التقية أساس دين الشيعة الإمامية

Арефа Тантави d. Unknown

التقية أساس دين الشيعة الإمامية

التقية أساس دين الشيعة الإمامية

Жанры

ملخص البحث فهذا بحث لطيف مختصر وسمه جامعه بـ " التَّقِيَّةِ أَسَاسِ دِيِن الشِّيعَةِ الإِمَامِيَّةِ"، وهو مكون من فصلين. أما الفصل الأول: فقد تناول فيه الباحث بيان معنى ومفهوم "التَّقِيَّةِ" في اللغة والاصطلاح لينجلي معناها ويتضح للقارئ مبناها وفحواها، ثم بيَّن مفهوم التَّقيّة عند علماء أهل السنة وعلماء الرافضة. وأما الفصل الثاني: فقد بيَّن فيه أن التَّقيّة أصل من أصول دين الرافضة، ثم بين عِظَمَ مكانتها في دينهم، وأن الكرامة عندهم لا تتحقق إلا بها، ثم نقل نصوصًا من مصادرهم الأصلية تدلل على غلوهم فيها واستدل على ذلك بقول أحد معاصريهم، ثم ختم البحث ببيان مفهوم المداراة والمداهنة في اللغة والاصطلاح مبينًا الفرق بينهما حتى لا يختلط الأمر على القارئ ولتتضح العلاقة بينهما وبين التَّقيّة من جهة أخرى. المقدمة الحمد لله الذي نهى عباده عن النفاق ونفرهم من مساوئ الأخلاق، وأمرهم باجتماع الكلمة وحذرهم من الشقاق، ورغبهم في كل ما لهم فيه وفاق، لتجتمع كلمتهم بلا تنافر ولا تناحر ولا انشقاق، ولتصبح أرواحهم دائما في تقارب وعناق.

75 / 7

وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، أمر عباده المؤمنين بالاعتصام بحبله المتين وعدم الافتراق، فكان من حكمته وعدله وسنته في خلقه افتراق الخلق إلى مؤمنين صادقين، وإلى أهل شقاق ونفاق، لتجري سنتُه بفضله ورحمته وحكمته وعدله في خلقه، فيثيب من استجاب لأمره من أهل طاعته بفضله ورحمته، ويجازي بحكمته وعدله أهلَ معصية ممن أعرضوا عن أمره وتنكبوا الصِّراط ولم يجعل لهم في الآخرة من خَلَاق. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه اللهُ ليتمِّمَ صالح الأخلاق (^١)، حذَّر أمته من كل آيات النفاق، وشدَّد في تحذيره من مساوئ الأخلاق، وقد بَلَّغَ عن ربه أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ليذوقوا كل أشكال العذاب وأشد أنواع الاحتراق، فمَا لَهُمْ بعد ذلك مِنَ عذاب اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ ولا وَاقٍ. ومما ينبغي أن يُعْلمَ أن الرافضة قد بنوا دينهم على عقيدة باطنية خبيثة تحمل الحقد المجوسي الدفين على أهل الإسلام فكانوا بذلك في طليعة أهل النفاق، ولما أسسوا دينهم على النفاق أسموه بـ "التَّقِيَّةِ" ليحققوا مآربهم ومطامعهم بكل صورة ممكنة ولو أصابوا من أهل الإسلام كل دم مهراق، وقد خرجوا على أمة الإسلام بتلك العقيدة ليحدثوا فيها الشقاق، فعقولهم وقلوبهم مسمومة ما لها من ترياق، فيوم الفراق لن تجد لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا ولا لدائهم من راق، فإذا اشتد عليهم الأمر والكرب والتلفت الساق بالساق فلا محيص لهم يومئذ لأن مصيرهم إلى الله، فإليه المرجع والمآب وإليه المساق. ونسأل اللهَ الثبات على الإسلام والسنة، وأن يحشرنا مع أهلها - أهل الإحسان والوفاق-، وأن يجانبنا ويجافي بيننا وبين أهل المفارقة والشقاق، أهل النفاق وانعدام الأخلاق. وبعد خطة البحث وقد ضمَّن الباحثُ بحثَه خطة بحث مكونة من فصلين، وكل فصل يندرج تحته عدد من المباحث، وكل مبحث يندرج تحته عدد من المطالب، وقد بيَّن فيه ما يلي: أولًا: أهمية موضوع البحث ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه خامسًا: منهج البحث سادسًا: خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة. سابعًا: مجموع الفهارس: وخطة البحث تشتمل على فصلين على النحو التالي: الفصل الأول تعريف التَّقيّة وفيه مبحثان: المبحث الأول: بيان مفهوم معنى التَّقيّة وفيه مطلبان: المطلب الأول: مفهوم التَّقيّة في اللغة

(^١) - وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كُثُر منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ ". والحديث أخرجه أحمد: (٨٩٣٩)، والبخاري في (الأدب المفرد): (٢٧٣) واللفظ لهما، والبزار: (٨٩٤٩) باختلاف يسير.، وصححه الألباني في صحيح الجامع: (٢٨٣٣). وفي رواية " إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ "، السلسلة الصحيحة: (٤٥).

75 / 8

المطلب الثاني: مفهوم التَّقيّة في الاصطلاح المبحث الثاني: التَّقيّة عند علماء أهل السنة وعلماء الرافضة وفيه مطلبان: المطلب الأول: مفهوم التَّقيّة عند علماء أهل السنة المطلب الثاني: مفهوم التَّقيّة عند علماء الرافضة الفصل الثاني التَّقيّة عند الرافضة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التَّقيّة أصل من أصول دين الرافضة وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: مكانة التَّقيّة عند الرافضة المطلب الثاني: لا تتحقق الكرامة عند الرافضة إلا بالتَّقيّة المطلب الثالث: غلو الرافضة في التَّقيّة المطلب الرابع: نقض القول بـ "التَّقيّة" في قول أحد معاصري الرافضة المطلب الخامس: استعمال الرافضة التَّقيّة مع أهل السُّنَّة خاصَّة المبحث الثاني: مفهوم المداراة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: مفهوم المدَاراة في اللغة المطلب الثاني: مفهوم المدَاراة في الاصطلاح المطلب الثالث: ماذا تعني المداراة المطلب الرابع: فوائد المدَاراة المبحث الثالث: مفهوم المداهنة وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: مفهوم المداهنة في اللغة المطلب الثاني: مفهوم المداهنة في الاصطلاح المطلب الثالث: حكم المداهنة شرعًا المطلب الرابع: العواقب الوخيمة المترتبة على المداهنة المطلب الخامس: الفرق بين المداراة والمداهنة منهجية البحث أولًا: أهمية موضوع البحث إنه لمَّا كان دين الرافضة مبني على الكذب والزور والبهتان والمخادعة وقد غلَّفوه بغلاف " التَّقيّة " وبطَّنوه به ليُستساغ ويُقْبل عند عوام المسلمين، كان لابد وحتمًا ولزامًا على أهل السنة تجديد البحث في بيان هذا الأصل الأصيل الذي بنى عليه الشيعة الاثني عشرية دينهم والتحذير منه لكشف عوار دينهم وفضح مخططاتهم لنشر دينهم الباطني الخبيث، والحد من تمددهم للإفساد في الأرض بنشر الشرك وطقوس دين المجوس، وإفساد الأخلاق بالمتعة، وسفك وإراقة دماء

75 / 9

المسلمين من أهل السنة، والتآمر مع كل ملل الكفر لاحتلال أراضيهم والسطو على أموالهم ونهب خيرات بلادهم. فليس شيء أضرّ على الإسلام من الرافضة، ومن قرأ التاريخ عَرَف ذلك. فمن أسقط الخلافة العباسية سواهم؟ ومن جرّأ المغول على سفك دماء المسلمين في بغداد وسائر البلاد الإسلامية إلاّ هم؟ ومن روّع الحجاج وقطع عليهم الطريق - من سنة ٣١٣ - ٣١٧ هـ - سوى القرامطة الرافضة؟ ومن قتل الحجيج وردم بئر زمزم بجثث القتلى - سنة ٣١٧ هـ - غيرهم؟ ومن اقتلع الحجر الأسود من الكعبة وسرقه سوى القرامطة الرافضة؟! وما حصل في مكة - شرّفها الله - منهم عام ١٤٠٧ هـ من ترويع للحجاج وقتل لبعضهم عنّا ببعيد! وما حصل في مخيّمات الفلسطينيين من قِبل حركة أمل الرافضية. وما يحصل الآن في العراق وسوريا ولبنان واليمن من تقتيل لأهل السنة. (^١) لذا فإن التعايش مع الروافض أمر محال لأنهم غير مأموني العواقب أبدًا وتاريخهم الدموي وغدرهم وخيانتهم للمسلمين عبر التاريخ تشهد له صفحاتهم السوداء، لأنهم أمة غدر وخيانة وخسة ودناءة، ولأنهم أمة شقاق ونفاق وفساد دين وانعدام أخلاق. وفي نحو ذلك يقول الإمام الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: لا أمانة لرافضي قط على من يخالفه في مذهبه ويدين بغير الرفض، بل يستحل ماله ودمه عند أدنى فرصة تلوح له؛ لأنه عنده مباح الدم والمال، وكل ما يظهره من المودة فهو تَقيّة يذهب أثره بمجرد إمكان الفرصة. (^٢) ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها الدراسة الأولى: التَّقيّة عند الخوارج وموقف أهل السنة منها، تأليف: عبدالرحمن، فتحي محمود محمد، المصدر: حولية كلية اللغة العربية بجرجا، الناشر: جامعة الأزهر- كلية اللغة العربية بجرجا، المجلد/ العدد: ع ٢١، ج ١، الدولة: مصر، سنة: ١٤٣٨ هـ-٢٠١٧ م. وصف هذه الدراسة: كشف البحث عن التَّقيّة عند الخوارج وموقف أهل السنة منها، وذلك باستخدام المنهج التحليلي. وتطرق البحث إلى التعريف بمصطلحات التَّقيّة، والخوارج، وأهل السنة، لغة واصطلاحًا، ثم أشار إلى آراء وأقوال الخوارج في التَّقيّة والمتمثلة في القول بعدم جواز التَّقيّة وأدلتهم، والقائلون بجواز التَّقيّة وأدلتهم، والقائلون بجواز التَّقيّة في القول دون العمل، والخوارج الذين توقفوا في التَّقيّة. كما أوضح موقف أهل السنة من التَّقيّة من حيث التَّقيّة

(^١) - هل الرافضة أو الشيعة كفار؟، عبد الرحمن السحيم، عن موقع مشكاة. (^٢) - يُنظر: أدب الطلب: (ص ٧٠ - ٧١).

75 / 10

ومشروعيتها عند أهل السنة وأدلة مشروعية العمل بها، وشروط جوازها التي تتمثل في أن يكون هناك خوف من مكروه، وأن تكون مع الكفار الغالبين، وأن يعلم أنه إن نطق بالكفر ونحوه تقيّة يترك بعد ذلك، وألا يكون للمكلف مُخلص من الأذى إلا بالتَّقيّة، وأن يكون الأذى المخوف وقوعه مما يشق احتماله، كما ناقش أقسام التَّقيّة والحكمة من مشروعيتها. وجاءت خاتمة البحث موضحة أن التَّقيّة عند أهل السنة والجماعة لا تكون إلا للضرورة عند تحقق الخوف من الكفار وغيرهم، وأنها مع هذا رخصة تركها أفضل وبشرط أن لا يرجع ضررها إلى غير صاحبها وأنها باللسان لا بالقلب. (^١) الدراسة الثانية: التَّقيّة عند الشيعة والخوارج وموقف أهل السنة منها، رسالة ماجستير، للباحث: أنس أحمد كرزون، صادر عن قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، بالمملكة العربية السعودية، سنة: ١٤٠٩ - ١٩٨٩ م. وصف هذه الدراسة: تحدث فيها الباحث عن الأصول العامة لحكم للإسلام في التقيّة، ثم تكلم عن بعض المفاهيم التي لها تعلق بالتقيّة كالولاء والبراء، ثم تحدث عن التقيّة ومفهومها عند علماء أهل السنة، ثم تكلم عن الإكراه وشروطه وأقسامه، ثم عرَّج على أحكام التَّقيّة، ثم بيَّن الحد الذي يجوز معه استخدامها، ثم تكلم عن التَّقيّة في الأقوال والأفعال، ثم تكلم عن التَّقيّة والفرق بينها وبين ما يشابهها من المداراة والمداهنة والمعاريض والخدعة في الحرب، ثم بين أثر استخدام التَّقيّة في المجتمع الإسلامي، ثم شرع في الكلام عن التَّقيّة عند الشيعة، فعرفها عندهم، ثم بين عقائدهم فيها، وذكر طرفًا من مجالات التَّقيّة عنهم في الرواية والفقه، ثم ذكر الآثار السيئة لتك العقيدة الباطنية، ثم ختم ببيان أثر التَّقيّة على دعوى التقريب بين السنة والشيعة. الدراسة الثالثة: التَّقيّة والمداهنة والمداراة في القرآن الكريم: "دراسة تحليلية موضوعية"، رسالة ماجستير، تأليف: أبو عائش عبد المنعم إبراهيم، تقديم: المحمدي بن عبد الرحمن عبد الله الناشر: مكتبة أولاد الشيخ للتراث السلسلة: رسائل جامعية، تاريخ النشر: ٠١/ ٠١/ ٢٠١٠ م، ط ١، مجلد: ١. وصف هذه الدراسة: هذا البحث وإن كان يعالج قضية "التَّقيّة والمداهنة والمداراة في القرآن الكريم" (^٢)، غير إنه له تعلق عام بموضوع بحثنا، وإن التوسع في مدارسة وبحث موضوع التَّقيّة أمر جليل القدر وعظيم الشأن لتعلقه بقضية

(^١) - كُتب هذا الوصف من قِبل دار المنظومة: ٢٠٢١ م. (^٢) -هذا البحث لم يقف عليه الباحث وعليه جرى التنبيه.

75 / 11

عقدية خطيرة أسس عليها الشيعة الاثني عشرية دينهم الباطني الخبيث، حتى وإن كان كل باحث يتناول هذه الموضوع الهام من جانب ويعالج فيه جوانب فلا حرج فيه البتة، بل هو من الأمور التي يجب أن تتضافر حولها جهود الباحثين الغيورين على دين الإسلام ومنهج أهل السنة الكرام. ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث إن من أعظم الدوافع لاختيار هذا موضوع هذا البحث هو كشف عوار وباطل دين الرافضة نصحًا لعموم المؤمنين، وتحذيرًا لعوام المسلمين من خطورته، وفضح نفاقهم المبطَّن بـ" التَّقيّة ". لأنَّ مِنْ أعظم المنكرات خطرًا، وأفْسدها للإيمان، وأضرّها على الدِّين، فتنةَ الشيعة الروافِض، التي قام أبناؤُها يدْعون إليها في كلِّ مكان، ويُظهرون للناس أنَّ باطلَهم هذا هو الإسلام بِعَيْنه؛ بل وصل الأمر ببعض المغفَّلِين إلى الدَّعوة إلى التقريب بين السنة والشيعة، وأن الخلاف بيننا وبينهم في أمورٍ فرعيَّة، مع أنَّ الخلافَ كبير يشْمل أُمَّهات العقائد؛ فإنَّ الروافض عندهم من الشِّركيَّات والكُفريات ما يُخرِج مِنْ دائرة الإسلام، وللأسَف أنَّ كثيرًا مِنْ عوامِّ السُّنَّة لا عِلْم لهم بهذه الكُفريات؛ لأنَّ علماء الشيعة لا ينشرون كُتُبهم الأساسيَّة التي عليها اعتماد مذْهبهم بين عامة الناس. (^١) رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه من أعظم المشكلات التي تواجه هذا البحث هو تصديق عوام المسلمين لباطل الرافضة ودينهم المحرف، وذلك بسبب استخدامهم التَّقيّة والتعامل بها، مما ينخدع بأسلوبها السذج من الناس، بل تجد من يدافع عن الرافضة مدعيًا عدم وجود فارق بيننا وبينهم مطالبًا التقريب بين الديانتين، بين دين أهل الإسلام المبني على التوحيد والاتباع والحجة والبيان، وبين دين الرافضة- دين شيعة الشيطان- المبني على الشرك والكذب والنفاق والطغيان. وتأتي هذا الدراسة المختصرة لتجلي للمسلمين عمومًا وللباحثين خصوصًا حقيقة دين الرافضة المبني علي النفاق الموسوم بـ " التَّقيّة " بأسلوب سهل وعبارة موجزة مؤيَدة بالأدلة الصحيحة والحجج الدامغة المقنعة الواضحة الصريحة من أهم وأشهر المصادر الأصلية للقوم الظالمين. خامسًا: منهج البحث لقد استخدم الباحث في بحثه المنهج الوصفي التحليلي: ولقد بيَّن فيه معنى التَّقيّة، فعرَّف بها وبيَّن معناها في اللغة، ثم عرَّج على بيان وصفها في الاصطلاح،

(^١) - العلامة محمد التونسوي: بُطلان عقائد الشيعة وبيان زيغ مُعتنقيها ومفترياتهم على الإسلام من مراجعهم الأساسية: ص ٥، ٦.

75 / 12

ثم قام بوصف التَّقيّة مبيَّنًا مفهومها عند علماء أهل السنة وعلماء الرافضة، ثم عرض عرضًا تحليليًا لأصل دين الرافضة المبني على التَّقيّة مبينًا لمكانتها من دينهم، وأن الكرامة لا تتحقق لرافضي إلا بها، ثم بين غلوهم فيها. وبما أن المدَاراة والمداهنة من الأمور التي قد تتشابه مع التَّقيّة في ظاهرها فقد تعرض الباحث لمناقشة مبحثيهما، فناقش المدارة وبين معناها في اللغة والاصطلاح ثم بين فوائدها، ثم عرف بالمداهنة - كذلك- ثم بين حكمها وجلى أمر العواقب الوخيمة المترتبة عليها، ثم ختم وصفه التحليلي ببيان الفرق بين المداراة والمداهنة. الفصل الأول تعريف التَّقِيَّة وفيه مبحثان: تمهيد وتنبيه قبل الخوض في هذا البحث الهام يجب التنبيه إلى أن دين الرافضة مبني ومؤسس على الزور والكذب والنفاق والبهتان، والذي يخرجون به عن صراط الله المستقيم، وقد غلَّفوا هذا الدين الباطني الخبيث بغلاف مُبطَّن أسموه " التَّقيّة "، والتي يخالفون بها منهج وعقيدة أهل السنة والجماعة القائم والمبني على الإيمان والصدق والعدل والإحسان. وفي وصفه بدعتهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: وأمَّا الرافضة فأَصْل بدعتهم زندقة وإلحاد، وتعمُّد الكذب كثيرٌ فيهم، وهم يقرُّون بذلك؛ حيث يقولون: ديننا التَّقيّة، وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلافَ ما في قلبه، وهذا هو الكذب والنِّفاق، فهُم في ذلك كما قيل: رمَتْنِي بدائها وانسلت. (^١) ويحكي اتفاق العلماء على وصفهم في موضع آخر فيقول- ﵀: وقد اتَّفق أهل العلم بالنقل والرِّواية والإسناد على أنَّ الرافضة أكذَبُ الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمَّة الإسلام يَعْلمون امتيازهم بكثرة الكذب. (^٢) ومن هنا كان لزامًا على الباحث بيان مفهوم معنى التَّقيّة وتجليته للعيان، وهذا يتضمَّن بيان معناها في اللغة والاصطلاح على النحو التالي فيما يلي: المبحث الأول: بيان مفهوم معنى التَّقيّة وفيه مطلبان فببيان مفهوم التَّقيّة في اللغة والاصطلاح يتضح لنا معناها ويبين لنا فحواها المطلب الأول: مفهوم التَّقيّة في اللغة التَّقيّة لغة: الحذر والحيطة من الضرر، والاسم: التقوى، وأصلها: إوتَقى، يُوتَقي، فقُلبت الواو إلى ياء للكسرة قبلها، ثمّ اُبدلت إلى تاء واُدغمت، فقيل: اتّقى، يتَّقي. (^٣) أورد ابن منظور (ت: ٧١١ هـ) "في لسان العرب" - مادة (وقى) -: اتّقيت

(^١) - يُنظر: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي: ١/ ٢٨، ميزان الاعتدال في نقد الرجال المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ هـ) تحقيق: علي محمد البجاوي الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ١٣٨٢ هـ - ١٩٦٣ م عدد الأجزاء: ٤. (^٢) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية: ١/ ٢٦، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: محمد رشاد سالم الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م عدد المجلدات: ٩. (^٣) - تاج العروس، الزبيدي: ١٠: ٣٩٦ - " وقي "، تاج العروس من جواهر القاموس المؤلف: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: ١٢٠٥ هـ) المحقق: مجموعة من المحققين الناشر: دار الهداية.

75 / 13

الشيءَ وتقَيْتُه أتّقيه، وأتْقيه تقًى وتُقاة: حذِرته. (^١) والتَّقيّة مأخوذة: من الاتقاء، وأصل الاتقاء: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بالترس؛ أي: جعله حاجزًا بينه وبينه، واتقاه بحقه أيضًا كذلك، ومنه الوقاية، ويقال: وقاه، ومنه التَّقيّة (^٢)، ووقى الشيء وقايةً: إذا صانه بوقاء، ووقاه الله تعالى؛ أي: حفظه ومنعه (^٣)، واتقى الرجل الشيء يتقيه، إذا اتخذ ساترًا يحفظه من ضرره. والتقاة والتَّقيّة والتقوى والاتقاء كله واحدٌ. (^٤) وقال الراغب الأصفهاني (ت: ٥٠٢ هـ): الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال وقيت الشيء أقيه وقاية ووقاء. (^٥) المطلب الثاني: مفهوم التَّقيّة في الاصطلاح يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: ومعنى التَّقيّة: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير، وأصله وقية بوزن حمزة، فعلة من الوقاية. (^٦) يعرفها السرخسي الحنفي (ت: ٤٩٠ هـ) ﵀ فيقول: والتَّقيّة: أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره، وإن كان يضمر خلافه (^٧). وقِيل: التَّقيّة هي تجنب العدو بإظهار ما يوافقه مع إضمار ما يخالفه من عقيدة ونحوها، وهو واجب في موارد محددة. (^٨) وهذا التعريف تعريف جامع لأنه يشمل التَّقيّة بأنواعها، أعني: التَّقيّة العقدية والقولية والفعلية. المبحث الثاني: التَّقيّة عند علماء أهل السنة وعلماء الرافضة (^٩) وفيه مطلبان: المطلب الأول: مفهوم التَّقيّة عند علماء أهل السنة يقول السرخسي: (ت: ٤٩٠ هـ): والتَّقيّة: أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره، وإن كان يضمر خلافه. (^١٠). والسرخسي قد قيدها باتقاء العقوبة. ويقول محمّد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ): والتَّقيّة: ما يقال أو يُفعل مخالفًا للحقّ لأجل توقّي الضرر. (^١١). ورشيد رضا قيدها بتوقّي الضرر. ويقول محمد مصطفى المراغي (ت: ١٣٦٤ هـ): التَّقيّة: بأن يقول الإنسان، أو يفعل ما يخالف الحقّ، لأجل التوقّي من ضرر الأعداء، يعود إلى النفس، أو العِرض، أو المال. (^١٢). وكذلك المراغي قيدها بتوقّي ضرر الأعداء. ويلاحظ أن تعريف التَّقيّة عند علماء الإسلام من أهل السنة مقيد بخوف الضرر، واتقاء العقوبة، وقيد ذلك أيضًا بالخوف من الأعداء، وذلك من أجل حفظ الضرورات والكليات الخمس التي جاءت بها مقاصد الشريعة، وأمرت بحفظها.

(^١) - لسان العرب، لابن منظور: (١٥/ ٤٠١)، لسان العرب، المؤلف: محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقي (المتوفى: ٧١١ هـ) الناشر: دار صادر - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ هـ عدد الأجزاء: ١٥ (^٢) - المخصص لابن سيده ٤/ ٦١. (^٣) - شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم للحميري ١/ ٧٢٧٥. (^٤) تهذيب اللغة لأبي منصور الهروي ٩/ ١٩٩. (^٥) - مفردات ألفاظ القرآن الكريم، للراغب الأصفهاني: (٢/ ٥٣٠). مفردات ألفاظ القرآن، المؤلف: أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (المتوفى: ٥٠٢ هـ)، المحقق: صفوان عدنان داوودي، الناشر: دار القلم - الدار الشامية، سنة النشر: ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م، عدد المجلدات: ١، رقم الطبعة: ٤. (^٦) يُنظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (١٩/ ٣٩٨)، فتح الباري شرح صحيح البخاري المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي الناشر: دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩ هـ، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز عدد الأجزاء: ١٣. (^٧) يُنظر: المبسوط، للسرخسي: (٢٤: ٤٥)، المبسوط المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: ٤٨٣ هـ) الناشر: دار المعرفة - بيروت الطبعة: بدون طبعة تاريخ النشر: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م عدد الأجزاء: ٣٠. (^٨) - معجم المصطلحات السياسية في تراث الفقهاء، سامي الصلاحات: (ص: ٧٠). (^٩) أعني بالرافضة طائفة الاثني عشرية، التي تلقب نفسها بـ: الجعفرية، والمؤمنين، والخاصة، والإمامية. يُنظر: ألقابهم في: أصول مذهب الشيعة: (١/ ٩٩) وما بعدها. (^١٠) - المبسوط، للسرخسي ٢٤: ٤٥. (^١١) - تفسير المنار، محمّد رشيد رضا ٣: ٢٨٠، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: ١٣٥٤ هـ) الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة النشر: ١٩٩٠ م عدد الأجزاء: ١٢ جزءًا. (^١٢) - تفسير المراغي: (٣/ ١٣٧)، تفسير المراغي المؤلف: أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: ١٣٧١ هـ) الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر الطبعة: الأولى، ١٣٦٥ هـ - ١٩٤٦ م عدد الأجزاء: ٣٠.

75 / 14

وهذه الضرورات هي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسب (العرض)، حفظ المال. ويُجلي الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ): مقاصد الضرورات الخمس في "المستصفى" فيقول: إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة. (^١) ويُعلل ابن الأزرق (ت: ٨٩٦ هـ): ﵀ الاهتمام بالضرورات الخمس في "بدائع السلك" فيقول: لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها، بحيث لو انحرفت لم يبق للدنيا وجود من حيث الانسان المكلف، ولا للآخرة من حيث ما وعد بها .. فلو عُدِمَ الدينُ عُدِمَ ترتبُ الجزاء المرتجى. ولو عُدِمَ الإنسانُ لعُدِمَ من يتدين. ولو عُدِمَ العقلُ لارتفع التدبير. ولو عُدِمَ النسلُ لم يمكن البقاء عادة. ولو عُدِمَ المالُ لم يبق عيش. (^٢) يقول ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: والتَّقيّة رخصة، وليست بعزيمة. (^٣) ولذا فقد قال الفخر الرازيُّ (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: لو أفصح بالإيمان والحقِّ حيث يجوز له التَّقيّة، كان ذلك أفضل. (^٤) وهذا إمام أهل السنة والجماعة- الإمام أحمد بن حنبل الشَّيباني- يعلن بالأخذ بالعزيمة، فقد سُئل محنته في القول بخَلْق القرآن: إنْ عُرِضْتَ على السّيف تجيب؟ قال: لا، وقال: " إذا أجاب العالِمُ تَّقيَّةً، والجاهلُ يجهل، فمتى يتبيَّن الحقُّ"؟. (^٥) ويؤكد هذا المعنى ابن بطال (ت: ٤٤٩ هـ) ﵀ فيقول: أجمعوا على أن مَنْ أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة، وأما غير الكفر فإن أكره على أكل الخنزير وشُرب الخمر مثلًا، فالفعل أولى. (^٦) ولذا فقد قال أصحاب أبي حنيفة ﵀: التَّقيّة رخصة من الله - تعالى - وتَرْكُها أفضل، فلو أُكْرِه على الكفر فلم يَفعل حتى قُتل، فهو أفضل ممن أظهر، وكذلك كل أمرٍ فيه إعزاز الدِّين فالإقدام عليه حتَّى يُقتل أفضل من الأخذ بالرُّخصة. (^٧) وقال الرازيُّ- ﵀: التقيَّة إنما تكون إذا كان الرجل في قومٍ كفَّار، ويخاف منهم على نفسه وماله، فيُداريهم باللِّسان؛ وذلك بأن لا يُظهر العداوة باللِّسان، بل يجوز أيضًا أن يظهر الكلام الموهم للمحبَّة والموالاة، ولكن بشرط أن يُضْمِر خلافه، وأن يُعرِّض في كلِّ ما يقول، فإنَّ التقيَّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب. (^٨) ومن هنا يُتأكد لدينا أن التَّقيّة شُرعت في الإسلام في أضيق الحدود،

(^١) - المستصفى، الغزالي، دار الكتب العلمية، سنة النشر: ١٤١٣ هـ/ ١٩٩٣ م، رقم الطبعة: ط ١، ص: ١٧٤. (^٢) - بدائع السلك في طبائع الملك، ابن الأزرق: (١/ ١٩٤ - ١٩٥). (^٣) - زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي: ١/ ٢٧٢، تفسير ابن الجوزي: زاد المسير في علم التفسير المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ هـ. (^٤) - يُنظر: تفسير الرازي: ٤/ ١٧٠، مفاتيح الغيب = التفسير الكبير المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: ٦٠٦ هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ. (^٥) - يُنظر: زاد المسير، لابن الجوزي: ١/ ٣٧٢. (^٦) - يُنظر: فتح الباري لابن حجر: ١٢/ ٣١٧. (^٧) - يُنظر: تفسير البحر المحيط، لأبي حيان: ٣/ ١٩١، تفسير أبي حيَّان، البحر المحيط في التفسير المؤلف: أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: ٧٤٥ هـ) المحقق: صدقي محمد جميل الناشر: دار الفكر - بيروت الطبعة: ١٤٢٠ هـ. (^٨) - يُنظر: تفسير الرازي: ٤/ ١٧٠.

75 / 15

وبضوابط شرعية، وفي حال الخوف على ضرورة من تلك الضرورات وعلى حفظها فحسب. لذا فإن التَّقيّة عند أهل السُّنَّة أمر اضطراري عارض بسبب دفع بلاء شديد مِمَّا لا تطيقه النفس البشرية ويَشُقُّ عليها احْتِمَالُهُ، كما أنه لا يترخص بِالتَّقِيَّةِ مَنْ كَانَ لَهُ مخرج لا يرتكب فيه محرمًا، كل ذلك مصحوبًا بسلامة الباطن وعمارته بالإيمان. فـ" مَذْهَبُ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ أَهْل السُّنَّةِ أَنَّ الأْصْل فِي التَّقِيَّةِ هُوَ الْحَظْرُ، وَجَوَازُهَا ضَرُورَةٌ، فَتُبَاحُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ. ولذا يقول سعيد بن جبيرٍ (ت: ٩٥ هـ) ﵀: ليس في الإسلام تَقِيَّة، إنما التَّقِيَّة لأهل الحرب. (^١) قَال الْقُرْطُبِيُّ (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: وَالتَّقِيَّة لَا تَحِل إِلاَّ مَعَ خَوْفِ الْقَتْل أَوِ الْقَطْعِ أَوِ الإْيذَاءِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ يُنْقَل مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فِيمَا نَعْلَمُ إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمُجَاهِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ. (^٢) وفي نحو ذلك يقول ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: - التَّقيّة أن يقول العبد خلاف ما يعتقده لاتقاء مكروه يقع به لو لم يتكلم التَّقيّة. (^٣). والأصل في ذلك عند أهل السنة قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن من شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: ١٠٦). قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَان) (النحل: ١٠٦) فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا، لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. (^٤) وقال أبو بكر الجصاص (ت: ٣٧٠ هـ) ﵀: هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه. (^٥) وقال أبو بكر ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ) ﵀: لما سمح الله تعالى في الكفر به، وهو أصل الشريعة، عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به. (^٦) فإذا لم يؤاخذ اللهُ المكرهَ في النطق بالكفر حال الإكراه، فبلا أدنى ريب أن ما دونه أولى بذلك، ولذا يُعد هذا أصل أصيل في العذر بالإكراه في أصول الشريعة وفروعها. وأما عن مستند أهل السنة في " التَّقيّة " فقوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) (آل عمران: ٢٨). قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: قوله: (إِلا أَنْ

(^١) - يُنظر: تفسير البغوي: ٢/ ٢٦، تفسير البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٠ هـ) المحقق: عبد الرزاق المهدي الناشر: دار إحياء التراث العربي- بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ عدد الأجزاء: ٥. (^٢) -الموسوعة الفقهية: (١٣/ ١٨٦ - ١٨٧)، الموسوعة الفقهية الكويتية صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت عدد الأجزاء: ٤٥ جزءا الطبعة: (من ١٤٠٤ - ١٤٢٧ هـ) .. الأجزاء ١ - ٢٣: الطبعة الثانية، دار السلاسل - الكويت .. الأجزاء ٢٤ - ٣٨: الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة - مصر .. الأجزاء ٣٩ - ٤٥: الطبعة الثانية، طبع الوزارة. (^٣) - أحكام أهل الذمة: (٢/ ١٠٣٨). (^٤) - تفسير ابن كثير: (٢/ ٥٨٧)، تفسير ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (ابن كثير) المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ) المحقق: محمد حسين شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٩ هـ. (^٥) - أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٩٢). (^٦) - أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١١٨٠).

75 / 16

تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته؛ كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: " إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ". (^١) المطلب الثاني: مفهوم التَّقيّة عند علماء الرافضة فهي كما يقول شيخهم المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الملقب بابن المعلم: (ت: ٤١٣ هـ) هي عبارة عن: كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرًا في الدين والدنيا. (^٢). فالمفيد- من الرافضة- يعرف التَّقيّة بأنها الكتمان للاعتقاد خشية الضرر من المخالفين - وهم أهلُ السنة كما هو الغالب في إطلاق هذا اللفظ عندهم - أي هي إظهار مذهب أهل السنة (الذي يرونه باطلًا)، وكتمان مذهب الرافضة الذي يرونه هو الحق، من هنا يرى بعض أهل السنة: أن أصحاب هذه العقيدة هم شر من المنافقين؛ لأن المنافقين يعتقدون أن ما يبطنون من كفر هو باطل، ويتظاهرون بالإسلام خوفًا، وأما هؤلاء فيرون أن ما يبطنون هو الحق، وأن طريقتهم هي منهج الرسل والأئمة. (^٣) قال عبد الله بن محمد القحطاني الأندلسي- ﵀ في نونيته: (^٤) إِنَّ الرَّوَافِضَ شَرُّ مَنْ وَطِئَ الحَصَى … مِنْ كُلِّ إِنْسٍ نَاطِقٍ أَوْ جَانِ قَدَحُوا النَّبِيَّ وَخَوَّنُوا أَصْحَابَهُ … وَرَمَوْهُمُ بِالظُّلْمِ وَالعُدْوَانِ حَبُّوا قَرَابَتَهُ وَسَبُّوا … جَدَلَانِ عِنْدَ اللهِ مُنْتقضَانِ (^٥) وفي ضوء بيان مفهوم التَّقيّة في اللغة والاصطلاح يتبين لنا أنها- التَّقيّة - تعني عندهم: إظهار خلاف ما يبطن الإنسان تديّنًا؛ وهم-الرافضة- بتلك العقيدة الفاسدة ينسبون هذا الكذب والبهتان والخداع لدين الله ظلمًا وزورًا وبهتانًا وعدوانًا، فهم كما قال الله تعالى في وصف المنافقين: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (النساء: ١٤٧). الفصل الثاني التَّقيّة عند الرافضة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التَّقيّة أصل من أصول دين الرافضة وفيه أربعة مطالب: يجب أن يُعلم أولًا أن التَّقيّة أصل أصيل من أصول دين الرافضة " الشيعة الاثني عشرية" التي يبنون عليها دينهم وعقائدهم، فتراهم يكذبون ويتحرون الكذب في كل أمورهم حتى في العقائد، ثم يجعلون ذلك دينًا وقربى من أجلِّ وأعظم

(^١) - تفسير ابن كثير (٢/ ٣٠). (^٢) - صحيح الاعتقاد، للمفيد: ٦٦. (^٣) - يُنظر: أصول مذهب الشيعة الإمامية: (٢/ ٨٠٥). (^٤) -قيل: (ت: في ٣٧٩ هـ أو ٣٨٣ هـ أو ٣٨٧ هـ، ببخارى). (^٥) - الأبيات من نونية القحطاني الشهيرة والتي تزيد على ٦٠٠ بيت.

75 / 17

القُرب، ويخالفون بها جماهير المسلمين من أهل السنة والجماعة ويخرجون بها عن صراط الله العزيز الحميد. المطلب الأول: مكانة التَّقيّة عند الرافضة للتقيّة في دين الرافضة مكانة عظيمة، ومنزلة كبيرة، فهي تُعدُ-عندهم- أصلًا من أصول دينهم لا يسع أحدٌ الخروج عنه البتة، وقد دوَّنوها في مصنفاتهم، وبيَّنوا ما يتعلق بها من فضائل وأحكام، كما بيَّنوا-فيها- ما يترتب على من لزمها وعمل بها من عظيم الأجر وجزيل الثواب. ويتجلى ذلك في أوضح وأجل وأعظم مصادرهم ألا وهو كتاب "الكافي" للكليني الذي يقابل صحيح البخاري عند أهل السنة. حيث يروي-الكليني (ت: ٣٢٩ هـ) - في " الكافي": عن أبي عبد الله أنه قال: خالطوهم بالبرانية، وخالفوهم بالجوانية. (^١) ولاشك أن هذا هو النفاق بعينه. ويروى الكليني- أيضًا- عن محمد بن خلاد قال: سألت أبا الحسن ﵇ عن القيام للولاء فقال: قال أبو جعفر ﵇: التَّقِيَّة من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تَّقِيَّةِ له. (^٢). لذا فهي أساس دينهم المبني على النفاق والكذب. قال محمد جواد مغنية رئيس المحكمة الجعفرية ببيروت (م): التَّقِيَّة أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد. (^٣) هكذا صراحة بلا أي قيود. بل وصل اعتناؤهم بالتَّقِيَّةِ إلى حد تأويل الآيات عليها: مثل قوله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ) (فصلت: ٣٤) قال أبو عبد الله - كما زعم الكليني -: (الحسنة: التَّقِيَّةِ: والسيئة: الإذاعة). (^٤). وهكذا يؤكد الرافضة أن دينهم مبني على الزور والبهتان وتحريف النصوص لأهوائهم. والرافضة يتبرؤون ممن لم يلزم التَّقِيَّة، فيقولون: ليس منا من لم يلزم التَّقِيَّة، ويصوننا عن سفلة الرعية. (^٥) ومع هذه الطَّوام كلها فإنهم يتبرؤون ممن لم يلزم التَّقِيَّة، وهم يعنون بذلك ملازمتها أبدًا وفي كل حال. ولذا تراهم يقررون ذلك في كل أوثق مصادرهم فيقولون: عليكم بالتَّقِيَّةِ؛ فإنه ليس منا من لم يجعل شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره. (^٦)، ومع هذا كله فإن التَّقِيَّة عندهم تستخدم لسلامة النفس، لا لسلامة الدين. ومن أسباب علو قدر التَّقِيَّةِ عندهم أنها -كما يعتقدون - من سنن المرسلين: وفي ذلك يقولون: عليك بالتَّقِيَّةِ؛ فإنها سنة إبراهيم … وموسى وهارون. (^٧) حاشا لرسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام أن يكون كما يصفهم هؤلاء الظالمون، فهم بذلك قد ضمَّوا الرسلَ لآل البيت في الاستتار خلفهم لتبرير فضائح دينهم وعفن

(^١) الكافي (٢/ ١٧٥)، الكافي، المؤلف: محمد بن يعقوب الكليني (ت: ٣٢٩ هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، ش المطبعة: حيدري، الناشر: دار الكتب الإسلامية - طهران - إيران، نهض بمشروعه محمد الآخوندي، سنة الطبع: ١٣٦٣ ش، عدد الأجزاء: ١٥. (^٢) - الكافي (٢/ ١٧٤). (^٣) الشيعة في الميزان: (ص: ٤٨). (^٤) - الكافي (٢/ ١٧٣). (^٥) -أمالي الطوسي: (١/ ٢٨٧)، بحار الأنوار: (٣٩/ ٧٢)، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار تأليف: محمد باقر المجلسي، مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان: (د ت) (^٦) - نفس المرجع السابق. (^٧) معاني الأخبار: (ص: ٣٨٦)، بحار الأنوار (٧٢/ ٩٦٣).

75 / 18

اعتقادهم وتبرير مساويهم. ومن أسباب علو قدر التَّقِيَّةِ عندهم-كذلك- زعمهم أنها أحب شيء لآل البيت، ومن أقوالهم في ذلك: ١ - وهي أحب شيء إلى أهل بيت رسول الله ولزومها سبب العزة والإعراض عنها سبب الهوان. عن حبيب بن بشر (^١) قال: قال لي أبو عبد الله: سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض أحب إليَّ من التَّقِيَّةِ، يا حبيب إنه من كانت له تَقيّة رفعه الله، يا حبيب من لم تكن له تَقِيَّة وضعه الله. (^٢) ٢ - وتسعة أعشار الدين في التَّقِيَّةِ. (^٣) ٣ - لا خير فيمن لا تقية له. (^٤) ٤ - ما من شيء أقر لعين أبيك من التَّقِيَّةِ. (^٥) كل هذه الأقوال ينسبوها لآل البيت الكرام زورًا وبهتانًا، وأصبح آل البيت عند القوم الظالمين ستارًا وحائطًا يستترون وراءه بهذا الدين لينشروا تلك العقائد التي لم نسمع بها من ألد أعداء الملة. المطلب الثاني: لا تتحقق الكرامة عند الرافضة إلا بالتَّقِيَّةِ إذا كانت الكرامة عند الله لا تتحقق للعباد إلا بالتقوى، فإنها لا تتحقق عند الرافضة إلا بالتَّقِيَّةِ. قال القمي: أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم القُمّي (ت: ٣٢٩ هـ): وقد سئل الصادق ﵇ عن قول الله ﷿: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣) قال: أعلمكم بالتَّقِيَّةِ. (^٦) فهم على إثر تفسيرهم العقيم-هذا- تصبح الكرامة بالتَّقِيَّةِ لا بالتقوى، ويصبح أكرم الخلق أكذبهم وأكثرهم نفاقًا لا أتقاهم .. اعتقادهم أن صاحب التَّقِيَّة مرفوع القدر عند الله: قال الكليني في "الكافي": حدثنا محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد، والحسين بن سعيد جميعا، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن حسين بن أبي العلاء عن حبيب بن بشر قال: قال أبو عبد الله ﵇: سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الارض شئ أحب إلي من التَّقِيَّةِ، يا حبيب إنه من كانت له تَقيَّة رفعه الله، يا حبيب من لم تكن له تَقيَّة وضعه الله، يا حبيب إن الناس إنما هم في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا. (^٧) المطلب الثالث: غلو الرافضة في التَّقيّة فإن ترك التَّقيّة عندهم كفرٌ، ككفر ترك الصلاة، وتركها قبل خروج المهدي

(^١) - من أصحاب الصادق، رجال الشيخ (٣٢٨)، وكذلك البرقي، عده من أصحابه، وعن بعض النسخ: بسر: بدل بشر وعن بعضها بسرة، وعن بعضها: بشرة: والظاهر أن الصحيح هو الأول. روى عن أبي عبد الله، وروى عنه الحسين بن أبي العلاء.، يُنظر: الكافي: الجزء ٢، كتاب الايمان والكفر ١، باب التقية ٩٧، الحديث ٤. (^٢) -المحاسن: (ص: ٢٥٦)، المحاسن، المؤلف: أحمد بن محمد بن خالد البرقي، الجزء: ١، الوفاة: ٢٧٤، المجموعة: مصادر الحديث الشيعية - قسم الفقه، تحقيق: تصحيح وتعليق: السيد جلال الدين الحسيني (المحدث)، سنة الطبع: ١٣٧٠ - ١٣٣٠ ش، ويُنظر: بحار الأنوار: (٧٢/ ٣٩٨). (^٣) المحاسن: (ص: ٢٥٩)، بحار الأنوار: (٧٢/ ٤٠٧). (^٤) -علل الشرائع: (١/ ٤٨)، بحار الأنوار: (٧٢/ ٣٩٩). (^٥) -المحاسن: (ص: ٢٥٧)، بحار الأنوار: (٧٢/ ٣٩٨). (^٦) - الشيعة والسنة: (ص ١٥٧). (^٧) - الكافي: (٢/ ٢١٧).

75 / 19

خروج على دين الله. لقد غَاَلَىَ (^١) الرافضة في التَّقيّة وأوجبوها وأنزلوها منزلة الصلاة من الدين- أي إن من ترك التَّقيّة فقد كفر، ككفر تارك الصلاة سواء بسواء، وهذا قول أئمتهم. قال القمي: علي بن إبراهيم القمّي (ت: ٣٠٧ هـ): التَّقيّة واجبة، من تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة. (^٢) وكذلك- أيضًا- هو قول قال ابن بابويه: وهو أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المشهور بالشيخ الصدوق (ت: ٣٨١ هـ) في كتابه "الاعتقادات". (^٣). وقال الصادق: لو قلت إن تارك التَّقيَّة كتارك الصلاة لكنت صادقًا. (^٤) وقال القمي مغاليًا- أيضًا-: التَّقيَّة واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم (^٥)، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج على دين الله تعالى، وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة. (^٦) ومن كتم التَّقيَّة عندهم أعزه الله ومن أظهرها أذله الله روى الكليني في الكافي - باب الكتمان- عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله: يا سليمان إنَّكم على دينٍ من كتمَه أعزَّه الله، ومن أذاعه أذلَّهَ الله. (^٧) ولقد بلغ من غلوهم في التَّقيَّة أن جعلوا تَرْكَهَا مساو للشرك في عدم المغفرة، فقد رووا عن عليّ بن الحسين الإمام الرابع أنه قال: يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين، ترك التَّقيَّة، وترك حقوق الإخوان. (^٨) المطلب الرابع: نقض القول بـ "التَّقيَّة" في قول أحد معاصري الرافضة وهذا القول في التَّقيَّة عند أحد معاصري الرافضة، ونخشى أن يكون من التَّقيَّة أيضًا: يقول الدكتور موسى الموسوي (م): لقد أراد بعض علمائنا ﵏ أن يدافعوا عن التَّقيَّة، ولكن التَّقيَّة التي يتحدث عنها علماء الشيعة وأمْلَتْها عليها بعض زعاماتها هي ليست بهذا المعنى إطلاقًا، إنها تعني أن تقول شيئًا وتضمر شيئًا آخر، أو تقوم بعمل عبادي أمام سائر الفرق وأنت لا تعتقد به، ثم تؤديه بالصورة التي تعتقد به في بيتك. (^٩) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: الرَّافِضَة أَجْهَلُ الطَّوَائِفِ وَأَكْذَبُهَا وَأَبْعَدُهَا عَنْ مَعْرِفَةِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَهُمْ يَجْعَلُونَ التَّقِيَّةَ مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ،

(^١) -غَالَى فِي الأَمْرِ: بَالَغَ فِيهِ، يُنظر: تعريف ومعنى غالى في معجم المعاني الجامع (^٢) الشيعة والسنة (ص ١٥٧). (^٣) - الاعتقادات: (ص ١١٤)، الاعتقادات، المؤلف: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق، (ت: ٣٨١ هـ)، تحقيق مؤسسة الإمام الهادي، (د ت). (^٤) - جامع الأخبار (ص ١١٠)، بحار الأنوار (٧٥/ ٤١٢، ٤١٤). (^٥) -قائم آل محمد: هو لقب يستخدمه الشيعة الإثنا عشرية للإشارة بـ " محمد بن الحسن العسكري- المهدي- "الذي هو الإمام الثاني عشر -عندهم-"، الذي يعتقدون أن رجعته ستكون في آخر الزمان حين يخرج من السرداب-بزعمهم-، وذلك ليقتلَ غيرَ الشيعة ..، فيصلب أبا بكرٍ وعمر على شجرةٍ رطبة، ويقيم الحد على عائشة!. وللاستزادة يُنظر: "المسائل الناصرية للمرتضى" .. وكتاب "حق اليقين" للمجلسي. بتصرف يسير. (^٦) الشيعة والسنة (ص ١٥٧). (^٧) الكافي: أبو جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني ٢/ ٢٢٢. ويُنظر: وسائل الشيعة: الشيخُ مُحمّدْ بن الحسن الحُر العاملي، تحقيق مؤسّسة آل البيتِ ﵈ لإحياء التُّراثِ، (د ت): ١/ ٢٥٢. (^٨) - الشيعة والسنة (ص ١٥٨). (^٩) - الشيعة والتصحيح: (ص ٥٢).

75 / 20

وَيَكْذِبُونَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ كَذِبًا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ، حَتَّى يَرْوُوا عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُ قَالَ: التَّقِيَّةُ دِينِي وَدِينُ آبَائِي، و" التَّقِيَّةُ " هِيَ شِعَارُ النِّفَاقِ؛ فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَهَذَا حَقِيقَةُ النِّفَاقِ. (^١) لا نتعجب من قول شيخ الإسلام، فهم قبل كذبهم على أئمتهم يكذبون على رب الأنام وعلى النبي ﵊. ويقول ﵀ أيضًا-: وأما الرافضة فأصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد وتعمد الكذب كثير فيهم، وهم يقرون بذلك حيث يقولون: ديننا التَّقيَّة، وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه وهذا هو الكذب والنفاق، ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة، ويصفون السابقين الأولين بالردة والنفاق! فهم في ذلك كما قيل: رمتني بدائها وانسلّت (^٢)، إذ ليس في المظهرين للإسلام أقرب إلى النفاق والردة منهم، ولا يوجد المرتدون والمنافقون في طائفة أكثر مما يوجد فيهم. (^٣). ويقول ﵀ أيضًا: - " وَقْدْ رَأَيْنَا فِي كُتِبِهِمْ مِنَ اْلكَذِبِ وَالافْتِرَاءِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَصحَابَتِهِ، وَقَرَابَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا رَأَيْنَا مِنَ الْكَذِبِ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ (^٤). ويقول ﵀ أيضًا-: وَهَؤُلَاءِ الرَّافِضَة إِمَّا مُنَافِقٌ أَوْ جَاهِلٌ، فَلَا يَكُونُ رَافِضِيٌّ وَلَا جَهْمِيٌّ إِلاَّ مُنَافِقًا أوْ جَاهِلًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ. (^٥) وقد أحسن من نَظَمَ في نفاقهم فقال: يا من خدعت بتقيّة ونفاق … سلمت أمرك للعدا السراق إن الروافض يكذبون بقولهم … وفعالهم تنبي عن الفساق والشر كل الشر في تمكينهم … مستعصم ينبيك!! هل من راق؟. (^٦) المطلب الخامس: استعمال الرافضة التَّقيّة مع أهل السُّنَّة خاصَّة بعد ما تبيَّن لنا بوضوح وجلاء مكانة التَّقيّة عند الرافضة عمومًا وأنها من لب وأساس دينهم، من المناسب هنا الكلام عن استعمالهم التَّقيّة مع أهل السُّنَّة خاصة. أبرز أقوالهم في وجوب لزوم التَّقيّة مع أهل السُّنَّة: لابد وأن يُعلم أولًا أنَّ جماهير أهل السُّنَّة عند الرافضة من جملة الكافرين وأن دولتهم يسمونها عندهم "دولة الظالمين" كما أنهم يسمونها- أيضًا "دولة الباطل"، وأن ديارهم تسمى عندهم بـ" ديار التَّقيّة"، كما أنهم يطلقون عليهم "سفلة الرعية". أما تكفيرهم لجماهير المسلمين من (أهل السُّنَّة)، ذلك لأنهم لم يؤمنوا بالأئمَّة الاثني عشر وفي ذلك يقول ابن بابويه القمي (ت: ٣٢٩ هـ): واعتقادُنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمَّةِ من بعده أنه بِمَنْزلة مَنْ جحد نبوَّة الأنبياء، واعتقادنا فيمن

(^١) - مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٦٣). مجموع الفتاوى المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ) المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م. (^٢) - قال أبو عبيدٍ: "ويحكى عن المفضل أنه كان يقول: هذا المثل قيل لرهمٍ بنت الخزرج من كلبٍ، وكانت امرأة سعد بن زيد مناة بن تميمٍ، وكان لها ضرائر، فسابَّتها إحداهنَّ يومًا فرَمَتْها رهمٌ بعيبٍ هو فيها، فقالت ضرَّتُها: "رمَتْني بدائها وانسلَّت" فذهبت مثلًا". ويُضرب هذا المثل لمن يعيِّر الإنسان بما هو فيه. يُنظر: "الأمثال" لابن سلام (٧٣) (^٣) منهاج السنة النبوية: (١/ ٣٠). (^٤) - مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٨١). (^٥) - منهاج السّنة: (٥/ ١٦٠ - ١٦١). (^٦) - كتاب: كلمات وأشعار في ذم الرافضة الكفار الفجار، جفجاف ابراهيم، الأبيات: ٣٢ - ٣٤، (١٠/ ١)

75 / 21

أقرَّ بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنْزِلة مَنْ آمن بجميع الأنبياء، ثم أنكر نبوَّة محمد ﷺ. (^١) هذه هي عقيدتهم في الأئمة وغلوهم فيهم، حتى قرنوا من جحد إمامًا واحدًا منهم بمنكر النبوات. يروي الكليني في " الكافي" عن الباقر قوله: إن الله ﷿ نصَّب عليًا ﵇ علمًا بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنًا، ومن أنكره كان كافرًا، ومن جهله كان ضالًا، ومن نصب معه شريكًا كان مشركًا، ومن جاء بولايته دخل الجنة" (^٢). وهذه هو دين الرافضة، دين مبني على الشرك بالله وعبودية آل البيت. الروايات التي تجعل من معرفة الإمام شرطًا من شروط صحة الإيمان قولهم على لسان أئمتهم: نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمنًا، ومن أنكرنا كان كافرًا، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالًا، حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء. (^٣) وكذلك هو دين مبني على الكبر والغطرس على طريقة قول اليهود" نحن شعب الله المختار". للتَّقيّةِ أهداف كبرى وغايات عظمى عند الرافضة: وقد ارتبطت التقيّةُ بالشيعة، فهى النظام السرى فى شئونهم فإذا أراد إمام الخروج والثورة على الخليفة، وضع لذلك نظامًا وتدابير، وأعلم أصحابه بذلك فكتموه، وأظهروا الطاعة حتى تتم الخطط المرسومة فهذه تقيّة، وإذا أحسّوا ضررا من كافر أو سنّى داروه وجاروه وأظهروا له الموافقة فهذه أيضا تقيّة وهكذا. (^٤) وقد أخذ بالتقية بعض الفرق الباطنية الذين كانوا يحلمون بإيجاد دولة لهم لتنفيذ مآربهم ومخططاتهم أمثال القرامطة والفاطمية والإسماعيلية والدروز، والبابية، وغيرها من الدعوات الباطنية التى كانت تحافظ على تقاليدها بالتستر إلى أن تقوى وتعلن وجودها بعد أن تكون قد حققت لنفسها المقومات الكفيلة باستمرارية وجودها. (^٥) وسطية أهل السُّنَّة في قضايا التكفير بين الإفراط والتفريط: أما غلو الرافضة في تكفير جماهير المسلمين من (أهل السُّنَّة) فقد مر بنا آنفًا ذكر بعض مشاهد منه. أما أهل السُّنَّة: فلابد وأن يُعلم جيدًا أنهم أبعد الناس عن التكفير وأشدهم في أخذ الحيطة فيه والاحتراز منه، لما لا وقد جعلهم الله وَسَطًا عدولًا خيارًا في كلِّ ما تنازعت فيه سائر الفِرَق من المسائل المتنازَع فيها، كما قال

(^١) - الاعتقادات، لابن بابويه: ص ١١. (^٢) - الكافي للكليني: (١/ ٤٣٨). (^٣) - الكافي للكليني: (١/ ١٨٧). (^٤) - دائرة المعارف الإسلامية ٥/ ٤١٩. (^٥) -الكشَّاف الفريد عن معاول الهدم ونقائض التوحيد: خالد محمد الحاج، ١/ ١١٤، ط إدارة إحياء التراث- قطر: ١٩٨٣ م.

75 / 22

سبحانه: (وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا) (البقرة: ١٤٣). و(وَسَطًا) يعني: أهل دين وسط، بين الغلو والتقصير، لأنهما مذمومان في الدين. (^١) قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: والوسط ههنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا أي: خيارها، وكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه، أي أشرفهم نسبًا، ومنه: الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي صلاة العصر كما ثبت في الصحاح وغيرها … (^٢) ذلك لأن الوسطيةُ من أبرز خصائص منهج أهلِ السُّنَّة والجماعة ولا سيما في قضايا العقيدة وما يتعلق بها من أحكام، أما أهلُ الفِرَق الخارجة عن منهج وعقيد أهل السُّنَّة فإنك تراهم قد أَصَّلوا لأنفسهم أصولًا وقعَّدوا لها قواعد وحاكموا إليها نصوصَ الشرع ونزَّلوها عليها، فما وافق منها ما أصَّلوه وقعَّدوه قَبِلوه، وما خالف منها ردُّوه ورفضوه، ولذا فإن المتبصر والمتأمل في أصول وقواعد ومناهج تلك الفرق يراها تدور بين الإفراط والتفريط، وبين الغُلُوِّ والجفاء، أما أهلُ السُّنَّة فترى وسطيتهم بين تلك الفرق وتراهم أكثرها تعظيمًا وإجلالًا للحق ولزومًا له وعملًا به وتراهم أكثر وأسرع انقيادًا وتسليمًا للدليل الشرعي الوارد في الكتاب والسُّنَّة، فلا يردُّون الأدلة الثابتة في الوحيين ولا يعارضونها بشيءٍ من الأهواء، ولا يتجاوزونها إلي تحكيم عقولهم ولا آرائهم ولا يستعملون الأقيسةٍ المنطقية الفلسفية ولا يقدمونها على الأدلة الشرعية، وهم في ذلك مستجيبين لأمره ربهم الذي خاطبه فيه سبحانه بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (الحجرات: ١). فأهل السُّنَّة يعتمدون على النصوص الشرعية، ويقدمونها على العقول البشرية، ويجعلون العقل البشري وسيلة لفهم النصوص الشرعية، وشرطًا في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلًا بذلك، فهم قد توسطوا في أمر العقل أيضًا، فلم يقدموه على النصوص كما فعل أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، ولم يهملوه ويذموه كما يفعل كثير من المتصوفة، الذين يعيبون العقل، ويقرون من الأمور ما يكذب به صريح العقل، ويصدقون بأمور يعلم العقل الصريح بطلانها ممن لم يعلم صدقه. (^٣) وفي نحو ذلك يقول الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدم عليه، إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث

(^١) - تفسير البغوي: (١/ ١٢٢)، يرويه البغوي عن الكلبي. (^٢) تفسير ابن كثير: (١/ ١٨١). (^٣) العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز الحنفي: (٧٨٦ - ٨٠٣)، مجموع فتاوى ابن تيمية: (٣/ ١٦٨، ٣٣٨، ٣٧٣ و٥/ ٥٠٤٥)، درء تعارض العقل والنقل: (١/ ١٢، ٢٠، ١٠٥، ١٣٣)، ومنهاج السنة: (٢/ ١٠٣ - ٦٥٠)، والعقيدة الواسطية مع شرحها لابن عثيمين: (٢/ ٦٣)، والتنبيهات السنية: (١٩١ - ٢٠٦).

75 / 23

الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أن: "من قال لِأَخِيهِ يا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بها أَحَدُهُمَا". (^١) ثم قال-﵀: ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها أعظم زاجر وأكبر واعظ عن التسرع في التكفير. (^٢) وفي أخذ الحيطة في الحكم بالتكفير يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: والكفر هو من الأحكام الشرعية، وليس كلُّ من خالف شيئًا عُلِمَ بنظر العقل يكون كافرًا، ولو قُدِّرَ أنه جحد بعضَ صرائحِ العقول لم يُحكَم بكفره حتى يكون قولُه كفرًا في الشريعة. (^٣) ويقول ﵀ في محض كلامه عن الخوارج: وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالُهم بالنصِّ والإجماع لم يكفروا مع أمرِ الله ورسولِه ﷺ بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحقُّ في مسائلَ غَلِطَ فيها مَنْ هو أعلم منهم؟ فلا يحلُّ لأحدٍ من هذه الطوائفِ أن تكفِّر الأخرى، ولا تستحلَّ دَمَها ومالَها وإن كانت فيها بدعةٌ محققَّةٌ، فكيف إذا كانت المكفِّرة لها مبتدعةً أيضًا؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ. والغالب أنهم جميعًا جهَّالٌ بحقائقِ ما يختلفون فيه. (^٤) وهذا الكلام النفيس يدل وسطية أهل السُّنَّة ورحمتهم بالخلق وأخذهم الحيطة والحذر في قضايا التكفير. وفي هذه الصدد يقول الإمامُ أبو عثمان الصابونيُّ (ت: ٤٤٩ هـ) ﵀: ويَعتقدُ أهلُ السُّنَّة أنَّ المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرةً صغائرَ كانت أو كبائرَ فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غيرَ تائبٍ منها ومات على التوحيد والإخلاص فإنَّ أمره إلى الله ﷿، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنَّةَ يوم القيامة سالِمًا غانمًا، غيرَ مبتلًى بالنار ولا معاقَبٍ على ما ارتكبه من الذنوب واكتسبه واستصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذَّبه مدَّةً بعذاب النار، وإذا عذَّبه لم يخلِّده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار. (^٥) وكلام أبي عثمان الصابوني ﵀ هو لب معتقد أهل السنة في مرتكب الكبير لأنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته ولا يخرج من الملة خلافًا للخوارج، لأنه عندهم خارج من الملة عياذًا بالله من الغلو، وأهل السُّنَّة وسط بين الفرق في هذا الباب خاصة. وشيخ الإسلام ابن تيمية يقرر هذه الوسطية فيقول- ﵀: وكل أهل السنة متفقون على أنه - يعني مرتكب الكبيرة - قد سلب كمال الإيمان الواجب، فزال بعض إيمانه الواجب لكنه من أهل الوعيد. وإنما ينازعون في ذلك من يقول: الإيمان لا يتبعض، من الجهمية، والمرجئة، فيقولون: إنه كامل الإيمان. (^٦)

(^١) - متفق عليه، البخاري (٥٧٥٣)، ومسلم (٦٠)، ولفظه في البخاري: (أَيُّمَا رَجُلٍ قال لِأَخِيهِ يا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بها أَحَدُهُمَا). (^٢) - السيل الجرار: (٤/ ٥٧٨). (^٣) - مجموع الفتاوى، لابن تيمية: (١٢/ ٥٢٥). (^٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية: (٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣). (^٥) -عقيدة السلف أصحاب الحديث، لأبي عثمان الصابوني: (٧١ - ٧٢). (^٦) -الإيمان: (ص ٢٤٤)، الفتاوى: (٧/ ٢٥٨).

75 / 24

وفي نحو ذلك يقول الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) ﵀: ولا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلَّه. (^١) وقد نصَّ على هذه القاعدة غير واحدٍ من أئمة أهل السُّنَّة والجماعة ومن أشهر من قال بها الإمام الطحاوي. ويحكي شيخ الإسلام إجماع أهل السنة وحكمها على الفرق الوعيدية الثِّنتين والسبعين المخالِفة لهم فيقول ﵀: وأجمع الصحابةُ وسائرُ أئمَّةِ المسلمين على أنه ليس كلُّ من قال قولًا أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإنْ كان قولُه مخالفًا للسُّنَّة، فتكفيرُ كلِّ مخطِئٍ خلافُ الإجماع. (^٢) ويؤكد ﵀ تقرير هذا الأصل الأصيل عند أهل السُّنَّة فيقول: وأمَّا التكفير: فالصواب أنه مَنْ اجتهد مِنْ أمَّة محمَّدٍ ﷺ وقَصَدَ الحقَّ فأخطأ؛ لم يكفر بل يُغْفَر له خطؤه، ومن تبيَّن له ما جاء به الرسولُ، فشاقَّ الرسولَ من بعد ما تبيَّن له الهدى، واتَّبع غيرَ سبيل المؤمنين؛ فهو كافرٌ، ومن اتَّبع هواه، وقصَّر في طلب الحقِّ، وتكلَّم بلا علمٍ؛ فهو عاصٍ مُذنبٌ، ثمَّ قد يكون فاسقًا وقد تكون له حسناتٌ ترجح على سيِّئاته. (^٣) ذلك لأن تلك الفرق المخالفة لأهل السُّنَّة لها حُكم الإسلام في دار الدنيا، وأما في الدار الآخرة فإنها داخلة تحت المشيئة، فإن شاء الله عاملها برحمته وعفوه فلم يعذبها، وإن شاء عاملها بعدله فعذَّبها، ثمَّ يصير بعد ذلك مآلُها إلى الجنَّة. وفرق الوعيدية الثنتين والسبعين هم من أهل الإسلام أصلًا وإن أتوا ما أتوا من الكبائر دون الشرك الأكبر المخرج من الملة. وأما من أتى الشرك الأكبر من تلك الفِرَق، فلا شك في أنها تخرج عن الفِرَق الوعيدية ولا تُعَدُّ من جملتها، بل هي خارجةٌ عنها وعن الإسلام بالكلية، وبهذا ينضبط القول في الحكم على تلك الفِرَق الوعيدية. وديار أهل السُّنة عند الرافضة هي ديار " التَّقيّة ": ويقولون في ذلك: … والتَّقيّة في دار التَّقيّة (ديار أهل السُّنَّة) واجبة. (^٤) ويسمون دولة (أهل السُّنَّة)، بـ" دولة الظالمين"، ويقولون في ذلك: التَّقيّة فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين (أي دولة لأهل السُّنَّة)، فمن تركها فقد خالف دين الإمامية وفارقه. (^٥) ويسمون دولة (أهل السُّنَّة)، بـ"دولة الباطل"، ويقولون في ذلك: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتكلم في دولة الباطل (أي دولة لأهل السُّنَّة)، إلا بالتَّقيّة. (^٦) ويطلقون على لـ (أهل السُّنَّة)، لقبـ " سفلة الرعية "، ويقولون في ذلك: ليس منا من لم يلزم التَّقيّة، ويصوننا عن سفلة الرعية (أهل السُّنَّة). (^٧) ولقد بوَّب الحر العاملي بابًا في "وسائله" عنونه بـ: "باب وجوب عشرة

(^١) - متن الطحاوية بتعليق الألباني: (ص: ٦٠). (^٢) - مجموع الفتاوى: (٧/ ٦٨٥). (^٣) - المصدر السابق (١٢/ ١٨٠). (^٤) - جامع الأخبار: (ص ١١٠)، بحار الأنوار: (٧٥/ ٤١١). (^٥) - جامع الأخبار: (ص ١١٠)، بحار الأنوار: (٧٥/ ٤١٢). (^٦) جامع الأخبار: (ص ١١٠)، بحار الأنوار: (٧٥/ ٤١٢). (^٧) أمالي الطوسي: ١/ ٢٨٧، بحار الأنوار: ٧٢/ ٣٩٥.

75 / 25

العامَّة (أهل السُّنَّة) بالتَّقيّة (^١) ولذا يقولون: عليكم بالتَّقيّة؛ فإنه ليس منا من لم يجعل شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره. يعني من (أهل السُّنَّة)، (^٢) ومما يؤكد شيوع ذلك عندهم ما رواه -الكليني (ت: ٣٢٩ هـ) - في " الكافي": عن أبي عبد الله أنه قال: خالطوهم بالبرانية، وخالفوهم بالجوانية. (^٣) وهم يعنون بذلك (أهل السُّنَّة) قطعًا. ويقولون أيضًا: خالطوا الناس (أهل السُّنَّة)، بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم. (^٤) ولاشك أن هذا هو النفاق بعينه. والرافضة في البلاد التي يكثر فيها سواد أهل السُّنَّة يتعاملون بهذه العقيدة الباطنية لأن ولاءهم لسادتهم الشِّيعة الإمامية في إيران. وذلك- لارتباط التشيّع بإيران (^٥) منذ خمسة قرون، وبالتحديد منذ نشوء الدولة الصفوية سنة (١٥٠١ - ١٧٣٦ م)، ومنذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا أصبح الشيعة في العالم الإسلامي والعربي تبعًا لإيران سياسيًا ومذهبيًا، ولقد توالى على حكم إيران خلال خمسة قرون عدة دول شيعية؛ فمن بعد الدولة الصفوية جاءت الدولة الأفشارية (١٧٣٦ - ١٧٩٦ م) بقيادة نادر شاه، فالدولة القاجارية (١٧٩٤ - ١٩٢٥ م)، ثم الدولة البهلوية (١٩٢٥ - ١٩٧٩ م)، ودولة الخميني ١٩٧٩ م ليومنا هذا الموسومة زورًا وبهتانًا بـ (الجمهورية الإسلامية الإيرانية). (^٦) أما عن صلاتهم تقيّة خلف أهل السنة فيقول صاحب بحار الأنوار: من صلى خلف المنافقين (أهل السُّنة) تقيّة كمن صلى خلف الأئمة. (^٧) قال الطوسي في "تلخيص الشافي"، عن أبي عبدالله أنه قال: من صلَّى معهم (أهل السُّنة) في الصفِّ الأول، فكأنَّما صلى مع رسول الله ﷺ في الصف الأول. (^٨) وأن من صلى معهم غفر له بعدد من خالفه، وأنه يحسب للمصلي معهم ما يحسب لمن صلى مع من يقتدى به (^٩)، وأن من يحضر صلاتهم كالشاهر سيفه في سبيل الله تعالى، وأن رسول الله - صلى الله عليه وآله- أنكحهم (^١٠)، وعليٌ صلى خلفهم، والحسن والحسين صليا خلف مروان، وأن من صلى معهم خرج بحسناتهم، وألقى عليهم ذنوبه، وأن الصلاة معهم بخمس وعشرين صلاة، وأن الإمامية مأمورون بأن لا يحملوا الناس على أكتافهم، بل يعودون مرضاهم ويشيعون جنائزهم ويصلون معهم، وإن استطاعوا أن يكونوا أئمتهم أو المؤذنين فعلوا، وأن الإمامية أحق بمساجدهم منهم. (^١١) بل إن التَّقيّة تجري عندهم حتى وإن لم يوجد ما يبررها، فأخبارهم تحث

(^١) - وسائل الشيعة، للحر العاملي: ١١/ ٤٧٠. (^٢) أمالي الطوسي: ١/ ٢٨٧، بحار الأنوار: ٧٢/ ٣٩٥. (^٣) الكافي: (٢/ ١٧٥)، المؤلف: محمد بن يعقوب الكليني (ت: ٣٢٩ هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، ش المطبعة: حيدري، الناشر: دار الكتب الإسلامية - طهران - إيران، نهض بمشروعه محمد الآخوندي، سنة الطبع: ١٣٦٣ ش، عدد الأجزاء: ١٥. (^٤) - مجالس المفيد: ٨٥، بحار الأنوار: ٧٢/ ٤١٠. (^٥) - إيران كانت تسمّى "فارس" وشاه إيران رضا شاه بهلوي حوّل اسمها سنة ١٩٣٥ م إلى "إيران". (^٦) - حقائق مغمورة وأوهام منثورة، عبد العزيز بن صالح المحمود - باحث عراقي، الراصد: سلسلة الكترونية شهرية متخصصة بشؤون الفرق من منظور أهل السنة، العدد مائة وسبعة - جمادى الأولى ١٤٣٣ هـ. بتصرف يسير. (^٧) بحار الأنوار ٧٢/ ٤١٢. (^٨) - تلخيص الشافي، للطوسي: ٤/ ١٣١. (^٩) -المقتدى به في نحلتهم هو من يدعون إمامته، وهو مهديهم الغائب منذ سنة ٢٦٠ هـ إلى اليوم، والذي لا حقيقة له إلا في خيالاتهم، وأساطير معمميهم. (^١٠) يشير بذلك إلى تزويج رسول الله ﷺ ابنتيه رقية وأم كلثوم ﵄ لعثمان ﵁، وأن ذلك وقع من رسول الله ﷺ على سبيل التَّقيّة بزعمهم، كما قالوا مثل ذلك في أمير المؤمنين علي ﵁ أنه زوج ابنته أم كلثوم لعمر ﵁ على سبيل التَّقيّة، كما أنه بايع بزعمهم أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ تقيّة، وجاهد معهم وصلى خلفهم ولم يخالفهم في شيء تقية، فما الحيلة مع من هذه عقيدته؟!. (^١١) - كشف الغطاء: (١/ ٢٦٥).

75 / 26