История безумия: от древности до наших дней
تاريخ الجنون: من العصور القديمة وحتى يومنا هذا
Жанры
لا يوجد في فرنسا العديد من مصحات الأمراض العقلية الحديثة والنموذجية. فلم يبدأ أثر تنفيذ قانون 1838 في الظهور إلا بعد فترة طويلة من الوقت. كان لا بد من الانتظار حتى صدور مرسوم الخامس والعشرين من مارس 1852 (مرسوم آخر!) والذي يعطي للمحافظين قدرا أكبر من الاستقلالية، وأيضا فترة التوسع الاقتصادي في العقدين التاليين اللذين بدآ مع فترة الإمبراطورية الثانية، كل هذا لنشهد حركة انطلاق حقيقية في إنشاء مصحات الأمراض العقلية.
ويساعد «التقرير العام حول خدمات المرضى عقليا في عام 1874» - الذي قدمه مفتشو الهيئة (كونستانس ولونييه ودوميسنيل) إلى وزير الداخلية في عام 1878 - على قياس التقدم الذي طرأ منذ التصويت على قانون عام 1838. حينه كانت فرنسا تضم مائة وأربع مؤسسات لرعاية المرضى عقليا: ست وأربعون منها خاضعة لإدارة السلطة العامة، وثمان وخمسون تحت إشرافها. هذه الأخيرة كانت إما أماكن للاستضافة (ثماني عشرة)، وإما مصحات خاصة للأمراض العقلية (أربعين؛ منها ثماني عشرة فقط تؤدي دورها كمصحة عامة، أما الباقي فلم تكن تستقبل المواطنين). ويضاف إلى هذه المؤسسات المائة والأربع المصرح بها، مصحات وأماكن استضافة، كانت لا تزال تستقبل المزيد من المرضى عقليا، بالمخالفة للقانون.
كان هناك الكثير من المصحات التي لم تنشأ من العدم، والتي اجتهدت كيفما اتفق في سبيل تنظيم مناطق تصنيف المرضى وفقا للتوسعات والزيادات المستمرة، وبالتالي فإنها كانت تتوسع دون أن تكون هناك خطة كاملة لها من البداية. تلك هي الحال مع أكبر مصحة للأمراض العقلية بفرنسا: كليرمونت في مقاطعة إلواز، والتي كانت تضم ألفا وأربعمائة وخمسة وستين محتجزا في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1874. فإلى جانب مرضى إلواز، كانت تستقبل الكثيرين من مناطق لاسوم، وسين ومارن، وسين وواز وجزءا من مرضى منطقة السين. ويتكون المشفى من مبنى رئيس في وسط المدينة (وهو المبنى الأصلي) وعدة ملحقات زراعية واسعة في الريف (من بينها فيتز-جيمس). ولقد لاقت هذه الملحقات استحسان المفتشين العمومين، على عكس المقر الرئيس بمبانيه القديمة. والأمر كذلك بالنسبة إلى مصحة بون سوفوربكاين: «يمتلك هذا المشفى - المقام على قطعة أرض غير كافية - بعض العناصر الجيدة للغاية: ثلاث أو أربع باحات واسعة، ومهاجع جميلة وغرفا ملائمة للغاية، إلا أن كل هذا كان مكدسا ومتقطعا ومتشابكا، لدرجة أنه لم يكن هناك في الواقع أي تصنيف أو فصل للفئات المختلفة من المرضى عقليا.» في الواقع، فيما يتعلق بالنساء، كان يجب الانتظار حتى عام 1880 لتنشأ أول منطقة خاصة بالمريضات الفوضويات، وحتى عام 1900 لتخصيص منطقة خاصة بالمصابات بالهياج، وأخرى خاصة بالتمريض. أما بالنسبة إلى الرجال، فلم تشهد المناطق المخصصة للمرضى تنوعا في التصنيف إلا ابتداء من عام 1905: منطقة الفوضويين، ومنطقة المصابين بالهياج، ومنطقة المصابين بالصرع، ومنطقة من هم في مرحلة النقاهة، ومنطقة الأطفال، ومنطقة العاملين، وأخيرا منطقة جهاز التمريض (التي تستخدم كمنطقة للمراقبة). ولكن لم تجد المصحات العقلية الخاصة التي أنشئت داخل الأديرة القديمة أي قبول لدى المفتشين، مشاطرين إسكيرول الرأي ذاته؛ ومن ثم، قيل عن المصحة الخاصة بمنطقة كوت دور (دير ديجون سابقا) - على الرغم من التعديلات الهامة التي أجريت عليها - إنها: «لا يمكن اعتبارها مؤسسة جيدة، ومن المشكوك فيه أن تصبح كذلك.»
في الواقع، تعد كل مصحة عقلية حالة خاصة؛ ففي مصحة شير بمنطقة بورج، كانت هناك محاولات لاستخدام ما هو متاح بالفعل، إلا أن عدد المحتجزين - الذي لم يكن يتجاوز الأربعين عام 1839 - زاد ليصل إلى مائتين وأربعة وثلاثين في عام 1873. وعليه كان القرار في العام التالي بإنشاء مصحة جديدة بالكامل (بوروجارد)، ليبدأ العمل بها في عام 1882 وهي لا تزال تحت الإنشاء. وفي مصحة أورن بمنطقة ألنسون، تم البدء في إعادة إنشائها في عام 1841 بناء على خطة رائعة، إلا أن الإنشاءات توقفت. وأبقي على بعض المباني العتيقة، بينما شجعت قلة الأماكن على بقاء الأكواخ والزنازين في مختلف أماكن الاستضافة بالمنطقة. وبحلول عام 1874، كان سيعاد بناء كل شيء في مكان ما خارج المدينة. وفي عام 1893، أنشئت أخيرا وحدة سليمة للعلاج بالمياه (في العام السابق، كانت اللجنة قد لاحظت - بنوع من الفزع - أن عملية الضخ تتم باستخدام أربعة من المختلين يديرون عجلتين هائلتين من داخل قفص مظلم مليء بالرطوبة).
ولقد راقت المصحات العقلية التي أنشئت خصيصى خارج المدن للمفتشين العموميين بصورة واضحة. ومن بين أمثلة عدة، نذكر مصحة برون على بعد خمسة كيلومترات من مدينة ليون التي استغرق إنشاؤها الفترة ما بين 1868 و1875، ولها جناحان منفصلان يتوازيان ويتعامدان على المحور المركزي. وعلى الرغم من قدرتها الاستيعابية التي تتجاوز الخمسمائة (من ألف ومائة وحتى ألف ومائتين)، فإن التصنيف داخلها كان شديد الاقتضاب دون أدنى تعليق من المفتشين: مرضى هادئون وفي مرحلة النقاهة، مرضى ضعفاء ومسنون، مرضى «ثائرون» وفوضويون، وشبه مصابين بهياج. أما إفرو، فهي عبارة عن مبنى واحد يمتد طوله حتى أربعمائة متر، وبدأ بناؤه عام 1858 واستمر حتى عام 1874 دون أن ينتهي تماما. ويعتقد المفتشون أنه «مبنى غاية في الجمال»، على الرغم من أنهم ليسوا من مؤيدي المباني المكدسة. وفي مدينة روان، أنشئ مشفيان للأمراض العقلية جنبا إلى جنب: مشفى سان يون الجديد للنساء، ومشفى كاتر مار للرجال.
ويعد مشفى بايول - الكائن على بعد ثمانية وعشرين كيلومترا من ليل، والذي فتح أبوابه منذ عام 1863 - «أحد أجمل، بل وأفضل، مصحات الأمراض العقلية لدينا وفقا للعديد من التقارير، حتى وإن بدا تصميمه فخما، بل ومغاليا في الفخامة من بعض النواحي.» كان هذا المشفى مخصصا للنساء فقط، ويضم ستمائة وعشرين من المعوزات ومائة وأربعين من النزيلات. ولقد خالف تصنيفهن - في سبيل قدر من التنوع - كل معايير تصنيف الأمراض: نزيلات هادئات، نزيلات مصابات بالهياج وفوضويات، نزيلات هادئات في مرحلة النقاهة ونزيلات في حالة هياج، نزيلات فوضويات، نزيلات شبه هادئات، نزيلات مصابات بالصرع (مع تخصيص أجنحة وغرف للنزيلات الثريات). وتعتمد هذه الاختلافات الضخمة في حجم المؤسسات وتصميمها وتوزيعها وتاريخ إنشائها أو إعادة إنشائها الكلي أو الجزئي على السبل المادية الواقعية أو المتفق عليه لكل منطقة .
عادة ما يكون تاريخ أي مصحة للأمراض العقلية أمرا يتعلق بالأشخاص. كانت هذه هي الحال مع مستشفى أوكسير - الذي انتهى إنشاؤه عام 1858 - وهو نتيجة تعاون وثيق بين كبير الأطباء جيرارد دي كايو، والمحافظ هوسمان بعد تعيينه في منطقة إيون في عام 1850. كانا شديدي التفاهم أحدهما مع الآخر، تملؤهما الحيوية وحب النظام، مفعمين بالطموح الاجتماعي. كان هنري جيرارد كايو - شأنه شأن جميع أطباء الأمراض العقلية - يولي اهتماما كبيرا للعمارة، «التي ينبغي أن تزيل من ذهن المريض فكرة كونه محبوسا»، وتسهل بالتالي تصنيف المرضى وفقا لتوزيع منظم للمباني. ويروي البارون هوسمان في مذكراته: «كانت روح المبادرة والنشاط الحاد لجيرارد سببا كبيرا في نجاح عمله. لم تكن تشغله فكرة أخرى عن عمله، بل ظل يتابعه باجتهاد وإصرار وصبر، متخذا من مرضاه أصحاب الأفكار الثابتة - المختلين الواعين أو العاقلين - مثالا يوميا له. ولهذا كان يطلق عليه على سبيل المداعبة: «كبير المرضى».»
13
ولقد أضفت كتابات جيرارد دي كايو العديدة نوعا من البريق على تأثير المعمار على العلاج. وسرعان ما أعطت الدعاية التي قام بها هذان الرجلان لمبنى أوكسير هذا الطابع النموذجي. كان مشفى النساء هو الوحيد الجديد، بينما ظلت مناطق الرجال تابعة للمباني القديمة المتبقية من المبنى القديم الذي كان قبلا مركزا للتسول ثم تحول إلى مشفى عام. وهكذا كانت الحال مع باقي الإنشاءات الموجودة.
وبعيدا عن هذه الأمثلة لمصحات الريف، تظل منطقة السين أكثر منطقة شهدت أكبر موقع عمل لإنشاء مصحة للأمراض العقلية؛ نظرا للزيادة الكبيرة في عدد سكان العاصمة باريس، وأيضا بسبب نسب الاحتجاز العالية، وهي بدورها مسألة هامة لن نغفلها. في عام 1836، كان هناك ألفان وثلاثمائة وستة مرضى عقليا محتجزين، وبلغ عددهم ثلاثة آلاف وخمسمائة وستة في عام 1856 ... ولم تعد مصحات سالبيتريير وبيستر وشارنتون كافية، على الرغم من التوسعات. فلم تعد شارنتون المؤسسة النموذجية كما كانت وقت إسكيرول. أما بالنسبة إلى بيستر وسالبيتريير، فيشير تقرير عام 1874 أنه إذا لم تكن منطقة السين تمتلك اليوم إلا «هذين المشفيين، فلن تحتل في هذا التقرير سوى مركز متواضع للغاية.» في عامي 1844 و1845، صدر تقرير نشرته جريدة (إيلوستراسيون) حول مصحات الأمراض العقلية بالعاصمة - وكان مليئا بالصور ويسمى (المرضى عقليا في مصحاتنا) - ينتقد بقسوة مصحة بيستر وسالبيتريير، على الرغم من المباني الجديدة بهما: «نصطدم في البداية بالطابع البائس لما هو خارج الزنازين في كلا المشفيين.» وبالنظرة القريبة داخلهما، نجد ما هو أسوأ. وتدعو الجريدة إلى إنشاء «مشفى يبنى خصيصى للمرضى عقليا، وليس مشفى يقام داخل مبان قديمة.»
Неизвестная страница