قال : وقد ينبغي أن نفحص عن مسألتين فحصا بالغا: احداهما: لم كانت الكواكب المتحيرة ما كان أقرب منها من الفلك الأول يتحرك حركات كثيرة وما كان أبعد يتحرك حركات أقل، وقد كان يجب أن يكون الأمر بخلاف ذلك، أعني أن يكون ما قرب من الفلك الأول يتحرك بحركات أقل، إذ كان الفلك الأول إنما يتحرك حركة واحدة فقط. وهو يعمل في تصحيح هذا الوجود على ما ظهر بالارصاد المتقدمة لأهل بابل ومصر (من أن الشمس ابعد الكواكب عن الفلك الأول بعد القمر) وانها أقلها حركات، وذلك أن القمر على رأي أهل بابل ومصر انما أثبتوا له ثلاث حركات فقط: حركة الطول وحركة العرض وحركة الجوزهر، أعني موضع مقاطعة فلكه المائل لفلك البروج. واما بطليموس فإنه أثبت له حركتين سوى هذه الثلاث حركات (التي ذكرنا)، ومذهبه أيضا ان الشمس فوق عطارد والزهرة. ولم يختلف أصحاب التعاليم في أن الشمس أقلها حركات كما لم يختلفوا في أن القمر أسفل [25 و: ع] الكواكب. وارسطو يستشهد على ذلك بما شاهده من أنه أبصر القمر وقد كسف المريخ. وأما المطلب الثاني فهو لأي علة صار الفلك الأول فيه كواكب كثيرة وهو واحد، (وسائر الأفلاك بعكس هذا)، أعني أنه ليس يوجد في الفلك الواحد منها إلا كوكب واحد . وهو يعتذر أولا من التكلم في هذين المطلبين لعواصتهما ويقول: انه ليس ينبغي أن يظن بنا أن طلبنا مثل هذه الأشياء صلفا ولا جهلا، لكن ينبغي أن نشكر على ما نقوله في هذه الأشياء، إذ كان ما نقول فيها غير خارج عن جنس البراهين، وأن يسر بذلك من وقف عليها، فإن المدرك اليسير في هذه الأشياء (جليل) لعواصتها وشرفها في ذاتها، مع ما في الفحص عن الأشياء الغامضة من تلقيح العقل وتخريجه وحصول فضيلته التامة. وانما كنا نرى أن ما يطلب من هذه المعاني في هذه الأجسام الكريمة مستغلقا لو كنا نعتقد فيها أنها غير متنفسة، فاما ونحن نعتقد فيها أنها متنفسة، إذ كانت متحركة من تلقائها، فليس ما نرومه من ذلك بخارج عن القياس ولا ممتنع علينا. فلنبدأ من المطلب الأول فنقول: إن الشيء الفاضل الذي هو في غاية الفضيلة هو الذي من شأنه أن يقتني الفضيلة التي تخصه بغير عمل ولا فعل، وهذا هو شأن العلة الأولى. وأما ما عدا هذا من الأشياء الفاضلة، أعني المتنفسة، فمنها ما ينال الشيء الذي هو من جنس الفضيلة التامة التي هي في الغاية بعمل واحد فقط، وهذه هي (الأشياء) القريبة من الشيء الفاضل باطلاق والقريبة فضيلتها من الفضيلة باطلاق. ومنها ما تنال هذه الفضيلة باعمال كثيرة. (ومنها ما لا تمكن فيه هذه الفضيلة لا باعمال قليلة ولا كثيرة، لكن يمكن فيه) اقتناء ما هو من جنسها باعمال قليلة، وذلك أن اقتناء الفضيلة باعمال قليلة يكون ضرورة لأحد أمرين: اما لفضيلة المقتني وشرفه، واما لسيارة الفضيلة المقتناة وبعدها عن الفضيلة التامة. ومنها ما لا يمكن فيه شيء من جنس هذه الفضيلة، أعني التي تنال ليسارتها باعمال قليلة، وهذا (24 ظ) [34 ظ] الجنس ليس يوجد فيه شيء من أعمال ذوي الفضائل. ومثال ذلك أن بعض الناس يقتني الصحة بغير رياضة ولا عمل، وبعضهم يقتنيها برياضة يسيرة، وبعضهم يقتنيها برياضة كثيرة واعمال شاقة، وبعضهم ليس يمكن فيه أن يقتني الصحة لا برياضة قليلة ولا بكثيرة، لكن ينال ما هو شبيه بالصحة باعمال يسيرة. وهذا كله بين من أمر المتنفسات. وأيضا فإنا نقول أن بعض الأشياء ينال الفضيلة التامة بفعل واحد، وبعضها لا يمكن فيه نيل هذه الفضيلة، لكن يمكن فيه نيل فضائل كثيرة من جنسها بافعال كثيرة حتى تقوم لها كثرة الفضائل مقام مافاتها من كيفية الفضيلة. وهذه هي حال الانسان مع الأشياء التي هي أشرف منه والتي هي فاضلة باطلاق، فإن الانسان لما لم يمكن فيه أن يقتني الفضيلة التامة جعل له اقتناء فضائل كثيرة من جنس الفضيلة التامة. وبعض الأشياء لا يمكن أن يقتني من هذه الفضائل أعني التي هي من جنس الفضيلة التامة (إلا فضائل قليلة وباعمال قليلة)، وهذه هي حال الحيوان والنبات مع الانسان. ومنها ما لا يمكن فيه أن يقتني شيئا من جنس هذه الفضيلة التامة لا بعيدا ولا قريبا وهذه هي حال الجمادات. وبين أن اقتناء الفضيلة الواحدة بعينها باعمال يسيرة أهون وأيسر وأقل تعبا من اقتنائها بافعال كثيرة . وإذ قد تقرر وجود هذه الأشياء في ذوات النفوس، بما هي متنفسة، فأقول إن الجرم الأول إنما وجدت له حركة واحدة لأنه امكن فيه أن ينال الفضيلة القريبة من الفضيلة التامة أو الفضيلة التامة بفعل واحد فقط، وان ما قرب منه من الاجرام السماوية انما وجدت له حركات كثيرة اما لأنه لم يكن فيه أن ينال الفضيلة التي نالها الجرم الأول إلا بأفعال كثيرة، مثل (الذي) يقتني الصحة بافعال كثيرة، واما [25 ظ: ع] لأنه لما لم يمكن فيه نيل الفضيلة التي نالها الجرم الأول جعل مقتنيا فضائل كثيرة من جنسها بافعال كثيرة لتقوم له الكثرة مقام ما نقصه من تمام الكيفية، وذلك كحال الانسان مع ما هو أشرف منه وأتم وجودا. وتكون الأجرام السماوية البعيدة من الجرم الأول انما وجدت لها حركات أقل ان سلمنا أن الشمس والقمر بهاتين الصفتين، أعني أنهما أقل الكواكب حركات وأبعدها من الفلك الأول، لأحد أمرين ضرورة: اما لأنها لم يمكن فيها أن تقتني كثرة من الفضائل التي امكن أن تقتنيها الاجرام المتوسطة التي بينها وبين الجرم الأول، كحال الحيوان والانسان، واما لأنها لم يمكن فيها أن تقتني من الفضائل إلا ما هو أحط من الفضائل المتوسطة التي تقتنيها الأجرام المتوسطة، ولذلك كان اقتناؤها بافعال يسيرة، كحال النبات مع الحيوان، وذلك أنه ليس يمكن أن تكون الفضيلة الواحدة بعينها يقتنيها الأشرف والأقل شرفا بافعال متساوية في العدد. واما ما دون الاجرام السماوية فلما لم يمكن فيها نيل الفضيلة التي من جنس الفضيلة التي تنالها الاجرام السماوية كانت أفعالها يسيرة بالإضافة إلى الفضيلة اليسيرة التي في طباعها أن تنالها. واما الأرض من بين الاسطقسات الأربعة فلما لم يمكن فيها أن تنال الفضيلة التي من جنس الفضيلة اليسيرة التي نالتها سائر الاسطقسات جعلت غير متحركة بل ساكنة دون فعل وعمل. فهذا هو مبلغ ما يمكن أن يقال في أسباب هذه الأشياء بحسب الطاقة الانسانيه، وبحسب ما في أيدينا في ذلك من المقدمات المأخوذة من الاجرام المتنفسة التي لدينا. ويشبه أن يكون هذا القول إذا أريد ألا يعرض فيه شك من قبل كثرة الأفعال على نقصان الفضيلة ومن قبل قلتها اما على كمال الفضيلة في الغاية (واما على نقصان الفضيلة التي في الغاية)، وإذا كان ذلك كذلك، (أمكننا أن نعتبر الأفضل والأقل فضلا) لا من جهة الترتيب فنقول : (ان أفضلها هو الفلك المكوكب)، ثم الشمس، ثم الأقل حركة. وعلى هذا فيكون القمر يلي في الفضيلة الشمس، أو نقول فيه أن القمر لا يمكن فيه أن ينال الفضيلة التي ينالها ما هو (25 و) [17 و] أكثر حركات منه بحركات كثيرة فجعلت له حركات قليلة . وأما المطلب الثاني وهو لم صار في الفلك الأول كواكب كثيرة يديرها فلك واحد، وفي سائر الأفلاك كوكب واحد تديره أفلاك كثيرة؟ فهو يجيب على ذلك بجوابين: أحدهما: أن الفلك الأول لما كان يظهر من أمره أنه مبدأ الحياة وعلة الوجود للاشياء الحية وغير الحية أكثر من سائر الأفلاك، وجب ان تكون قوته أعظم من سائر قوى الأفلاك. والقوة العظمى تحرك اجراما أكثر، والقوة الصغرى تحرك اجراما أقل، فلهذه العلة صار الفلك الأول يحرك كواكب كثيرة بحركة واحدة ، وصارت تلك تحرك كوكبا واحدا بأفلاك كثيرة. وانما صارت هاهنا حركات كثيرة لتستدرك بذلك الطباع مافاتها من أن تكون فيها كواكب كثيرة، فكأن الطبيعة في هذا عدلت فحيث صيرت كواكب كثيرة صيرت حركة واحدة فقط، وحيث صيرت كوكبا واحدا صيرت حركات كثيرة، ليكون كل جرم منها على أقصى ما في طباعه ان يقبل من الكمال، فسبحان الخلاق العليم. والجواب الثاني: ان هذه الأفلاك التي دون الفلك لما كان لكل واحد منها حركة تخصه على مركز خاص به وقطب خاص، وكانت مع هذا تستتبع الفلك الأعظم في الحركة اليومية استتباعا واحدا على مركز واحد وقطب واحد، صار المحرك لجميعها في هذه الحركة انما هو الفلك الأعظم، وقد تبين أن الفلك الأعظم، وإن كان أعظم الأجسام قوة، فهو من جهة [26 و: ع] ما هو جسم (متناهي العظم متناهي القوة) التي تكون من قبل السرعة والبطء، وإذا كان متناهي هذه القوة، فلو كان في سائر الأفلاك كواكب كثيرة لكان سيلحقه بتحريكها كلال وتعب من هذه الجهة، أي ابطاء خارج عن الطبع، لا من جهة التحريك إلى غير نهاية ولا من جهة أن في المتحرك منه مبدأ مضادا للمحرك، على ما يلفي عليه الأمر في المتحركات التي لدينا، بل من جهة أن كل محرك بالطبع فله متحرك محدود الكمية بالطبع. فمتى انزلنا ذلك المتحرك أعظم جرما من الجرم الذي له بالطبع لزم أن تكون حركته خارجة عن الطبع، وإذا كانت خارجة عن الطبع (لحقها التعب والكلال من جهة البطء). فعلى هذا ينبغي أن يفهم قول أرسطو هاهنا في الجرم الأول أنه كان يناله التعب والنصب لو كان يحرك أفلاكا أكثر من هذه الأفلاك وكواكب أكثر من هذه الكواكب لا على وجه آخر. فقد تبين أنه ليس في الاجرام السماويه مبادئ متضادة وانه لا يلحقها كلال في التحريك إلى غير نهاية ( أعني تضاعيف حركة مستديرة بالتكرير ). فقد قلنا في جواهر الكواكب، (وفي حركاتها)، وفي جهات حركاتها، وفي اشكالها، ولم كان بعضها أسرع من بعض، ولم كان بعضها يتحرك حركات كثيرة وبعضها حركات قليلة، ولم كان الفلك الأعظم يدير كواكب كثيرة وسائر الأفلاك تدير كوكبا واحدا.
الجملة الرابعة
Страница 251