История Египта от османского завоевания до наших дней
تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر
Жанры
وذلك ما لم يتهيأ للحكومة العثمانية بعد سليمان؛ لأنها لم تعر كل هذه الأمور شيئا من الالتفات؛ إذ بعد أن نهض الملوك السالفون من آل عثمان بالدولة إلى ذروة مجدها - بما أوتوه من الذكاء والحذق - خلف من بعدهم خلف أضاع تلك الأملاك الشاسعة التي نالها أجداده بحد السيف وحافظوا على كيانها بحسن إدارتهم، ولم يكن لهؤلاء السلاطين الضعفاء هم إلا الانغماس في اللذات، غير مكترثين بتضعضع ملكهم.
فلما أصبح الجنود بلا سلطان شجاع يقودهم إلى ساحة الوغى وسقطت هيبة السلاطين من أعينهم، أخذوا يشعرون بما لهم من الحول والقوة، وابتدءوا يعزلون ويولون من السلاطين من يشاءون، مبتزين الأموال الكثيرة والأعطية الجزيلة من كل سلطان يقيمونه على العرش؛ فأدى استئثارهم بالسلطة الواسعة التي كانوا يستعملونها حسب أهوائهم إلى الانغماس في الترف والفساد، ففقد جنود الإنكشارية منهم بالتدريج ما كان لهم من الصفات الحربية القديمة، وأصبحوا لا يوثق بهم في ساحة القتال؛ فكان ما يبذل لهم من العطايا عند تولي كل سلطان تفوق قيمته في أعينهم أعظم انتصار لهم في ساحة القتال.
هذا إلى أن الجيش لم يدخل فيه من الإصلاحات ما يجاري به جيوش الممالك الأوروبية الأخرى من استخدام آلات القتال الجديدة والتفنن في الطرق الحربية التي كانت آخذة في التحسن عندهم.
على أن أعظم نقص ظهر في الجيش كان في قواده وضباطه؛ فلم تكن ترقية القواد بحسب الكفاءة الشخصية، بل بحسب ما يبذلونه من الرشوة لولاة الأمور وبطانة السلطان.
وليس غرضنا هنا أن نذكر بالتفصيل حوادث انحطاط الدولة وتدهورها التي هي في الجملة عبارة عن سلسلة هزائم يتخللها بعض انتصارات، وعدة معاهدات صلح تخسر الدولة في كل منها شيئا من أملاكها، ثم سير ملوك وحكام ضعفاء منهمكين في الشهوات، عمي البصيرة، إلا نفرا قليلا نهضوا بالدولة فترات يسيرة؛ وإنما غاية ما نستطيعه هنا هو أن نذكر بالإيجاز أهم الحوادث التي من أجلها انكمشت الدولة الدولة التركية وأصبحت في حجمها الحالي:
بعد سليمان الأكبر تولى الملك ابنه «سليم الثاني» (974-982ه/1566-1574م) وكان ضعيفا لاهيا سكيرا؛ ولذلك لقب بالمجنون.
ولكن النظام الباهر الذي وضع أساسه سليمان ورجال دولته لم يتلاش دفعة واحدة على يد خلفه؛ إذ كان كثير من عمال سليمان لا يزالون بعد أحياء، يدب في نفوسهم ذلك الروح العظيم الذي بثه فيها مولاهم، ونخص بالذكر منهم وزيره «صقلي محمود» الذي لم يأل جهدا في حكم البلاد على طريقة سيده؛ فكان من أعماله أنه أمر «سنان باشا» فأخضع بلاد العرب عام (978ه/1570م).
وبعد ذلك ابتدأ فتح جزيرة «قبرس» وانتزاعها من يد البنادقة، وقام بأمر هذه الحملة «لالا مصطفى» أحد نظراء «صقلي»، وقد كلف فتح هذه الجزيرة الدولة خمسين ألف مقاتل، أحفظت مصارعهم قائدهم مصطفى، فلم يشتف لهم في ساعة النصر إلا بالانتقام من قائد حامية الجزيرة شر انتقام؛ إذ سلخ جلده حيا .
وبهذا الفتح قويت شوكة العثمانيين في البحر، إلا أن ذلك لم يدم طويلا حتى اتحدت عليهم إسبانيا والبابا والبندقية وغيرها - واشترك معهم فرسان القديس يوحنا - في مايو سنة (979ه/1571م)، وكان غرض البندقية من هذا الاتحاد استرداد جزيرة قبرس فقط، غير أن «فليب» ملك إسبانيا أبى إلا أن يجعله تحالفا عاما؛ فتم الاتفاق على أن تكون إسبانيا والبابا والبندقية متحدة جميعا على مغاربة تونس وطرابلس والجزائر والترك، وأن تحمي كل منها أملاك الأخرى، وألا تعقد إحداهن صلحا على انفراد، وأن تعين كل من دول التحالف قائدا لأسطولها، وأن توكل القيادة العامة إلى «دون جون» النمسوي.
ظهر أسطول الحلفاء في 16 سبتمبر سنة 1571 في مياه «مسيني»، ولما وصل إلى «كرفو» بلغه أن الأسطول العثماني في خليج «ليبنتو». وفي سابع أكتوبر كان الأسطولان على مقربة بعضها من بعض في هذا الخليج، وكان أسطول الحلفاء يشمل 264 سفينة ذات حجوم مختلفة بعضها مسلح بأضخم المدافع، تحمل 26000 جندي و50000 مجذف وبحري. أما الأسطول التركي فكان يحتوي على 300 سفينة، وما لا يقل عن 120000 جندي ومجذف، وكان غرض أمير البحر التركي «بيالة باشا» في الموقعة التي نشبت أن يشتت جناحي أسطول خصمه، غير أن هذه الحركة لم تفلح؛ لأن «بربريجو» قائد سفن البندقية في الجناح الأيسر و«أندريا دوريا» في الجناح الأيمن احتميا بالشاطئ، وبعد ذلك نشبت معركة عنيفة خسر فيها الحلفاء خسارة عظيمة. غير أن البنادقة تمكنوا أخيرا من صد عدوهم بعد جرح قائدهم «بربريجو» جرحا مميتا، وقتل القائد التركي محمود «سيركو» - شلوك - الذي كان يهاجمه. وفي غضون ذلك كان قلب الأسطول بقيادة «دون جون» منتصرا بعد كفاح شديد أشبه بالحرب البرية منه بالحرب البحرية، قتل فيه القائد التركي «بيالة باشا» وسلم معظم المراكب التركية أو حطم. أما «علي الألوج» - داي الجزائر - الذي كان متغلبا على ما أمامه من سفن «جنوة»، فإنه لما رأى ما حل بالترك ولى هاربا؛ فتم بذلك النصر للمسيحيين.
Неизвестная страница