Талхис аль-Хабир

التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير

Издатель

دار الكتب العلمية

Издание

الأولى

Год публикации

1419 AH

Место издания

بيروت

الكتاب: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير
المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية
الطبعة: الطبعة الأولى ١٤١٩هـ. ١٩٨٩م.
عدد الأجزاء: ٤
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

Неизвестная страница

المجلد الأول
مقدمة التحقيق
تقديم
...
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
حمدًا للَّه على نعمه، حمدًا يكافئ مزيد فضله، حمدًا كثيرًا عظيمًا طيبًا مباركًا فيه وأشهد أن لا إله إلاّ اللَّه، أوّل بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلاّ ما يريد وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله [من الكامل]:
كل القلوب إلى الحبيب تميل ... ومعي بذلك شاهد ودليل
أما الدليل إذا ذكرت محمدًا ... صارت دموع العارفين تسيل
فإن خير الهمم العالية ما جانفت الرمم البالية وإنما تعلو الهمة بعلوّ ما تهتم به، ولا أجل من علوم الشريعة عقلًا ونقلًا ولا غرو فكتاب الله وسنّة رسوله هما قطبا رحى الإسلام وطنبًا فسطاطه، فحبذا الاشتغال بهما وبئس التشاغل عنهما. قال ابن القيم في نونيته [من الكامل]:
والعلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فلان
شرف علم الحديث وأهله
وعلم الحديث هو العلم الأصيل الذاخر، وهو تاج العلوم الفاخر حسبك أنه كلام النبي بوحي من ربه العلي: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] وقد ابتعث اللَّه محمدًا فأنقذ به الورى، وأنفذهم به إلى الإمام من الورا وأهل الحديث هم عصابة الرحمن، فبهم تصان الشريعة، وتعلم الأوامر والنواهي وهم أعلام الهدى ومنارات الدّجى، وهم الذين عناهم النبي ﷺ بقوله: "ستفترق أمتي من بعدي إلى ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ... " الحديث.
قال الإمام أحمد: هم أهل الحديث.
وقد صدق فيما نطق وباء بالحق وما اختلق، إذ أهل الحديث هم نقلة الشريعة وحفظتها والقائمون عليها وسدنتها، فبهم يستبين الصحيح من الفاسد والرابح من الكاسد من حديث رسول الله ﷺ وخاصة بعدما التبس الحق بالباطل ورتع في وضع الحديث كل عاطل.
وهيهات فإن حفظ الله قائم لشرعه ويدُ اللَّه تحمل في الخفاء لحفظه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] .
وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] والسنّة شقيقة

1 / 3

كتاب الله وصنوه، وبنت قوله وهي محفوظة باللَّه على يد أجناد الله، جهابذ النقدة السفرة البررة من أهل الحديث ﵃ ورحمهم وتوجهم بكل فضل وذخر. [من الطويل]:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهاك نبذًا نيرة ومسائل متآزرة خيرة هي ثمار علمائنا الأكابر من أهل الحديث، تكشف لك جهدهم وتنير دربك لتلحق بهم وتستقي من غيثهم. [من الرجز]:
خذها إليك مسلمة ... موسومة ومعلمة
من جازها نال العلى ... حاز الفخار على الملا
- جولة بين الرواية والرواة.
- تعريفات وتقريرات.
-حكم قبول الحديث الضعيف في الفضائل.
- العناية بالرواية والحفظ لحديث رسول الله ﷺ.
- الرحلة في طلب الحديث.
- من فوائد الترحال والتنقل إلى البلدان والأقطار.
- مرتبة السنّة من الكتاب.
- حجية السنة.
- آراء بعض المستشرقين في السنّة ونقدها.
- مكانة السنّة في القرن الثالث.
- جهود العلمًاء في تدوين الحديث.
- السنّة في القرن الرابع الهجري.
- علم الجرح والتعديل.
- نبذة عن المؤرخين.
- المتكلمون في الرجال ومن يعتد بقوله منهم.
- جهود الصحابة والتابعين في مقاومة الوضاعين.
- ألفاظ تدل على الصحة أو الحسن.
- مبحث في ألفاظ خاصة عند أهل الجرح والتعديل.
- ألفاظ الأداء.
- تعريف التخريج.

1 / 4

- الكتب المصنفة في التخريج.
- ترجمة الرافعي.
- ترجمة ابن حجر.
- تلخيص الحبير.
- وصف النسخ.
جولة بين الرواية والرواة
لا سبيل إلى معرفة شيء من معاني كتاب الله ورسوله إلا من جهة النقل بعد الحفظ فإنهما الطريقًان الأمثلًان للحفاظ على التراث وهو ما يسمى "بالصدور والسطور"، ولذا وجب أن نميز بين عدول النقلة والرواة وثقاتهم، وأهل الحفظ والتثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة؛ ليعرف أهل الصدق من أهل النفاق، وليميز الله الخبيث من الطيب، فينكشف حال أهل الكذب والغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ، وهؤلاء هم أهل الجرح فيسقط حديث من وجب أن يسقط حديثه ولا يعبأ به، ولا يعول عليه، ويكتب حديث من وجب كتابة حديثه منه.
وطبقات الرواة يمرون بمراحل ثلاث:
الصحابة١: أولئك الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وفقهوا دين الله وعرفوا أوامره ونواهيه فنصروه، وأقاموا مبانيه، وحافظوا على مراميه ومعانيه، سماهم اللَّه عدولًا كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة: ١٤٣] .
التابعون٢: خلفوا بعد الصحابة، وحفظوا عنهم، ونهلوا من دقيق أفهامهم، ونشروا ما تلقوه منهم من الأحكام والسنّة والآثار، وذكرهم الله في محكم التنزيل فقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة التوبة:١٠٠] .
أتباع التابعين: وهم الخلف الأخيار، وأعلام الأقطار والأمصار، وأعلم الناس بالحلال والحرام: سكت الصحابة عن تأويل المتشابه فسلموا، وتأوله هؤلاء لحمايته من زيغ

١ المحققون من أهل الحديث، كالبخاري وأحمد بن حنبل على أن الصحابي هو "من لقي النبي ﷺ وهو مميز مؤمن به، ومات على الإسلام، طالت مجالسته له أو قصرت، روى عنه أو لم يرو، غزا معه أو لم يغز". وانظر بحثنا في مقدمة "الإصابة" للحافظ ابن حجر العسقلاني.
٢ قال الخطيب: التابعي من صحب صحابيًا، ولا يكتفي فيه بمجرد اللقى، بخلاف الصحابي مع النبي ﷺ ... ولذلك ذكر مسلم وابن حبان "الأعمش" في طبقة التابعين لأن له لقيا وحفظًا، رأي أنس بن مالك، وإن لم يصح له سماع "المسند" عنه ... وانظر بحثنا في مقدمة "الإصابة".

1 / 5

الزائغين، وانتحال المبطلين، بيد أن الأولى ما سلكه السلف١، ولقد أنجبت المدرسة المحمدية على مر الأزمان والعصور تلاميذ ذكرهم الله بعد تلاميذه المقربين وأتباعهم المخلصين فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحشر: ١٠] .
أما المصنفون في علم الحديث فقد رتبوا الرواة من حيث القبول والرد إلى طبقات خمس:
الطبقة الأولى: الثبت الحافظ الورع المتقن والجهبذ الناقد للحديث. فهذا لا يختلف فيه أو عليه. يعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بأحاديثه وكلامه في الرجال.
الطبقة الثانية: العدل في نفسه، الثبت فى روايته، الصدوق في نقله، والورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه؛ فذلك العدل الذي يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه.
الطبقة الثالثة: الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانًا، وقد قبله الجهابذة النقاد، وهذا بحديثه٢.
الطبقة الرابعة: الصدوق الورع المغفل "كثير النسيان" الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحرام والحلال.
الطبقة الخامسة: والخامس بعد هؤلاء من ألصق نفسه بهم وليس منهم وليس من أهل الصدق والأمانة ظهر للنقاد والعلماء بالرجال أولي المعرفة متهم بالكذب سماه الله بالزنيم "والزنمة قطعة بارزة في الجسم وليست منه" فهو مناع للخير "معتد أثيم "، فإن الروايات التي يذكرها هؤلاء المندسون من الزنادقة والملاحدة لم يذكروا سندها ولا أسندوها إلى أحد من المخرجين، وقبول الحديث الذي لا سند له ليس من شأن أولي الألباب وأرباب العقول وذوي الحجا، لذلك كان لا بد من تحقيق أحوال الوسائط وتشخيصهم وكشف عدالتهم ليكتسب الحديث صفة القبول أو الرد وبدون ذلك فالإستناد به والتعويل عليه لا يليق بمن له أدنى خبرة بهذا الفن.
وخلاصة المرام في تحقيق المقام: أن الأمور الدينية بأسرها محتاجة إلى بروز سندها،

١ نقول: وباللَّه التوفيق: "وإنما يجب أن يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعى، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه وغيرهم، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل ... ". انظر تعليقنا على "تفسير الوسيط" الواحدي النيسابوري تفسير سورة الأعراف آية ٥٥ جـ٢/٣٧٥.
٢ "الأجوبة الفاضلة"/٦٤ بتحقيق عبد الفتاح أبو غدة.

1 / 6

واتصالها إلى منبعها أو تصريح من يعتمد عليه بها، ولا يستثنى من ذلك شيء منها. غاية الأمر أن منها ما يشدد ويحتاط في طريق ثبوتها، ومنها ما يتساهل أدنى تساهل في طريقها.
تعريفات وتقريرات
علم الحديث علم جليل وفريد اختص اللَّه سبحانه به الأمة الإسلامية من أجل تثبيت دينها وصيانتها من الانحراف والضياع.
فالحديث: أقوال الرسول ﷺ وتقريراته، والسنة: أفعال الرسول وصفاته زيادة على أقواله وتقريراته.
والمتواتر من الحديث من بلغ رواته كثرة يستحيل تواطؤهم على الكذب، والآحاد خبر الواحد لا ينطبق عليه حد التواتر، فإن رواه اثنان عن اثنين فهو مشهور، وإن ثلاثة أو أربعة عن مثلهم إلى آخرين فهو مستفيض.
والجمهور على أن المتواتر يفيد العلم ضرورة، وخالف في إفادته العلم مطلقًا السمتيَّة والبراهمة.
وخالف في إفادته العلم الضروري- الكعبي، وأبو الحسين من المعتزلة، وإمام الحرمين من الشافعية؛ وقالوا: إنه يفيد العلم نظرًا.
وذهب المرتضى من الرافضة، والآمدي من الشافعية إلى التوقف في إفادته العلم، هل هو نظري، أم ضروري؟.
وقال الغزالي: إنه من قبيل القضايا التى قياساتها معها، فليس أوليًا وليس كسبيًا.
وحجة الجمهور: أنه ثابت بالضرورة، وإنكاره بهت ومكابرة، وتشكيك في أمر ضروري، فإنا نجد من أنفسنا العلم الضروري بالبلدان النائية والأمم الخالية، كما نجد العلم بالمحسوسات، لا فرق بينها فيما يعود إلى الجزم، وما ذاك إلا بالإخبار قطعًا.
ولو كان نظريًا، لافتقر إلى توسط المقدمتين في إثباته، واللازم باطل؛ لأننا نعلم قطعًا علمنا بالمتواترات، من غير أن نفتقر إلى المقدمات وترتيبها، ولو كان نظريًا، لساغ الخلاف فيه؛ ككل النظريًات، واللازم باطل؛ فثبت أن المتواتر يفيد العلم، وأن العلم به ضروري كسائر الضروريات.
وخبر الواحد الصحيح يفيد الظن الغالب فإن تلقاه المسلمون وأهل الحديث بالقبول فهو العلم اليقيني، ويجزم بأنه صدق، ويجب العمل به كالمتواتر سواء في العقائد أو العبادات أو المعاملات، وإنكاره إثم لقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة

1 / 7

النساء: ٦٥] . ولقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
والحديث القدسي: ما أضيف إلى رسول الله ﷺ وأسنده إلى ربه سبحانه.
والفرق بين القرآن والحديث القدسي أن القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، والحديث القدسي ما كان لفظه من عند الرسول ﷺ ومعناه من عند الله بالإلهام أو المنام١.
والحديث النبوي: إما مرفوع أو موقوف، وكلاهما إما صحيح أو حسن أو ضعيف أو موضوع.
فالصحيح٢: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذًا ولا معللًا.
والحسن ٣: كالصحيح، إلا أن بعض رواته حفظه أقل من حفظ راوي الحديث الصحيح. والحسن ينقسم إلى قسمين:
حسن لذاته، وحسن لغيره.
فالحسن لذاته ما انطبق عليه التعريف المتقدم.
والحسن لغيره: ما ورد من طريقين فأكثر، لا يخلو واحد منها من ضعف إلا أنها بمجموعها ترقى بالحديث إلى درجة الحسن لغيره بشرط أن يكون الضعف غير شديد.
أما الضعيف٤: فهو ما قصر عن درجة الحسن، وتتفاوت درجاته ضعفًا بحسب بعده من شروط الصحة.
وليس للضعيف مرتبة واحدة، بل هو قسمان.
قسم يجبر بتعدد الطرق، وقسم لا يجبر بهذا التعدد، فالذي يجبر بتعدد الطرق يكون ناشئًا عن سوء حفظ رواته لا من تهمة فيهم.
أما الضعيف الذي لا يجبر ضعفه فهو ما كان بعض رواته متهمًا بالكذب أو الفسق وقد يرتقي بمجموعه عن كونه منكرًا أو لا أصل له.

١ وهناك فروق أخرى كثيرة، وليس هذا موضعها.
٢ انظر: "قواعد التحديث" /٧٩.
٣ ينظر: "مقدمة ابن الصلاح" ص ١٠٣، واختصار علوم الحديث ص ٣٧، و"شرح التبصرة والتذكرة" ١/٨٤، و"تقريب النواوي" ١/١٥٣- ١٥٤، و"توجيه النظر" ص ١٤٥.
٤ "مقدمة ابن الصلاح" ص١١٧، و"اختصار علوم الحديث" ص ٤٤، "تدريب الراوي" ١/١٧٩،. و"فتح المغيث" ١/٩٣.

1 / 8

والضعيف أقسام:
مرسل، ومقطوع، ومنقطع، ومعضل، ومعلق، ومدلس، وغريب، وشاذ، ومضطرب، وموضوع، ومعلل، ومدرج، وغير ذلك.
فالمرسل١: ما رفعه التابعي إلى النبي مسقطًا الصحابي.
والمقطوع٢: ما جاء عن تابعي من قوله، أو فعله موقوفًا.
والمنقطع٣: ما سقط من رواته واحد قبل الصحابي، وكذا بعده من مكان، بحيث لا يزيد الساقط عن راوٍ واحد.
المعضل ٤: ما سقط من رواته قبل الصحابي اثنان فأكثر بشرط التوالي.
المعلق: ما حذف من أول إسناده لا وسطه.
المدلس ثلاثة أقسام:
الأول: أن يسقط شيخه، ويرتقى إلى شيخ شيخه أو من فوقه فيسند عنه ذلك بلفظ لا يقتضي الاتصال بل بلفظ موهم؛ كأن يقول عن فلان أو قال فلان.
الثاني: تدليس التسوية: بأن يسقط ضعيفًا بين ثقتين فيستوي الإسناد ويصير كله ثقات؛ وذلك شر التدليس وكان بقية بن الوليد من أفعل الناس له.
والثالث: تدليس الشيوخ بأن يسمى شيخه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف أو ينسبه، أو يصفه بما لم يشتهر به، وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلًا ألا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث٥.

١ "مقدمة ابن الصلاح" ص١٣٠، و"شرح التبصرة والتذكرة" ١/١٤٤، و"تقريب النواوي" ١/٢٩٥، و"فتح المغيث" ١/١٢٨، و"الخلاصة" ص٦٥، و"تنقيح الأنظار"، وشرحه "توضيح الأفكار" ١/٢٨٣.
٢ "تقريب النواوي"، ومعه "التدريب" ١/١٩٤، و"فتح المغيث للسخاوي" ١/١٠٠، و"اختصار علوم الحديث" ص٤٧، و"تنقيح الأنظار" معه "توضيح الأفكار" ١/٢٦٥.
٣ "الكفاية" ص٢٥٨، و"مقدمة ابن الصلاح" ص ١٤٤، و"فتح المغيث للسخاوي" ١/١٤٩، و"معرفة علوم الحديث" ص ٢٧، و"توضيح الأفكار" ١/٣٢٣.
٤ "فتح المغيث للسخاوي" ١/١٥١، و"تدريب الراوي" ١/٢١١، و"الاقتراح" لابن دقيق العيد ص١٩٢.
٥ انظر: الحديث عن "المدلس" في: "محاسن الاصطلاح" ص١٦٧، و"التقييد والإيضاح" ص٩٥، و"الخلاصة" ص٧٤، و"فتح الباقي" ١/١٧٩، و"تدريب الراوي" ١/٢٢٣، و"فتح المغيث للسخاوي" ١/١٦٩.

1 / 9

الغريب١: ما انفرد راوٍ بروايته أو برواية زيادة فيه عمن يجمع حديثه، وينقسم إلى:
غريب صحيح كالأفراد المخرجة في "الصحيحين".
وغريب ضعيف: وهو الغالب على الغرائب.
وغريب حسن وفي "جامع الترمذي" منه الكثير.
الشاذ٢: ما خالف الراوي الثقة فيه من هو أوثق منه بزيادة أو نقص، والشدوذ يكون في السند، ويكون في المتن.
المنكر٣: الذي لا يعرف متنه من غير جهة راويه، فلا تابع له ولا شاهد.
المضطرب٤: ما روي من أوجه مختلفة متدافعة على التساوي في الاختلاف من راوٍ واحد.
الموضوع٥: هو الذي في إسناده راوٍ واحد أو أكثر ثبت عليه أنه يكذب على رسول الله ﷺ ويسمى المختلق، وتحرم روايته مع العلم به إلا مبينًا.
والمعلل: هو حديث ظاهره الصحة، ولكن تدخله علة، وهي عبارة عن سبب غامض خفي قادح مع أن الظاهر السلامة منه.
والمدرج: وهو ما يدخله الراوي على الأصل المروي متصلًا به، سواء كان الاتصال بآخر المروي، أو بأوله، أو في أثنائه دون فصل بذكر قائله، بحيث يلتبس على من لم يعرف الحال، فيتوهم أن الجميع من ذلك الأصل المروي.
وها هنا مسألة هامة تحرض لها أصحاب هذا الفن، فطال فيها نزاعهم، ألا وهي: "قبول الحديث الضعيف في فضائل الأعمال".
قال الحافظ العراقي في "شرح ألفية الحديث"٦.

١ "التقييد والإيضاح" ص٢٧٣، و"تدريب الراوي" ٢/١٨٠، و"اختصار علوم الحديث" ص١٦٦، و"الخلاصة" ص٥١، و"نزهة النظر" ص٢٧.
٢ "معرفة علوم الحديث" ص ١١٩، و"التقييد والإيضاح" ص ١٠٠، و"فتح المغيث للسخاوي" ١/١٨٥، و"تدريب الراوي" ١/٢٣٢، و"توضيح الأفكار" ١/٣٧٧.
٣ "اختصار علوم الحدث، ص٥٨، و"شرح التبصرة والتذكرة" ١/١٩٧، و"فتح المغيث للسخاوي" ١/١٩٠، و"تدريب الراوي" ١/٢٣٨، و"توضيح الأفكار"، ٢/٣.
٤ "شرح التبصرة والتذكرة" ١/٢٤٠، و"اختصار علوم الحديث والباعث الحثيث" ص٧٢، و"فتح المغيث للسخاوي" ١/٢٢١، وتوضيح الأفكار ٢/٣٤.
٥ "التقييد والإيضاح" ص١٣٠، و"فتح المغيث للسخاوي" ١/٢٣٤، و"تدريب الراوي" ١/٢٧٤، و"مقدمة ابن الصلاح" ص٢١٢.
٦ ٢/٢٩١ ط فارس.

1 / 10

أما غير الموضوع فجوزوا التساهل في إسناده، وروايته من غير بيان ضعفه إذا كان في غير الأحكام والعقائد، بل في الترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحوها، أما إذا كان في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام وغيرهما أو في العقائد؛ كصفات الله تعالى وما يجوز في حقه وما يستحيل عليه ونحو ذلك فلم يروا التساهل في ذلك، وممن نص على ذلك من الأئمة، عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعبد اللَّه بن المبارك وغيرهم، انتهى.
وقال النووي في "التقريب" قريبًا من ذلك.
وذكر له شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون الضعيف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه.
والثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به.
والثالث: ألا يعتقد قبل العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط، وقيل: لا يجوز العمل به مطلقًا١، وقيل: يعمل به مطلقًا٢ اهـ.
قال ابن حجر الهيثمي٣: قد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ لأنه إن كان صحيحًا في نفس الأمر فقد أُعطي حقه من العمل به، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم، ولا ضياع حق للغير.
وقد احتج بعضهم بالحديث الضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره كأحمد بن حنبل، وتبعه أبو داود، وقدماه على الرأي والقياس. ويقال عند أبي حنيفة أيضًا ذلك، وإن الشافعي يحتج بالحديث المرسل إذا لم يجد غيره، وكذلك إذا تلقت الأمة الحديث الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح وجوبًا حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به، ولهذا قال الشافعي في حديث: "لا وصية لوارث" ٤: إنه لا يثبته أهل الحديث، ولكن

١ وممن ذهب إلى هذا المذهب القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي.
٢ نقله السخاوي في "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع" ص١٩٥.
٣ "الفتح المبين في شرح الأربعين" ص ٣٢.
٤ أخرجه: من حديث أبي إمامة أخرجه أبو داود في "السنن" ٣/٢٩٠، ٢٩١، وكتاب الوصايا: باب ما جاء في الوصية للوارث "٢٨٧٠" وأخرجه الترمذي في "السنن" ٤/٤٣٢، كتاب الوصايا: باب ما جاء "لا وصية لوارث" ٢١٢٠" وأخرجه ابن ماجة في "السنن" ٢/٩٠٥ كتاب الوصايا: باب لا وصية لوارث "٢٧١٣"، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ٨/١٥٩، ١٦٠ "٧٦١٥"، وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٦/٢٦٤ كتاب الوصايا: باب نسخ الوصية للوالدين، وأخرجه أبو داود الطيالسي في "المسند" ص١٥٤، وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ٩/٤٨، ٤٩، كتاب الولاء: باب تولي غير مواليه "١٦٣٠٦"، وأخرجه أحمد في "المسند" ٥/٢٦٧. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه ٤٢٨، وذكره الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" "٢٩٠٨".

1 / 11

العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخًا لآية الوصية١.

١ قال الإمام اللكنوي بعد حكاية الخلاف المذكور: "هذه العبارات ونحوها الواقعة في كتاب "الثقات" تشهد بتفرقهم في ذلك، فمنهم من منع الحمل بالضعيف مطلقًا، وهو مذهب ضعيف، ومنهم من جوزه مطلقًا، وهو توسع سخيف. ومنهم من فصل وقيد، وهو المسلك المسدد". من "الأجوبة الفاضلة" ص ٥٣.
قول الصحابي: أمرنا، أو نهينا، أو من السُّنة
الصحابة: هم الذين تلقوا السنّة عن رسول الله ﷺ مباشرة، فإذا أخبر أحدهم بأنهم أُمروا، أو نُهوا، أو من السنة كذا، فإما أن يصرح بالآمر، والناهي، وصاحب السنة، وحينئذٍ فلا إشكال ولا خفاء.
ومثاله في الأمر: ما أخرجه الترمذي "عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لما بلغ النبي ﷺ عام "الفتح" "مر الظهران" فآذننا بلقاء العدو، فأمرنا بالفطر، فأفطرنا أجمعون ... ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ومثاله في النهي: ما أخرجه الترمذي، عن علي بن أبي طالب قال: نهاني النبي ﷺ عن التختم بالذهب، وعن لباس القسي، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لبس المعصفر ... " قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ومثاله في السنة: قول ابن عباس في متعة الحج: سنّة أبي القاسم.
وقول عمرو بن العاص في عدة أم الولد: لا تلبسوا علينا سنّة نبينا ... . رواه أبو داود.
وقول عمر في المَسْحِ: أصبت السُّنة ... صححه الدَّارقطني في "سننه".
وهذه مراتب متفاوتة في قربها من الرفع- بعضها من بعض- فأقربها: سنة أبي القاسم: ويليها سنة نبينا، ويليها: أصبت السنة.
غاية الأمر: أنه اختلف في الأمر والنهي، إذا صرح بأنه أمر الرسول ونهيه، هل يكون حجة أَوْ لا؟
فقال الجمهور: نعم.
وحكي عن أبي داود، وبعض المتكلمين: إنه لا يكون حجة؛ حتى ينقل لفظه.
وحجة الجمهور: أن الصحابي عدل عارف باللسان؛ فلا يطلق الأمر والنهي إلا بعد التحقق منه.

1 / 12

وقال المانعون: إنه يتطرق إليه احتمالات ثلاثة:
الأول: في سماعه؛ كما في قوله قال: والرد عليه أنه مرسل الصحابي حجة كسماعه.
الثاني: في الأمر والنهي: إذ ربما يرى ما ليس بأمر أمرًا، وما ليس بنهي نهيًا.
والجواب: أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك، إلا إذا علم تحقيقًا أنه أمر بذلك، أو نهى عنه، وينضم إليه من القرائن ما يعرف كونه أمرًا أو نهيًا، ويدرك ضرورة قصده إلى الأمر والنهي.
أما احتمال بنائه على الغلط والوهم، فلا يصح أن يتطرق إنى الصحابة بغير ضرورة، بل يحمل قولهم وفعلهم على السَّلامة ما أمكن.
الثالث: في المأمور والمنهي؛ هل هو فرد بعينه، أو طائفة بعينها، أو سائر الأمة؟
والجواب: أن ذلك لا يخفى على الصَّحابي، وذكره في مقام الاحتجاج يرفع الاحتمال.
أما إذا لم يصرح الصحابي بالآمر، والناهي، ولا بصاحب السنة- فهناك يأتي الاحتمال الرابع، وهو: هل الآمر، أو الناهي، أو صاحب السنة- هو رسول الله ﷺ مرفوعًا، أو غيره؛ فلا يكون مرفوعًا؟.
فقال الجمهور: هو مرفوع.
وقال فريق منهم أبو بكر الإسماعيلي: ليس بمرفوع.
وقيل: محل الخلاف إذا لم يكن القائل هو الخليفة الأول: أبو بكر ﵁.
قول الصحابي: كنا نفعل كذا، أو نقول كذا، أو نرى كذا.
قول الصحابي ذلك: إما أن يضيفه لعهد رسول ﷺ أو لا؟.
فإن أضافه لعهد الرسول ﷺ فلا يخلو: إما أن يكون هناك تصريح بإطلاعه أولًا:
فإن كان هناك تصريح بإطلاعه؛ كما رواه الطبراني في "الكبير" من حديث ابن عمر: كما نقول ورسول الله ﷺ حيٌّ: "أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان"، ويسمع ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره، فمرفوع إجماعًا، والحديث في "الصحيح" بدون التصريح المذكور.
وإن لم يكن هناك تصريح بإطلاعه؛ كحديث جابر: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ أخرجه الشيخان.
وكقوله: كُنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول ﷺ رواه النسائي وابن ماجة -فثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أنه مرفوع؛ وهو مذهب الجمهور.
المذهب الثاني: أنه موقوف؛ وهو مذهب الإمام أبي بكر الإسماعيلي.
المذهب الثالث: فإن كان ذلك الفعل مما لا يخفى غالبًا- كان مرفوعًا، وإلا كان موقوفًا؛ وبهذا قطع أبو إسحاق الشيرازي.

1 / 13

العناية بالرواية والحفظ لحديث رسول الله ﷺ
يقول خالد بن يزيد فيما رواه البيهقي: حرمة أحاديث رسول الله ﷺ كحرمة كتاب الله وكان أبو سعيد الخدري يقول: مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن.
تال السيوطي في "مفتاح الجنة": وهذا كما قال الشافعي: "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، لأن قراءة القرآن نافلة، وحفظ الحديث فرض كفاية.
وقال ابن المبارك في حديث: "لا تزال طائفة من أمتي على أمر اللَّه ... " الحديث١: "هم عندي أصحاب الحديث".
وقد صدق هؤلاء فيما قالوه: إن أصحاب الحديث خير الناس وكيف لا يكونون كذلك، وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة وسحرهم المعارضة، واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم "أي طيبهم الذي يتطيبون به" المداد، ونومهم السهاد يصطلون الضياء، ويتوسدون الحصى، الشدة عندهم مع علو الإسناد رخاء، أولئك هم العلماء الحكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء.

١ أخرجه: البخاري ١/١٩٧ كتاب العلم: باب "من يرد به الله خيرًا" "٧١"، وفى ٦/٢٥٠ كتاب الخمس باب قول الله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] ٣١١٦، وفي ١٣/٣٠٦، كتاب الاعتصام باب قول النبي ﷺ: "لا تزال من أمتي ظاهرين على الحق.."، "٧٣١٢"، ومسلم ٢/٧١٨-٧١٩، كتاب الزكاة: باب النهي عن المسألة "٩٨/١٠٣٧".
الرحلة في طلب الحديث
يعتبر الحديث النبوي الشريف المصدر الثاني للإسلام، لذلك أعطاه العلماء غاية اهتمامهم، وبذلوا من أجل الحديث وأسانيده كل ما في وسعهم حتى رحلوا المسافات البعيدة على بعد الشقة وعظم المشقة، طلبًا للحديث، وبحثًا عن أسانيده؛ بل عن إسناد الحديث الواحد. امتثالًا لأمر الله تعالى، وتحقيقًا لما حث عليه رسول الله ﷺ من كتاب الله وسنة نبيه.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] ومن الحديث قوله ﷺ: "من سلك

1 / 14

طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل له به طريقًا إلى الجنة" ١ وقبل أن أبين أهداف الرحلة عند المحدثين يجدر بي أن أقف عند قوله ﷺ: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" ووجه الاستدلال أن هذه المساجد الثلاثة مساوية لسائر المساجد في المسجدية، فما ميزها عن سائر المساجد بشد الرحال إليها، وطلب زيارتها للعبادة فيها إلا أنها مباني النبيين ومعاهدهم، وأمكنة غالب عبادتهم وإرشاداتهم عليهم الصلاة والسلام، فإذا طلبت زيارتها بهذا الحديث كانت زيارة أصحابها أولى٢ بالطلب وأحق بشد الرحال إليها، وهذا الاستدلال من قبيل الاستدلال بمفهوم الموافقة الذي هو أولى كما يقول الأصوليون، وذلك أمر واضح لمن نور الله بصيرته، ومن فهم من هذا الحديث منع شد الرحال لزيارة المصطفى ﷺ أو زيارة القبور فقد وهم وما فهم. ويدخل تحت "شد الرحال" طلب العلم والرحلة لطلب الحديث للتأكد من صحة متنه أو لعلو إسناده أو لمثانته، ويدخل تحت هذا المعنى الهجرة لهذه الأسباب لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] كما أن الاستثناء المفرغ كما في هذا الحديث يجب أن يكون فيه المستثنى من جنس المستثني منه القريب أو البعيد والقريب أولى بالتقدير؛ فالمعنى لا تشد الرحال إلى مسجد أو إلى أي مكان، والزيارة أو الرحلة في طلب العلم لا تدخل في واحد منهما حتى يتوجه النفي إليها.
وقال الحافظ العراقي: من أحسن محامل هذا الحديث أن المراد منه حكم إلى مساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة أي لكونها أبنية الأنبياء. وأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وزيارة الصالحين والإخوان والتجارة والتنزه ونحو ذلك فليس داخلًا فيه، وقد ورد ذلك مصرحًا به في رواية أحمد ولفظه: "لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" ٣.
وقال الشيخ تقي الدين السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى تشد الرحال إليها لذلك الفضل غير البلاد الثلاثة، وأما غيرها من البلاد؛ فلا تشد إليها لذاتها بل لزيارة أو

١ من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم ٤/٢٠٧٤ في كتاب الذكر والدعاء: باب "فضل الاجتماع على تلاوة القرآن"، حديث "٣٨/٢٦٩٩"، وابن ماجة باب "فضائل العلماء والحث على طلب العلم" حديث "٢٢٥".
٢ الزيارة الشرعية المنصوص عليها في الكتب الصحيحة- معاذ الله! - أن نبيح الطواف بالقبور والتبرك بها وشد الرحال إليها تعبدًا.
٣ من حدث أبي سعيد الخدري أخرجه أحمد في "المسند" ١/٦٤، وانظر كلام الشيخ الألباني على الحديث في "إرواء الغليل" ٣/٢٣٠.

1 / 15

جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات. إذا فهمت ذلك، تجلت لك أهداف الرحلة عند المحدثين، واتضحت لك فيما يلي:
١- تحصيل الحديث: وذلك من أهم أسباب الرحلة خصوصًا في العهود الأولى للإسلام، ومنه جاءت رحلات الصحابة والتابعين وتفرقهم في الأمصار.
وقد كان الخلفاء ﵃ يرسلونهم إلى البلاد دعاة ومعلمين كابن مسعود في العراق وأبى الدرداء في الشام.
وانتشر علم الصحابة في التابعين، وتفرق بينهم فاحتاج العلماء إلى تحصيله من صدور حملته مباشرة استكمالًا لعلم السنّة النبوية فضربوا المثل العليا حتى رحلوا في طلب الحديث الواحد.
٢- التثبت من الحديث: وهو مقصد الصحابة ﵃ في رحلاتهم والتابعين، وقد يكون عند المحدث أحاديث يرويها فإذا رحل سمع أحاديثه بأسانيد تلتقي مع إسناده وتتفق مع رواياته أو معناها فيطمئن المحدث، ويتقوى الحديث عنده إن كان فيه ضعف بتعدد الطرق أو يزداد صحة إن كان من قبل صحيحًا أو يسقط حديثًا كان يظن قبل رحلته صحيحًا.
٣- طلب العلو في السند: ومعنى العلو قلة الوسائط في سند الحديث مع اتصال السند، وكيفية حصول العلو بأن يسمع المحدث حديثًا من راوٍ عن شيخ موجود فيذهب المحدث إلى الشيخ ويسمعه منه مشافهة فيقل بذلك عدد وسائط النقل في السند١.
٤- البحث عن أحوال الرواة: معرفة أداء الراوي للحديث هو المقصد الأسمى الذي عليه مدار هذا العلم، ومن أجله بذلت كل الجهود، ووضعت قواعد النقد فكان لا بد من تقصي أحوال الرواة وأخبارهم حتى يتميز المقبول من المردود.
٥- مذاكرة العلماء في نقد الأحاديث وعللها: وهو فن جليل يحتاج إلى عمق النظر، وتقصي الأسانيد والروايات وذلك لا يتم إلا بالمجالسة والمدارسة، ولقاء أساتذة هذا الفن وأساطينه.
قال الخطيب البغدادي: ولو كان المتصل والمرسل واحدًا لما ارتحل كتبة الحديث، ولما تكلفوا مشقة الأسفار، وشد الرحال إلى ما بَعُدَ من الأمصار والأقطار للقاء العلماء والسماع منهم.

١ انظر: "الرحلة في طلب الحديث" بتحقيق نور الدين عز ١٢ وما بعدها.

1 / 16

من فوائد الترحال التنقل إلى البلدان والأقطار
يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: "الرحلة في طلب العلم، ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم"١.
ولعل في هذه العبارة الموجزة ما يفيد أن الرحلة تزيد في المعارف، ومنها تكتسب الأخلاق، وتنتحل المذاهب والآراء إما علمًا وتعليمًا، وإما محاكاة وتلقينًا، ولعل أقوى مثال في ذلك ما وافانا به الإمام الشافعي في رحلته من العراق إلى مصر من مذهب جديد يختلف في مسائل جوهرية كثيرة عن مذهبه القديم؛ فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد، والكمال بلقاء المشايخ، وتكوين الشخصية العلمية المستقلة التي يمكن أن تتجدد وتبتكر في إطار الهدف المنشود، والغرض المقصود.
كما أن من أسمى غايات الرحلة نشر العلم فليس الغرض منها الاستفادة من الغير فحسب، وإنما إفادة الغير أيضًا فيعلم من يلقاهم مما أفاض الله عليهم من الفن الذي تخصص فيه فتعظم مكانته بينهم، ويكثر الانتفاع بحكمته، بل إن أحدهم ليستصغر البلد الذي ينزل فيه على علمه فيرحل إلى بلد يسعه علمه الغزير؛ كما فعل العز بن عبد السلام فرحل من الشام إلى مصر.
وقد تكون الرحلة للالتقاء بأحد الصالحين الذين ذاع صيتهم وانتشر في الآفاق كرحيل موسى إلى الخضر، ولا يفوتنا في هذا المقام مالك بن أنس إمام دار الهجرة التي كانت تضرب إليه أكباد الإبل بالمدينة المنورة للتلمذة على يديه وعلى رأسهم الشافعي بن إدريس المطلبي ابن عم رسول الله ﷺ.
كما أن من فوائد الرحلة كسب صداقات جديدة قائمة على تبادل الخبرات والثقافات؛ كالتقاء الشافعي بابن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة بالعراق.
ومن آداب الترحال تزود المترحل من علماء بلده قبل أن يخرج إلى بلد غير بلده، فإذا فرغ من التلقي من علماء بلده سلك السبيل إلى غيرهم في الآفاق.
كما أن من آدابها اختيار الأماكن، واستشارة علماء بلده في هذه الأماكن قبل الرحيل إليها والتعرف على الفضلاء من علمائها.
وألا يكون عاصيًا بالسفر٢ إلى هذه البلاد فإن البلاد فإن ذلك مما يحرم عليه الرخص، التي أباح الله له من قصر الصلاة وجمعها والفطر بدلًا من الصوم وغير ذلك.

١ "مقدمة ابن خلدون" ص ٦٣٢.
٢ لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، هذا عند الشافعي، بل يرى الأحناف ومن وافقهم إباحة الترخص له، ولكن عند الشافعي نقول للعاصي: تب وارجع إلى ربك ثم ترخص.

1 / 17

مرتبة السنة من الكتاب
الذي لا يختلف عليه اثنان أن الكتاب يتميز عن السنة لفظًا وإعجازًا وتعبدًا بالتلاوة، لكنها تساويه من حيث الحجية والاستدلال بأنها تبيان الكتاب؛ فلا تتأخر عنه في هذا المقام. وكيف لا، وهي وحي مثله لأنها قد نزلت على من لا ينطق عن الهوى ﷺ وهي المعنية بقوله ﷺ: "أوتيت القرآن ومثله معه" يعدد ومثله معه مرات عديدة.
إن إهدار حجية السنة إهدار للآيات التي نصبت على حجيتها: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: الآية ٧] .
وخلاصة القول في ذلك: أن كلًاّ منهما معضد للآخر، مساوٍ له في أنه وحي من عند الله، وفي قوة الاحتجاج به قال ﷺ: "نزلت فيكم ما إن تمستكم به لن تضلوا بعده كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض" ١ والله أعلم.

١ انظر بحثنا عن هذا الموضوع في كلامنا على "فتح العلام " للشيخ زكريا الأنصاري. والحديث أخرجه: ابن ماجة مقدمة باب ١٦، والحاكم في "المستدرك" ١/٩١، من حديث العرباض بن سارية.
حجية السنة
لا نزاع في أن صحة الاستدلال بحديث مروي عن رسول الله ﷺ على عقيدة دينية أو حكم شرعي يتوقف على أمرين أساسيين:
أولهما: ثبوت أن السنة حجة وأصل من أصول التشريع.
ثانيهما: ثبوت ورود هذا الحديث بطريق من طرق الرواية المعتمدة.
ثم إن العلماء اختلفوا بالنسبة للأمر الثاني في الطريق التي تعتمد في إثبات صدور الحديث عن رسول الله ﷺ اختلافًا كبيرًا.
فمن الناس من أنكر العمل بكل ما يروى عن النبي ﷺ لا من حيث صدورها عنه، وأن ما صدر ليس بحجة، ولكن من حيث عدم ثبوت هذا الصدور من طريق يصح الاعتماد عليه والاطمئنان إليها.
وهذا الفريق من الناس ذكره السيوطي في كتابه "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة"١. ومنهم من قال: إنما يثبت بالتواتر فقط ورد جميع أخبار الآحاد.

١ ص ٣ من الكتاب المذكور، وانظر بحثنا عن "حجية السنة" في "فتح العلام" للشيخ زكريا الأنصاري.

1 / 18

وفريق ثالث: أثبته بكل منهما "التواتر والآحاد" وهذا الفريق اختلف في شروط خبر الواحد اختلافًا كثيرًا.
وأما الأمر الأول: وهو حجية السنة بعد التثبت من صدورها عن رسول الله ﷺ فهل وقع فيه خلاف.
الذي لا شك فيه أن موجبات الخلاف اختلاف الملل والنحل وتفاوت العقول؛ فهذا قد قصر عقله عن إدراك ما يقال وما يفعل، وهذا قد اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، وثالث قد مرق من الدين مروق السهم من الرمية، وبين هؤلاء وهؤلاء الغارقين في ظلمات الجهل وعماية الفهم يشق النور طريقه مخترقًا ذلك الظلام الدامس، فسرعان ما يبدده بتفنيد هذه الآراء والتمييز بين المتعالمين والعلماء بحجج قاطعة وبراهين ساطعة يرتاح إليها المصنفون، وينزعج لتبيانها المبطلون.
فحجية السنة ليس المراد منها أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته لذاتها، بل من حيث صدورها ممن ثبتت رسالته وعصمته.
فإذا قلنا: إنها ضرورة دينية أي إنها أصبحت معلومة للخاص والعام: العالم والجاهل، ولكل أفراد الأمة الإسلامية: لا ينكرها منكر، ولا يشك فيها شاك حتى يطالبنا ببيان دليلها وأصلها، فلما لم نحتج إلى بيان دليل لمنكر لها كصلاة الظهر مثلًا وأنها أربع ركعات صارت بمنزلة القضايا الضرورية حقيقة؛ ولذلك كان الحكم على منكرها أو الشاك فيها بالردة لما تقرر من أن الإيمان هو التصديق القلبي في جميع ما علم مجيئه على يد النبي ﷺ بالضرورة.
وخلاصة القول أن الأئمة قاطبة مجمعون على اتّخاذ الحديث الصّحيح قاعدةً أساسيّة بعد كتاب الله تعالى، وأنّه يجب العمل به في القضاء والإفتاء، ولو خالف مذاهبهم.
كان بعضهم يعتصم بالحديث حتى كاد يُقصر اجتهاده عليه، وبعضهم أسّس مذهبه على ظاهره، وأنكر ما عداه، ولا غرابة، فإنّه المعين الذي لا ينضب بعد كتاب الله، فيه يجد المجتهد مجالًا واسعًا لاستنباط الأحكام، وهو مفتاح القرآن، ومرقاة الوصول إلى فهمه على وجهه، فقد فضّل ما أجمل وأحكم ما تشابه، وكمّل ما سكت عنه، وإذا كان الحديث بهذه المثابة فلا بأس أن نسرد أقوال الأئمّة فيه، ونبيّن مقدار تمسّكهم به في تشريعهم فها هو الإمام الشافعي- ﵁ يقول: إذا صح الحديث، فهو مذهبي، وإذا وجدتم في كتابي خلاف سنّة رسول الله، فدعوا قولي، وقولوا بسنّة رسول الله، وقد سلك أصحابه هذا المَسلك، فكانوا يُفتون بالحديث، بل كان بعضهم إذا رأى مسألة تعارض فيها الحديث ومذهب الشافعيّ، أخذ بالحديث وأفتى به قائلًا: "هكذا مذهب الشافعي".

1 / 19

وجاء في "شرح الهداية" لابن الشحنة: "إذا صحّ الحديث، وكان مخالفًا للمذهب عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهب من صحّ عنده". ثم قال: ولا يخرج مقلّده عن كونه حنفيًّا بالعمل به؛ لما رُوي عن أبي حنيفة أنه قال: "إذا صحّ الحديث، فهو مذهبي"، وقد حكى ذلك ابن عبد البَرِّ عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة.
آراء بعض المستشرقين في السنّة ونقدها
يرى جولد تسهير أن أكثر الأحاديث النبوية موضوعة؛ لأنها نتيجة للتطور الإسلامي السياسي والاجتماعي، وأن الصحابة والتابعين لهم يد في وضع هذه الأحاديث.
كما يرى أن أصحاب المذاهب ينتحلون أحاديث لدعم مذهبهم، بل إن بعضهم عزز آراءه الفقهية حتى في العبادات بأحاديث باطلة.
وأخيرًا يصور الكتب الستة الصحاح بأنها ضم لأنواع من الأحاديث التي كانت مبعثرة رأى جامعوها أنها صحيحة.
كما يظن اختلاف وجهات نظر النقاد المسلمين والأجانب في التسليم بصحة الأحاديث من عدمها.
تلك هي النقاط الخمسة التي خرجت رجيعًا من الأمعاء السبعة التي يأكل فيها هذا الكافر الحاقد، وهي أتفه من أن أفندها أو أناقشها، فإن مثل هذا الحاقد ومن على شاكلته خير من إجابته السكوت؛ لأن أصل فريتهم يتناول جانبين أساسيين:
أحدهما: أن النبي محمدًا أحد المصلحين الذين كانوا لهم تأثير في مجتمعهم، وما زالت يده الإصلاحية ممتدة على مر السنين والأيام، فكل ما أتى به من اختراعه وابتكاره ليس وحيًا إليه من ربه.
والأمر الثاني: أن أصحابه كانوا من خيرة معاونيه على تدعيم وجهات نظره واستكمال منهجه حتى مكن الله لهم في الأرض، وأن السيف كان أداتهم في تدعيم آرائهم ومعتقداتهم.. تلك هي خلاصة ما يروونه في الإسلام ونبي الإسلام فيما يبدونه من آراء، ولكن الحق أن هؤلاء إن لم يكونوا من اليهود فهم على كل حال من سلالة القردة والخنازير ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٤٦] وهذا هو باطنهم الذي لم يستطيعوا أن يجهروا به حتى لا يفلت زمام السيطرة والجاه الزائف والسلطان الكاذب من بين أيديهم.
ولعلك توافقني أيها القارىء الكريم بعد أن عرفت هذه الحقيقة الدامغة أن نسكت معًا عن الخوض في قضية تقوم المناقشة فيها على المصادرة على آرائنا والكبر والمعاندة والمجادلة

1 / 20

والجواب الجدلي السفسطائي من جهتهم.
وقد تبع هؤلاء بعض المسلمين من أمثال أحمد أمين صاحب "فجر الإسلام" الذي إن صح التعبير قلت: هو "غروب شمس الإسلام" على يد هذا المؤلف البالغ الجرأة على الله ورسوله، وغيره ممن يظن أنهم لهم قدم وباع في التجديد والتطوير والتنوير، وأقل ما يقال في مثل هؤلاء [من البسيط]:
إن التطور في شيئين منحصر ... الفسق أوله والكفر آخره
مكانة السنّة في القرن الثالث ١
كان لظهور الاعتزال في القرن الثالث الهجري على يد واصل بن عطاء أثر كبير في نشأة الخلاف بين هذه الفرقة وأهل السنّة تناول كثيرًا من الجوانب العقدية التي قررت أصولًا هي أبعد ما تكون عن مذهب الحسن البصري وغيره من السلف، وكانت أشهر قضايا هذه الفرقة القول بنسبة خلق أفعال العباد لأنفسهم لا لله، فوجب على الله إثابتهم أو عقابهم خلافًا لما قاله أهل السنّة من أن الله خالق الأفعال وليس للخلق منها إلا الكسب أو الاكتساب بناء على اختيارهم.
والثانية: تنزيه الله عن ثبوت صفات قائمة لذاته- في نظرهم- كالسمع والبصر والحياة والقدرة والكلام؛ خوفًا من تعدد القدماء ولم يعلموا أنها صفات قائمة بذاته تعالى ليست هي عين ذاته ولا غيرها.. مما أدى إلى قولهم بخلق القرآن.
ولقد كان سلطان المقل هو القوة المسيطرة عليهم في كثير من العقائد والأحكام حتى تجرأوا على الأحاديث النبوية بردها إذ لم يجدوا لها تأويلًا تستسيغه عقولهم.
والحق أن ظهورهم على الساحة الإسلامية كان في وقت ظهرت فيه موجات من الإلحاد، وبدا فيه اللسان الأعجمي بعد كثرة الفتوحات في الدولتين الأموية والعباسية وظهور الشعوبية وثورة الموالي إلى غير ذلك مما جعل الفكر الإسلامي يأخذ طريقًا يكاد يحيد عن الجادة في ظل هذه الظروف الجديدة.
وجاء القرن الثالث ليتيح فرصة لهؤلاء المتكلمين على يد الخليفة المأمون "١٩٨-٢١٨" للدخول في معركة وحشية بينهم وبين المحدثين.
كما أن حب المأمون للعلم وذكاؤه الخارق كان سببًا في جمع العلماء على مائدة العلم وإن

١ ونخص هذا القرن والذي يليه بالحديث نظرًا لانقراض عصر الصحابة والتابعين، وظهور البدع وانتشار الكذب في حديث سيدنا رسول الله ﷺ، وقيام علماء الحديث بالذب عن المصدر الثاني للتشريع.

1 / 21