وقرأت في عصابة أخرى:
ألا بالله قولوا يا رجال
أشمس في العصابة أم هلال «وبعض الغواني المترفات كن يتحلصن سرا من حيث لا يردن المقام، ثم يأتين السوق متواريات عن عيون الرقباء إلى أن يقع سوقهن على أحد من الناس ومواليهن غير عالمين، فيتصرف النخاسون في بيعهن مثل تصرف التجار ببضائعهم.»
هذه الصورة على ضئولتها كبيرة الأدلة على روح ذلك العصر، تلك الروح التي ما كانت تقود خطوات المدنية القائمة فيها إلا إلى الانحلال والفساد، وهل هي إلا صورة روما في آخر عصور مدنيتها حيث كان الرجال يعدون السنين بعدد النساء اللائي اتخذوهم عشيقات، وحيث كان الأبناء لا ينسبون إلى آبائهم، بل إلى أمهاتهم، فيقال ابن فلانة لا ابن فلان!
ذلك الجو الذي حوط بشار بن برد، ما كان ليخرج لنا من الشعر إلا ما وصل إلينا عن بشار، وما كان ليزودنا بشيء من مورد البحث إلا بكل ما يمكن أن يستدل به على عناصر الفساد الذي أخذ يدب في جسم الدولة العباسية في بغداد منذ أول نشأتها إلا قليلا.
ولا تجد في ذلك الجو المعتم إلا مفاسد وشهوات ضالة مضلة، ما كانت لتؤثر في شيء بقدر تأثيرها في الروابط الاجتماعية التي تكون الأسرة، وهي ساندة البناء الاجتماعي، وأول ركيزة في قيام المدنيات؟
ولعمرك لو أردت أن تبحث في نظام الأسرة إذ ذاك وتمشيت من ثم إلى البحث في أخلاق المرأة التي تريد، وما أرادت في كل الأزمان المتمدينة إلا أن تستقل برجل تهبه من عواطفها بقدر ما يهبها من عواطفه، ويخصها من حبه بقدر ما تخصه من حبها ، ألا ترى معي بحق أن نظام الأسرة كان بائرا، وأن رابطة المجتمع القائم عليها كانت مفصومة، وأن الحياة إذا ذاك كانت عبارة عن نسيج مفكك الأوصال، لم يرأب صدوع الاجتماع فيه نظام مدني، ولم يقم فيه للمرأة من وزن، اللهم إلا بمقدار ما ترضى في الرجل من شهوات هي أحط ما أخرجت الطبيعة من فاسد عناصرها في الحياة؟ وهل من المستطاع أن تتكون أسرة متلائمة العواطف متناسقة الآداب، وقد تحكمت فيها الإماء اللواتي كن لا يعشن إلا متطفلات على شهوات الرجال، متضاربة مراميهن، متنافرة مصالحهن، متناثرة حول الشهوة رغباتهن، متضائلة بجانب الرذيلة فضائلهن، مركزة حول البغض والحسد أفكارهن، قريبات من الإثم، بعيدات عن التقوى، هائمات جامحات شاردات، ما من حاجة لهن في الحياة، وما من مطمع في الدنيا سوى إرضاء أفسد ما انطوت عليه نفس الرجل من الصفات؟ وأنت بعد، هل تجد للرجل من مجال ينمي من صفات الرجولة فيه إلا معهده المنزلي؟ فكيف به وهو لا يرى إلا صور الخنوثة قائمة من حوله، تزكي فيه مواضع الفساد ، مقصية به عن مواضع العفة والشرف، نازلة به إلى الحضيض، هابطة به إلى الدنى والمفاسد، سالبة منه شرة الرجولة، قاتلة فيه صفات الذكورة الصميمة؟
هذه الصورة تتحيز في ذهني وتظل شديدة الأثر فيه كلما فكرت في عصر بشار بن برد، وكلما فكرت في العصر العباسي من ناحيته الأخلاقية، على أنك إن فكرت في العصر العباسي من حيث الأدب لوجدت فيه مناقص وكمالات شأن كل الأعمال الإنسانية، على أن أنقص ما أراه فيه نزعة الأدباء إلى المنابذة بالألقاب والأنساب، وجنوحهم إلى المفاضلة بين الشعراء أو الكتاب، وهي ظاهرة أقل ما فيها أنها تدل على انصراف عن الأدب الحقيقي على الوجه الأكمل إلى أشياء لا تضر إن تركت، ولا تفيد إذا ذكرت، بل أنها فوق ذلك من مواضع الضعف في فنون الأدب، وفي الصناعات الأدبية، قال الرواة: إن أحسن الناس ابتداء في الجاهلية امرؤ القيس حيث يقول:
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي
وحيث يقول:
Неизвестная страница