوردِ لرداءتِه، فلو رُوعي مثلُ هذا لَمَا انْضَبَطَ، والشريعةُ السمحةُ تَقتضي تَرْكَ ذلك، انتهى بالمعنى. وفيه نظرٌ؛ لأنه إذا قَدَّرْنَاه بالوَسَطِ- كما هو الأصح عند الشافعية- وجعلنا الماءَ كأنَّه غيرُ مُغَيَّرٍ في صورةِ ما إِذَا كان مُغَيّرًا بِقَرَارِه- لم يَلْزَمْ ما ذُكِرَ، والله أعلم.
فرع:
ذَكَرَ المازريُّ إذا شُكَّ في المغيّر هل أَثَّرَ أم لا، أنّه لا تأثيرَ لذلك. قال: ولا يُنْقَلَ الماءُ عن أصلِه- استصحابًا للأصلِ- حتى يَتحقَّقَ وجودُ ما مِن شأنِه أَن يُؤثر فيه.
وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ طَهُورٌ، وَكُرِهَ لِلْخِلافِ، وَقَالَ: لا خَيْرَ فِيهِ. وَقَالَ فِي مِثْلِ حِيَاضِ الدَّوَابِّ: لا بَاسَ بِهِ. أَصْبَغُ: غَيْرُ طَهُورٍ. وَقِيلَ: مَشْكُوكٌ فيه فَيَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ لِصَلاةٍ وَاحِدَةٍ ....
المستعملُ في الحَدَثِ ما تَقَاطَرَ مِن الأعضاءِ، أَوْ ما اتَّصَلَ بها، والمشهورُ أنه طَهورٌ، ولكنه مكروهٌ مع وجودِ غيرِه للخلافِ. وتقييدُه بالحَدَثِ يُخرجُ المستعملَ في غيرِ حدثٍ إذا لم يرفعْ حَدَثًا، كالمستعملِ في الأَوْضِيَةِ المستحبةِ، وغسلِ الجمعةِ.

1 / 11

وظاهرُ قولِه في المدونة: لا يُتوضأ بما قد تُوُضِّئَ به مرةً. دخولُ الأوضيةِ المستحبةِ، وقد عُلِّلَتِ [٢/ب] الكراهةُ في هذه المسألةِ أو المنعُ بأوجهٍ غيرِ ما قاله المصنفُ:
الأول: أنه أُدِّيَتْ به عبادةٌ، الثاني: لكونه أزال المانعَ، الثالث: لكونه لا تُعلم سلامتُه من الأوساخِ.
قال القرافي في الذخيرة: قال بعض العلماء: وعلى الأوَّلَيْنِ تَجوز الرابعةُ بلا إشكالٍ، ويُنظر على التعليلِ الثالثِ هل كان نظيفَ البَدَنِ أم لا؟ وعلى الثاني: يَجوز المستعملُ في الأوضيةِ المستحبةِ، والعكسُ في غَسْلِ الذِّمِّيَّة، انتهى.
الرابع: أنه قد ذهبتْ قوتُه في عبادةٍ فلا تُفْعَلُ به أُخْرَى.
الخامس: لأنه ماءُ الذنوبِ.
السادس: لأنه لم يُنقل عن السلفِ جَمْعُ ما سَقَطَ مِن الأعضاء واستعمالُه مع كونهم بالحجازِ والماءُ قليلٌ.
وفي كل هذه التعاليلِ المذكورةِ إشكالٌ لا يَخفى عليك. وذَكَرَ سندٌ أنَّ مشهورَ المذهبِ كراهةُ استعمالِ ماءٍ استُعْمِلَ في الحَدَثِ فقط دونَ التجديدِ. فقد قال في المدونة في الجنبِ يغتسلُ في القَصْرِيَّةِ: لا خَيْرَ فيه. وقال في الطاهِرِ: لا بأسَ به. وهذا يُوافق كلامَ ابنِ الحاجبِ، لكن ما ذكره سندٌ إنما يأتي على أحدِ التأويلاتِ، وقد ذَكَرَ عياضٌ في هذه المسألة ثلاثةَ تأويلاتٍ:
أحدُها: أنَّ قولَه في القصرية: لا خير فيه. محمولٌ على أنه دَخَلَها قبلَ غسلِ ما به مِن الأذى، وذكره ابنُ أبي زَمَنِينَ عن بعضِ شيوخِه.
ثانيها: أن جوابَه قَبْلَ الفِعْلِ، فلذلك شَدَّدَ ابتداءً عليه لما وَرَدَ مِن النهيِ عن الاغتسالِ في الماءِ الدائمِ. ولو سُئل عَمَّن فَعَلَ ذلك لكان جوابُه فيها كجوابِه في مسألة الحوضِ، أنه إِذا غسل ما به من الأذى وإِلَّا أَفْسَدَها، ذكره عن بعضِ الشيوخِ.

1 / 12