388

وانتهزت العرب بذلك السبب الفرصة من الانتقام من سابور وما كان من قتله العرب واجتمع في عسكر لليانوس من العرب مائة ألف وسبعون ألف مقاتل فوجههم مع رجل من بطارقة الروم بعثه على مقدمته يسمى يوسانوس وإن لليانوس سار حتى وقع ببلاد فارس وانتهى إلى سابور كثرة من معه من جنود الروم والعرب والخزر فهاله ذلك ووجه عيونا تأتيه بخبرهم ومبلغ عددهم وحالهم في شجاعتهم وعيثهم فاختلفت أقاويل أولئك العيون فيما أتوه به من الأخبار عن لليانوس وجنده فتنكر سابور وسار في أناس من ثقاته ليعاين عسكرهم فلما اقترب من عسكر يوسانوس صاحب مقدمة لليانوس وجه رهطا ممن كان معه إلى عسكر يوسانوس ليتحسسوا الأخبار ويأتوه بها على حقائقها فنذرت الروم بهم فأخذوهم ودفعوهم إلى يوسانوس فلم يقر أحد منهم بالأمر الذي توجهوا له إلى عسكره ما خلا رجلا منهم أخبره بالقصة على وجهها وبمكان سابور حيث كان وسأله أن يوجه معه جندا فيدفع إليهم سابور فأرسل يوسانوس حيث سمع هذه المقالة إلى سابور رجلا من بطانته يعلمه ما لقي من أمره وينذره فارتحل سابور من الموضع الذي كان فيه إلى عسكره وإن من كان في عسكر لليانوس من العرب سألوه أن يأذن لهم في محاربة سابور فأجابهم إلى ما سألوه فزحفوا إلى سابور فقاتلوه ففضوا جمعه وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب سابور فيمن بقي من جنده واحتوى لليانوس على مدينة طيسبون محلة سابور وظفر ببيوت أموال سابور وخزائنه فيها فكتب سابور إلى من في الآفاق من جنوده يعلمهم الذي لقي من لليانوس ومن معه من العرب ويأمر من كان فيهم من القواد أن يقدموا عليه فيمن قبلهم من جنوده فلم يلبث أن اجتمعت إليه الجيوش من كل أفق فانصرف فحارب لليانوس واستنقذ منه مدينة طيسبون ونزل لليانوس مدينة بهأردشير وما والاها بعسكره وكانت الرسل تختلف فيما بينه وبين سابور وإن لليانوس كان جالسا ذات يوم في حجرته فأصابه سهم غرب في فؤاده فقتله فأسقط في روع جنده وهالهم الذي نزل به ويئسوا من التفصي من بلاد فارس وصاروا شورى لا ملك عليهم ولا سائس لهم فطلبوا إلى يوسانوس أن يتولى الملك لهم فيملكوه عليهم فأبى ذلك وألحوا عليه فيه فأعلمهم أنه على ملة النصرانية وأنه لا يلي ناسا له مخالفين في الملة فأخبرته الروم أنهم على ملته وأنهم إنما كانوا يكتمونها مخافة لليانوس فأجابهم إلى ما طلبوا وملكوه عليهم وأظهروا النصرانية

وإن سابور علم بهلاك لليانوس فأرسل إلى قواد جنود الروم يقول إن الله قد أمكننا منكم وأدالنا عليكم بظلمكم إيانا وتخطيكم إلى بلادنا وإنا نرجوا أن تهلكوا بها جوعا من غير أن نهيئ لقتالكم سيفا ونشرع لكم رمحا فسرحوا إلينا رئيسا إن كنتم رأستموه عليكم فعزم يوسانوس على إتيان سابور فلم يتابعه على رأيه أحد من قواد جنده فاستبد برأيه وجاء إلى سابور في ثمانين رجلا من أشراف من كان في عسكره وجنده وعليه تاجه فبلغ سابور مجيئه إليه فتلقاه وتساجدا فعانقه سابور شكرا لما كان منه في أمره وطعم عنده يومئذ ونعم

وإن سابور أرسل إلى قواد جند الروم وذوي الرياسة منهم يعلمهم أنهم لو ملكوا غير يوسانوس لجرى هلاكهم في بلاد فارس وأن تمليكهم إياه ينجيهم من سطوته وقوي أمر يوسانوس بجهده ثم قال إن الروم قد شنوا الغارة على بلادنا وقتلوا بشرا كثيرا وقطعوا ما كان بأرض السواد من نخل وشجر وخربوا عمارتها فإما أن يدفعوا إلينا قيمة ما أفسدوا وخربوا وإما أن يعوضونا من ذلك نصيبين وحيزها عوضا منه وكانت من بلاد فارس فغلبت عليها الروم

فأجاب يوسانوس وأشراف جنده سابور إلى ما سأل من العوض ودفعوا إليه نصيبين فبلغ ذلك أهلها فجلوا منها إلى مدن في مملكة الروم مخافة على أنفسهم من ملك الملك المخالف ملتهم فبلغ ذلك سابور فنقل اثني عشر ألف أهل بيت من أهل إصطخر وإصبهان وكور أخر من بلاده وحيزه إلى نصيبين وأسكنهم إياها وانصرف يوسانوس ومن معه من الجنود إلى الروم وملكها زمنا يسيرا ثم هلك

Страница 401