Египетские и западные переводы
تراجم مصرية وغربية
Жанры
وكذلك جعل من أوربا ميدان نشاطه السياسي فكان يقضي فيها معظم شهور السنة متنقلا بين عواصمها متحدثا إلى رجال الصحافة والسياسة فيها داعيا إياهم ليستوفوا إنجلترا وعودها بالجلاء عن مصر متحدثا عن المصريين تارة وعن المسلمين طورا، كل ذلك في لهجة أدنى إلى الاعتدال وإن وصفها الإنجليز بالتطرف، وقد بقيت من أساليبه في الدعاية السياسية إذ ذاك تلغرافات الاحتجاج على ضرب الإسكندرية وغير ضرب الإسكندرية من الحوادث التي أدت إلى الاحتلال البريطاني لمصر، لكن السياسة الإنجليزية من جانبها كانت جادة في السعي لتحقيق ما أفضى به الكولونيل بارنج إلى مصطفى كامل مما نشره في يناير سنة 1895.
فكانت الحملة لاسترداد السودان واسترداده بالفعل وعقد اتفاقية 19 يناير سنة 1899 وفتور الدول وفي مقدمتها فرنسا عن القيام بأي سعي جدي لمناوأة إنجلترا في مصر، ولكن ذلك لم يفت في عضد مصطفى كامل، ولم يضعف من نشاطه وإقدامه، وإن يكن قد دعاه أو دعا الذين يعمل معهم للتفكير في وسائل أخرى، وكان الالتجاء إلى الباب العالي بعض هذه الوسائل.
ولعل التفكير في هذا الالتجاء كان من أثر انتصار الدولة العلية في الحرب البلقانية، وفي هذه الأثناء كثر تردد مصطفى كامل على الأستانة وازداد إعجاب السلطان عبد الحميد به، فأنعم عليه في سنة 1899 برتبة المتمايز ثم بالرتبة الأولى، وذلك في ظرف شهرين اثنين كما أنعم عليه برتبة الباشوية بعد ذلك بسنين قلائل.
ولم يكن في مقدور تركيا أن تقاوم إنجلترا في مصر أكثر مما تقاومها أية دولة من الدول الأوربية، وهذه الظروف مجتمعة دعت مصطفى كامل والذين يعمل معهم ليروا عقم سياسة الاقتصار على نشر الدعوة في أوربا وحدها والاعتماد على الدول لإجلاء إنجلترا عن مصر، وليفكروا في استنهاض الشعب المصري نفسه بالتعليم وبدعوته لتقدير عزته القومية وكرامته الوطنية، وبهذه الفكرة تأسست مدرسة مصطفى كامل في سنة 1899 وصدرت جريدة اللواء في 2 يناير سنة 1900، ومن ذلك الحين قامت سياسة مصطفى على أساس من توثيق عرى روابط مصر بتركيا باعتبارها الدولة المتبوعة من جهة والدولة الإسلامية القوية التي يمكن أن تتجه الشعوب الإسلامية لها بالرجاء من جهة أخرى، أما فيما يتعلق بسائر الدول الأوربية فقد ضعف رجاؤه فيها، وإن ظل مستمسكا منه بخيوط لعلها كانت بقية ذلك الأمل القوي القديم الذي جعله يرفع صوته عاليا خمس سنوات تباعا في عواصم أوربا، أو لعلها الحرص الطبيعي في الإنسان على ألا ينكر شيئا من ماضيه، أما سياسته في استنهاض الشعب المصري فكانت تقوم على غرس الكراهية في نفوس المصريين للإنجليز وحكمهم مصر وملء النفس المصرية بالإيمان بحق الوطن وبالتفاني في محبته والإخلاص له وبالأمل دائما في ثمرة السعي الصالح لفائدته.
وعجيب مع ذلك كله، ومع أن مصطفى كامل كان ذكيا جريئا، ومع أنه أمضى ما أمضى من السنين في أوربا، ومع إعجابه بالمدنية الأوربية إعجابا تكرر ذكره في كتبه ورسائله؛ عجيب مع ذلك أنه كان رجعيا في دعوته الاجتماعية، فلقد ظهر كتاب المرحوم قاسم أمين عن تحرير المرأة في سنة 1899، وكان منطقيا أن يلقى التأييد الحار من جريدة الزعيم الشاب أول ظهورها في يناير سنة 1900، لكن الأمر كان على نقيض ذلك، فقد كان اللواء خصما لدودا لقاسم أمين ولأفكاره وكان ميدانا لأشد المطاعن عليه، وظل اللواء كذلك في شأن الإصلاحات الاجتماعية كلها محافظا بل رجعيا مستمسكا بالقديم أشد الاستمساك، ولئن جاز لنا أن نعلل خصومته لقاسم أمين بما لقيه قاسم من تجهم الخديو له تجهما حرم عليه وهو مستشار بمحكمة الاستئناف أن يدخل القصر، فإن تعليل رجعية اللواء في الشئون الاجتماعية قد يبدو عسيرا إلا إذا كانت العلة هي بعينها التي دعت الأمير ورجاله للوقوف في وجه قاسم وأفكاره، هذه العلة في رأينا هي تمليق الشعب فيما هو عزيز عليه من عادات وأوهام لاستغلاله في الغايات السياسة التي يريد الأمراء والملوك استغلاله فيها، وتلك هي علة تمليق الأمراء والملوك والدعاة السياسيين لرجال الدين لأنهم حفظة هذه العادات والأوهام، فلو أن عباسا أو لو أن مصطفى كامل عضد قاسما في رأيه في تحرير المرأة لأدى ذلك لفتور الشعب عنهم وتردده في اتباعهم، ولو أن عباسا أو لو أن مصطفى كامل أراد أن يهز أوهام السواد في الناحية التي تعرض الشيخ محمد عبده لهزها لفتر الشعب كذلك وتردد، والداعية السياسي تاجر يزن الأمور والحقائق بنتائجها لا بقيمتها الصحيحة ولا بما تحتويه، وما دام غرس كراهية الاحتلال البريطاني في نفوس المصريين وملء قلوبهم بالإيمان الوطني يعوق سبيل الدعوة للإصلاح الاجتماعي فليكن الداعية السياسي، وليكن الأمير محافظا بل رجعيا بل عدوا ظاهرا محاربا لكل فكرة حرة.
ونجحت دعوة مصطفى كامل أعظم نجاح، ذلك بأن نفوس الشباب في مصر كانت متعطشة إلى نغمة جديدة تحيي فيها الأمل بحياة عزيزة، وكانت هذه النغمة قد اختفت منذ الحوادث العرابية إلى أن جاء مصطفى كامل، وبرغم وجود كثيرين ذوي مقدرة لا تقل عن مقدرته وذوي تفكير أنضج من تفكيره، فلم يكن أحد منهم في إقدامه ولم تكن حمية الشباب ملتهبة في نفس هؤلاء التهابها في نفسه، وعاون على نجاحه أسلوب جديد في الخطابة لم يكن مألوفا من قبل، هو الأسلوب الوجداني الذي امتازت به خطابات الثورة الفرنسية، هذا الأسلوب المعتمد على الجمل الضخمة التي تندفع بها المجاميع من غير روية عادة إلى الغاية التي يريدها الزعماء، «لا معنى للحياة مع اليأس، ولا معنى لليأس مع الحياة»، «بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي، لك حياتي ووجودي، لك دمي ونفسي، لك عقلي ولساني، لك لبي وجناني، فأنت أنت الحياة، ولا حياة إلا بك يا مصر»، «لو انتقل قلبي من الشمال إلى اليمين ... إلخ»، بهذا الأسلوب الوجداني وبقوته الخطابية النادرة المثال وبمخاطبته شعور الشبيبة وباستنهاضه همتها وبأناشيده عن الوطن ومحبته وارتقائه، بذلك كله استطاع الزعيم الشاب أن ينهض بأعباء دعوته مؤيدا من الخديو عباس وأصدقائه بادئ الأمر، شاعرا بقوته بعد ذلك، ممليا إرادته على الذين كانوا يملون من قبل عليه إرادتهم، مستأثرا بكل أمر وبكل رأي، مطاعا من كل أنصاره وأتباعه الذين لم يتسام واحد منهم ليتطلع إلى مثل مكانته، متقدما دائما إلى الأمام يتبعه شباب الأمة كلها، رافعا بذلك علم النهضة مرددا نشيد الأمل في المجد والعظمة بصوت تهتز له الأفئدة وتخفق له الجوانح فلا تعرف الخطر ولا تأبه له ولا تشعر باقترابه بل بوقوعه.
بإزاء هذه الحركة الوطنية المتدفقة حرارة وإيمانا لم يكن لإنجلترا إلا أن تضاعف المجهود لبلوغ غاياتها السياسية في مصر، ولم يكن لورد كرومر ممثلها في مصر يومئذ بالرجل الذي يستهان به، فحارب هذه الحركة وطعنها من جانبين: اتهمها بالتعصب الإسلامي ليستثير أوربا المسيحية، واتهمها بالعداوة للأجانب ليؤلب الدول في صف إنجلترا، وما أيسر ما تصدق الأذن الأوربية كلمة التعصب الإسلامي وعداوة المصريين المسلمين للأجانب المسيحيين؛ لذلك أنفق مصطفى كامل كثيرا من جهوده في مصر وفي أوربا لنفي التهمتين، وكان من ذلك أن أنشأ جريدتين في مصر إحداهما فرنسية والأخرى إنجليزية، على أن إنجلترا لم تقف من مجهوداتها عند هذا الحد، بل واصلت المسعى السياسي حتى عقدت الاتفاق الودي مع فرنسا في 8 يناير سنة 1904 وبه حصلت على إطلاق يدها في مصر على ألا تغير نظام مصر السياسي، وأقرت ألمانيا والنمسا هذا الاتفاق، فأقرت الدول الثلاث بذلك معاهدة السودان التي عقدت في سنة 1899، وبهذا الاتفاق الودي انهار ركن من أهم أركان سياسة مصطفى كامل، بل انهار مجهوده منذ سنة 1895 إلى سنة 1900 حين كان كل عمله التجوال في عواصم أوربا لاستفزاز دولها كي يقتضوا إنجلترا تنفيذ وعودها بالجلاء عن وادي النيل.
والواقع أن هذا الحادث صدم المصريين يومئذ صدمة قوية، فرنسا هذه التي طالما علقت مصر عليها الآمال، فرنسا التي رفعت البلايا عن شعوب تهزها ذاكراها، فرنسا محررة الأمم ومعلنة حقوق الإنسان والمنادية بالحرية والإخاء والمساواة، هي التي تمضي الاتفاق الودي تؤيد به سياسة الاستعمار، فتترك إنجلترا تطلق يدها في مصر مقابل ترك إنجلترا إياها تطلق يدها في مراكش! يا لخيبة الأمل! وأين إذا محل الرجاء؟!
لكن «لا معنى للحياة مع اليأس، ولا معنى لليأس مع الحياة» فلنجاهد، واستمر مصطفى كامل في جهاده، وما يزال له في دولة الخلافة بعض الرجاء وما تزال دعوة الشعوب الإسلامية للالتفاف حول دولة الخلافة كوسيلة لتحررها محور دعوته، فلما كانت أوائل سنة 1906 حدث ما زعزع من رجاء مصر في الدولة العلية هي الأخرى، ذلك أن أعادت تركيا الخلاف الذي أحدثته حين تبوأ عباس عرش أبيه في سنة 1892 بأن أرادت أن تخرج شبه جزيرة سينا من الأراضي المصرية، فوقفت إنجلترا وأصرت على أن تكون حدود مصر هي المبينة في الفرمان الذي أصدره السلطان لإسماعيل باشا في سنة 1873، وقد قبلت تركيا ذلك في تلغراف أرسله الباب العالي في 8 يناير سنة 1895، لكنها أرادت أن تفسر هذا التلغراف في سنة 1906 تفسيرا خاصا فتجعل حدود مصر تنحدر من رفح إلى السويس فإلى العقبة، فوقفت إنجلترا مرة أخرى، ولما احتلت القوة التركية طابة، وهي قرية على مقربة من العقبة داخلة ضمن الحدود المصرية، خاطب السير إدوارد جراي وزير الخارجية البريطانية إذ ذاك سفير تركيا في لندرة بما معناه: أن قوات الإمبراطورية على استعداد لتأييد مركز إنجلترا في مصر. وقد استمرت المشادة في هذا الموضوع بين تركيا وإنجلترا زمنا وقف في أثنائه مصطفى كامل بجانب تركيا يدافع عن مطالب دولة الخلافة جهد طاقته، على أن تركيا انتهت آخر الأمر بالتسليم بمطالب إنجلترا، فكانت هزيمة مسقطة لكل أمل في معونة تركيا، وكذلك تداعى الركن الثاني من أركان الدعوة التي كان مصطفى كامل قائما بها.
ولقد كان من شأن تداعي هذه الأركان واحدا بعد واحد أن يكشف عما تستره هذه السياسة من الخيال، على أن حادثا جديدا وقف فيه مصطفى كامل موقف المدافع عن العدالة والإنسانية بمعناها الصحيح ستر ما انكشف من فساد الاعتماد على أوربا وعلى الباب العالي، ذلك هو حادث دنشواي، فقد خرج جماعة من الضباط والعساكر الإنجليز من القاهرة قاصدين الإسكندرية فمروا في طريقهم بقرية دنشواي فنزلوا لصيد الحمام بأجرانها، واعترضهم الأهالي وحدث تصادم انتهى بجرح أربعة من المصريين بينهم امرأة وبإصابة بعض الضباط الإنجليز إصابة فر من جرائها أحدهم الكابتن بول فأصابته ضربة شمس مات متأثرا بها.
Неизвестная страница