Талхис китаб аль-Ибарат
تلخيص كتاب العبارة
Регионы
•Марокко
Империя и Эрас
Альморавиды или аль-Мурабитун
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله
تلخيص
المقالة الأولى
من الخطابة
قال: إِن صناعة الخطابة تناسب صناعة الجدل، وذلك إِن كليهما يؤمان غاية واحدة: وهي المخاطبة؛ إذ كانت هاتان الصناعتان ليس يستعملها الإنسان بينه وبين نفسه كالحال في صناعة البرهان، بل إنما يستعملها مع الغير؛ وتشتركان بنحو من الأَنحاءِ في موضوع واحد، إذ كان كلاهما يتعاطى النظر في جميع الأشياءِ، ويوجد استعمالها مشتركا للجميع: أعني إِن كل واحد من الناس يستعمل بالطبع الأَقاويل الجدلية والأَقاويل الخطبية. وإِنما كان ذلك كذلك، لأَنه ليست واحدة منهما علما من العلوم منفردا بذاته. وذلك إِن العلوم لها موضوعات خاصة، ويستعملها أَصناف من الناس خاصة. ولكن من جهة إِن هذين ينظران في جميع الموجودات وجميع العلوم تنظر في جميع الموجودات، فقد توجد جميع العلوم مشاركة لهما بنحو ما.
وإذا كانت هاتان الصناعتان مشتركتين، فقد يجب إِن يكون النظر فيهما لصناعة واحدة: وهي صناعة المنطق.
وكل واحد من الناس يوجد مستعملا لنحو ما من أنحاءِ البلاغة ومنتهيا منها إِلى مقدار ما وذلك في صنفي الأَقاويل اللذين أحدهما المناظرة، والثاني التعليم والإِرشاد. وأكثر ذلك في الموضوعات الخاصة بهذه الصناعة، وهي مثل الشكاية والاعتذار وسائر الأَقاويل التي في الأُمور الجزئية.
ويوجد كثير منهم يبلغون مقصودهم بهذا الفعل. فمن الناس من يفعل ذلك بالاتفاق؛ ومنهم من يفعله بالاعتياد وبملكة ثابتة. ومعلوم إِن الذي يفعل هذه الصناعة بملكة ثابتة أفضل من الذي يفعلها بالاتفاق. وإِذا كان ذلك كذلك، فالذي يفعلها بملكة ثابتة وعلم بالسبب الذي به يفعل فعله أتم وأفضل. وهذا أمر يعرفه الجمهور فضلا عن الخواص. ولذلك كان واجبا إِن تُثبت أجزاءُ هذه الصناعة في كتاب، ولا يقتصر على ما يوجد من ذلك بالطبع فقط، ولا بالاعتياد، كالحال في كثير من الصنائع القياسية.
قال: وكل من تكلم في هذه الصناعة ممن تقدمنا، فلم يتكلم في شيء يجرى من هذه الصناعة مجرى الجزء الضروري، والأَمر الذي هو أحرى إِن يكون صناعيا: وتلك هي الأُمور التي توقع التصديق الخطبي، وبخاصة المقاييس التي تسمى في هذه الصناعة الضمائر، وهي عمود التصديق الكائن في هذه الصناعة، أعني الذي يكون عنها أولًا وبالذات. وهؤلاءِ فلم يتكلموا في الأَشياءِ التي توقع التصديق الخطبي بالجملة، ولا في الضمائر التي هي أحرى بذلك؛ وإِنما تكلموا فأكثروا في أشياء خارجة عن التصديق، وإِنما تجرى مجرى الأَشياءِ المعينة في وقوع التصديق، مثل التكلم في الخوف والرحمة والغضب وما أشبه ذلك من الانفعالات النفسانية التي ليست معدة نحو الأَمر المقصود تبيينه أولًا وبالذات، وإنما هي معدة نحو استمالة الحكام والمناظرين ولذلك كانت كأنها موطئة للتصديق، لا فاعلة له.
قال: فلو كان إِنما يوجد من أجزاءِ الخطابة الشيء الذي هو موجود الآن منها في بعض المدن، لما كان لما تكلم هؤلاءِ فيه من الخطابة جدوى ولا منفعة، وإن كان قد تكلموا فيها تكلما جيدا، وهي المدن التي لا تبيح السنة فيها التكلم بين يدي الحكام بالأَشياءِ التي تمُيل الحكام وتستعطفهم إِلى أحد المتكلمين، بل إِنما تباح فيها الأُمور التي توقع التصديق فقط. وذلك إِن أهل المدن يلفون في هذا الوقت فريقين: فمنهم من يرى أنه ينبغي إِن تُثبَّت السنن التي يؤدب بها أهل المدينة في نفوس المدنيين بجميع الأُمور التي لها تأْثير في التصديق، كانت أشياء توقع التصديق أو أُمور خارجة، ومنهم من يمنع إِن يذكر شيء من الأُمور التي من خارج، وبخاصة عند الحكام على ما كان عليه الأَمر في موضع الحكومة في أثينيا وفي بلاد اليونانيين.
قال: ورأْيُ من رَأى إِن استعمال جميع الأَشياءِ التي لها تأْثير في التصديق في تثبيت الأَشياءِ التي يراد تثبيتها بطريق الخطابة هو الصواب.
وخليق إِن استعمل أحد هذا القانون إِن يكون باستعماله يصير في هذه الصناعة لبيبا أديبا.
1 / 1
وقد يدل على إِن الأُمور التي من خارج ليس لها كبير جدوى في هذه الصناعة إِن الذي يروم إِن يثبت شيئا بين يدي الحكام فهو إِما إِن يثبت إِن الشيء موجود أو غير موجود فقط، أعني أنه كان أو لم يكن، وذلك إِذا كان قد حدد صاحب الشريعة إِن ذلك الشيءَ الذي فيه الشكوى عظيم أو يسير، وأنه عدل أو جور، وإِما إِن يثبت الأَمرين، وذلك إِذا لم تحدد الشريعة ذلك الشيء الذي فيه الكلام فأما استعمال الانفعالات في تثبيت إِن الأَمر عدل أو جور فغير ممكن، وذلك إِن الانفعال بالرحمة أو البغضة إِنما يكون لشيءٍ جزئي، والعدل والجور أُمور كلية. وأما استعمالها في إِن الأَمر كان أو لم يكن فله في ذلك تأْثير لكنه ليس يوجب إِن الأَمر كان أو لم يكن بالذات، بل إِنما يُميل الحكام إِلى إِن يقولوا إِنه صدَق فيما ادعى أو لم يصدق، من غير إِن يحدث للحاكم أو المناظر بذلك تصديق زائدا بالشيء الذي فيه الكلام.
قال: وقد يجب إِن تكون السنن هي التي تحدد إِن الأَمر جور أو عدل، وتفوض إِن الأَمر وجد من هذا الشخص أو لم يوجد إِلى الحكام. وبالجملة: فتفوض إِليهم الأُمور اليسيرة. وذلك لسببين: أما أولا فإِنه قل ما يوجد حاكم يقدر إِن يميز الأُمور على كنهها، فيضع إِن هذا الأَمر جور وهذا عدل في الأَقل من الزمان. وأكثر الحكام الموجودين في المدن في أكثر الزمان ليس لهم هذه القدرة.
وأما ثانيا فلأَن الوقوف على إِن الشيء عدل أو جور يحتاج واضع السنن فيه إِلى زمان طويل، وذلك لا يمكن في الزمان اليسير الذي يقع فيه التناظر في الشيء بين يدي الحكام.
فلمكان هذين الأَمرين يصعب إِن يُفَوض إِلى الحكام إِن هذا الأَمر عدل أو جور أو نافع أو ضار، بل إِنما يُفَوض إِليهم إِن الأَمر وقع من هذا الشخص أو لم يقع، وذلك لبيانه، ولأَنه أمر لا يمكن إِن يضعه صاحب السنة.
قال: وإِذا كان الأَمر هكذا، فمعلوم إِن هؤلاءِ الذين تكلموا في الأَشياءِ التي من خارج، أني في صدور الخطب وفي الاقتصاص وفي الانفعالات وما يجري هذا المجرى، لم يتكلموا في شيءٍ يجري من الخطابة مجرى الجزء، وإِنما تكلموا في أشياء تجري مجرى اللواحق. فأما الأَشياءُ التي تكون بها التصدبقات الصناعية - وهي أول ذلك الضمائر - فلم يتكلموا فيها بشيءٍ.
ومن أجل أنا نحن نرى إِن الضمائر عمدة هذه الصناعة، نعتقد إِن المخاطبة التي تكون على جهة التشاجر والتنازع بين يدي الحكام والمخاطبة التي تكون على جهة الإِرشاد والتعليم هي لصناعة واحدة، وهي هذه الصناعة، وأما هؤُلاءِ الذين تكلموا في هذا الجزء من الخطابة فقد يلزمهم ألا ينسبوا من الكلام في هذه الصناعة إِلى هذه الصناعة إِلا ما كان منه على جهة التنازع والتشاجر وليس في كل الأَصناف التي يتشاجر فيها، بل في الصنف الخسيس منها، وهي الأًمور السوقية التي يتشاجر فيها بين يدي الحكام. وأما التشاجر الذي يكون في وضع السنن فليس ينتفع فيه بالجزءِ الذي تكلم هؤلاءِ فيه من الخطابة. إِذ كان هؤلاءِ لم يتكلموا في الضمائر بشيءٍ. لكن لما تكلموا في الأَشياءِ التي بها يخسس الشيء أو يفخم، ظنوا أنهم قد تكلموا في جميع الأَشياءِ التي تستعمل فيها الأَقاويل الخطبية. واستعمال الأَشياء التي من خارج في الخطابة، دون استعمال الأَشياء التي هي من نفس الأَقاويل الخطبية، فعل خسيس.
1 / 2
وليس لقائل إِن يقول: إِن الأَقاويل التي تكون في التشاجر قد يستغنى فيها بالأُمور التي من خارج عن الشيءِ الذي هو من نفس الأَمر، إِذ كانت السنن في أكثر المدن هي التي ترسم ما هو جور وما هو عدل وعظيم أو صغير، فليس يحتاج في هذا النوع من الخطابة إِلا لما يُميل الحكام فقط، وذلك بخلاف الأَمر في الأَقاويل التي تستعمل في الأُمور المشاورية. فإِن الأَقاويل المشيرة بما يفعل بذوي الجنايات مما هو نافع أو ضار أيسر على الخطيب من الأَقاويل المشاجرية فيهم، أعني التي تثبت فيهم أنهم جاروا أو عدلوا. وليس هذا في ذوي الجنايات فقط. وهذه حال التكلم في الأَشياءِ المشاورية مع التكلم في الأَشياءِ المشاجرية. وذلك إِن الحكام إِنما يحكمون في الأَشياءِ التي يشار بها بأُمور معروفة عند الجمهور، وهو إِن هذا الشيء الذي يشار به نافع أو ضار، فلا يخاف من الحكام إِن يحيفوا فيه. وإِذا كان الأَمر على هذا، فليس يحتاج المتكلم بين أيديهم إِن يثبت أكثر من إِن الأَمر نافع أو ضار، فيوافقه الحكام على ذلك، ولا يمكن إِن يخالفوه لاستواءِ معرفة الجمهور مع الحاكم في النافع والضار. وأما المتكلم بين يدي الحاكم في الأُمور المشاجرية فقد ينبغي له إِن يتحفظ من الحكام في قضائهم إِن هذا عدل أو هذا جور، لأَن معرفة العدل والجور هو شيء غريب عند الجمهور، وإِنما يعرفه القوام بالشريعة. فلذلك يمكن إِن يسلم الحاكم للمتكلم الشيء الذي رام تثبيته، ولا يفضى له بما فيه من الجور أو العدل، فيحتاج المتكلم بين أيديهم إِن يعرف الأَشياء التي هي جور والتي هي عدل، والأَشياء التي يثبت بها أنها عدل أو جور.
ولمكان هذا تمنع السنة في مدن كثيرة إِن يتكلم بين يدي الحاكم في الأشياء التي تمُيلهم وتستعطفهم عن أحد المتنازعين. وإِنما يباح لهم التكلم بين أيديهم بأشياء محدودة مما رسمها واضع السنة.
وأما المتكلم في الأُمور المشورية فليس يحتاج إِلى مثل هذا التحرز. فإِن الحكام يبالغون في التحفظ من إِن يقولوا في الشيء النافع إِنه ليس بنافع أو في الضار إِنه ليس بضار، إِذ كان ذلك مما يحط منزلتهم عند الجمهور لاستواءِ علمهم به وعلم الحكام. وإِذا كان الأَمر هكذا، فإِذن ما يحتاج إِليه الخطيب في الأُمور المشاجرية من معرفة الأَشياءِ التي توقع التصديق أكثر مما يحتاج إِليه الخطيب في الأُمور المشاورية.
قال: ومن أجل أنه معلوم إِن الأَشياء المنسوبة إِلى هذه الصناعة إِنما يقصد بها التصديق والاعتراف من المخاطب بالشيء الذي فيه الدعوى، وذلك لا يكون إِلا بتثبيت الشيء عنده المعترف به، وذلك أنا إِنما نعترف بالشيءِ إِذا رأينا أنه قد ثبت عندنا. والشيء الذي نثبت به الأَشياء على طريق الخطابة هو الضمير، لأن هذا هو أصل التصديق وعموده في الأُمور التي توقع هذا النحو من التصديق، أعني التصديق البلاغي.
1 / 3
والضمير هو نوع من القياس. ومعرفة القياس هو جزء من صناعة المنطق. فقد يجب إِن يكون صاحب المنطق هو الذي ينظر في هذه الصناعة: إِما في كلها، وإِما في أجزاءٍ منها. وبينّ إِن الذي يعرف القياس من كم شيء يلتئمُ ويكون، ومتى يكون، فهو أقدر على عمل الضمير ممن يعرف الضمير فقط دون إِن يعرف القياس الذي هو جنسه. والذي يزيد على هذا فيعلم لماذا تعمل الضمائر والفصول التي بين الضمير وبين سائر المقاييس التي تستعمل في الصنائع الأُخر فهو أقدر من ذينك. والمعرفة بهذا كله إِنما هو لصناعة المنطق. فإِن للقوة الواحدة بعينها، أعني للصناعة الواحدة بعينها، إِن تعرف الشيء الذي هو حق والذي هو شبيه بالحق. والتصديقات الخطبية، وإِن لم تكن حقا، فهي شبيهة بالحق. وأيضا فإِن الناس متهيئون بطبيعتهم كل التهيئة نحو الوقوف على الحق نفسه، وهم أكثر ذلك يؤمونه ويفعلون عنه. والمحمودات وهي التي تكون منها الضمائر شبيهة بالحق من قبل أنها نائبة عند الجمهور مناب الحق، والشبيه بالحق قد يدخل في علم الحق الذي هو علم المنطق. وإِذا كان الأَمر هكذا، فقد استبان إِن قصور هؤلاءِ فيما تكلموا فيه من أمر الخطابة إِنما كان من أجل أنه لم يكن عندهم علم بالمنطق، وأن سائر من تكلم في الخطابة ومن يستعمل الأَقاويل الخطبية فقط من غير إِن يتقدموا فيعرفوا هذه الأَشياء التي هي عمود البلاغة، إِنهم إِنما يتكلمون في أشياء تجري من البلاغة مجرى التزيين والتنميق الذي يكون في ظاهر الشيء وصفحته لا في الأَشياءِ التي تتنزل منها منزلة ما به قوام الشيء ووجوده، وإِن كان قد يظن بما فعلوا من ذلك أنهم قد بلغوا الغاية من الأَقاويل الإِقناعية وجروا في ذلك على طريق الصواب والعدل.
قال: وللخطابة منفعتان: إِحداهما إِن بها يحث المدنيين على الأَعمال الفاضلة، وذلك إِن الناس بالطبع يميلون إِلى ضد الفضائل العادلة. فإِذا لم يضبطوا بالأَقاويل الخطبية، غلبت عليهم أضداد الأَفعال العادلة، وذلك شيء مذموم يستحق فاعله التأنيب والتوبيخ، أعني الذي يميل إِلى ضد الأَفعال العادلة أو المدبر الذي لا يضبط المدنيين بالأقَاويل الخطبية على الفضائل العادلة. وأعني بالفضائل العادلة التي هي فضائل بين الإِنسان وبين غيره، أعني بينه وبين المشارك له في أي شيء كانت الشركة، لا بينه وبين نفسه.
والمنفعة الثانية أنه ليس كل صنف من أصناف الناس ينبغي إِن يستعمل معه البرهان في الأَشياءِ النظرية التي يراد منهم اعتقادها، وذلك إِما لأَن الإِنسان قد نشأ على مشهورات تخالف الحق، فإِذا سلك به نحو الأَشياء التي نشأ عليها سهل إِقناعه، وإِما لأَن فطرته ليست معدة لقبول البرهان أصلا، وإِما لأَنه لا يمكن بيانه له في ذلك الزمان اليسير الذي يراد منه وقوع التصديق فيه. فلهذا قد نضطر إِلى إِن نجعل التصديق بالمقدمات المشتركة بيننا وبين المخاطب، أعني بالمحمودات. وهذه المنفعة تشارك هذه الصناعة فيها صناعةَ الجدل، كما ذكرنا ذلك في كتاب الجدل عند قولنا في الأَشياء التي يمكننا بها إِن نبين مطلوبات مختلفة.
1 / 4
وهذه الصناعة يمكنها الإِقناع في المتضادين جميعا، كما يمكن ذلك في القياس الجدلي. وذلك أنا قد نقنع في ذي الجاني أنه أساءَ وأنه لم يسيء، ولست أعني أنا نفعل الأَمرين جميعا في وقت واحد، بل نفعل هذا في وقت، وهذا في وقت بحسب الأَنفع، وذلك أنه كثيرا ما يكون الشيءُ نافعا في وقت، وضده نافعا في وقت آخر. وأيضا فإِنه إِذا كانت الأَشياءُ التي تثبت الشيءَ وضده عندنا عتيدة، وسمعنا متكلما قد أقنع في الضد الذي ليس بعدل، أمكننا بهذه القوة إِن ننقض عليه قوله. فهاتان المنفعتان موجودتان في القدرة التي في هذه الصناعة على الإِقناع في الشيءِ وضده. وليس توجد هذه القوة في شيء من الصنائع القياسية إِلا في هاتين الصناعتين، أعني صناعة الخطابة وصناعة الجدل. وكلا هاتين الصناعتين هما مهيئتان بالطبع وعلى السواءِ للإِقناع في كلا المتقابلين، أعني أ، هـ ليس واحدة منهما توجد أشد استعدادا للإِقناع في أحد المتقابلين منها في الآخر، بل الاستعداد الموجود فيها على الإِقناع في المتقابلين هو على السواء. فأمما الأَشياءُ الموضوعة لهاتين الصناعتين، أعني الأَشياء التي فيها تقنع وبها تقنع، فليس استعدادها لقبول الإِقناع على السواءِ، ولا جدوى الإِقناع فيها على السواء. لكن إِذا كانت الأُمور التي تقنع فيها صادقة، كانت الأَقاويل الخطبية والجدلية التي تستعمل فيها أفضل وأبلغ.
قال: وليس واجبا إِن نرى أنه قبيح بالإِنسان إِن يعجز عن إِن يضر بيديه، ولا نرى أنه قبيح إِن يعجز عن إِن يضر بلسانه الذي المضرة به مضرة خاصة بالإِنسان، أعني إِن يعجز عن إِن يضر بلسانه الضرر العظيم، لا الضرر الذي هو عدل فقط، بل والضرر الذي هو جور. فإِنه يظن إِن هذا شيء يوجد عامَّا في جميع الفضائل التي هذه الصناعة واحدة منها، ما عدى الفضيلة النظرية والخلقية، ولا سيما في الأُمور العظام النافعة مثل الجلَد والصحة واليسار والسلطان وما أشبه هذه الأَشياء من الأُمور النافعة، أعني إِن كل واحد من هذه الخيرات هي معدة لأن ينفع بها المقتنى لها غيره منفعة عظيمة إِذا استعمل العدل، ويضر بها ضررا عظيما وذلك إِذا استعمل الجور. فإِن الصحة والجلَد والسلطان قد يستعملها المرءُ في الضرر والنفع، وكذلك الحال في الخطابة. فقد استبان من هذا إِن هذه الصناعة ليس تنظر في أحد المتقابلين، ولكنها تنظر فيهما على السواءِ، كالحال في الجدل، وأنها نافعة لهذا جدا.
وليس عمل هذه الصناعة إِن تقنع ولا بد، أعني أنه ليس يتبع فعلها الإِقناع ضرورة، كما يتبع فعل النجار وجود الكرسي ضرورة، إِذا لم يكن هنالك عائق من خارج، بل عملها هو إِن تعرف جميع المقنعات في الشيءِ وتأًتى بها في ذلك الشيء، وإِن لم يقع إِقناع. والحال فيها في هذا المعنى كالحال في صناعات كثيرة مثل صناعة الطب، فإِنه ليس فعلها الإِبراء ولا بد، بل إِنما فعلها إِن تبلغ من ذلك غاية الشيء الممكن فعله في ذلك الشيء المقصود بالإِبراء. ولذلك قد يشارك في أفعال هذه الصنائع مَنْ ليس مِنْ أهلها، مثل إِن يبرئ مَن ليس بطبيب، ويقنع مَنْ ليس بخطيب. لكن الفعل الحقيقي إِنما هو لصاحب الصناعة، وذلك إِن الغاية تتبع فعل هذا على الأَكثر، وذلك على الأَقل.
1 / 5
وكما إِن في الجدل ما هو قياس وما يظن به أنه قياس، وليس بقياس، وهو القياس السوفسطائي، كذلك في الأَقاويل المقنعة المستعملة في هذه الصناعة ما هو مقنع بالحقيقة، وما يظن به أنه مقنع من غير إِن يكون كذلك. لكن لما كان السوفسطائي ليس إِنما يكون سوفسطائيا من قبل القوة والملكة التي بها يفعل الأَقاويل السوفسطائية، بل إِنما هو سوفسطائي من قبل ما يقصد بتلك الأَقاويل من الكرامة والخيرات الخارجة، وذلك لإِيهامه أنه حكيم، وكان الجدلي إِنما هو جدلي بالملكة الحاصلة له عن الصناعة، فبالواجب لم تكن الأَقاويل السوفسطائية جزءًا من صناعة الجدل، أعني التي يظن بها أنها مقاييس جدلية من غير إِن تكون جدلية، إِذا استعملت نحو هذه الغاية، وأما إِذا استعملت على طريق الامتحان فهي جزء منها. وأما الخطيب فلما كان قد يكون خطيبا من أجل الأُمور التي من خارج مثل الكرامة وغير ذلك من سائر الخيرات، وقد يكون خطيبا من قبل ملكة هذه الصناعة، كانت الأَقاويل التي يظن بها أنها مقنعة وليست بمقنعة جزءًا من هذه الصناعة، لأَن المقصود بهذه الأَقاويل في هذه الصناعة قد يكون بعينه مقصود السوفسطائي. وِإنما كان ذلك كذلك لأَن المقصود بهذه الصناعة من الذي يراد إِقناعه إِنما هو الفعل أو الانفعال. فإِذا حصل ذلك منه، فلا فرق بين إِن يكون حصوله عن أقاويل هي مقنعة في الحقيقة أو عن أقاويل يظن بها أنها مقنعة، وليست بمقنعة. فإِن كان ذلك الفعل المقصود من المخاطب أو الانفعال خيرًا ما له، لا للخطيب، كانت الأَقاويل التي يظن بها أنها مقنعة وليست بمقنعة داخله في هذه الصناعة بالجهة التي دخلت في صناعة الجدل الأَقاويل التي يظن بها أنها جدلية وليست بجدلية، إِذا لم يقصد بها مقصد السفسطة. وإِن كان مقصود الخطيب خيرًا يناله من الخيرات التي يقصدها السوفسطائي، كان يقول الذي يظن به أنه مقنع وليس بمقنع من جهة ما هو سوفسطائي جزءًا من هذه الصناعة، إِذ قد يشارك الخطيب السوفسطائي في غايته، فلذلك قد تدخل الأَقاويل السوفسطائية في هذه الصناعة ولا تدخل في صناعة الجدل.
قال: فهذه الصناعة التي ذكرنا منافعها وأن كل مَنْ تكلم فيها لم يتكلم فيها بما هو كافٍ في أمرها التي قصدنا للكلام فيها من أول الأَمر، وذلك بأن نخبر من أي شيء تأْتلف هذه الصناعة، وكيف تأْتلف وما تكلمنا فيه قبل هذا فكأنه لم يكن لنا مقصودًا أولًا، ولذلك قد ينبغي إِن نستأْنف هاهنا القول فيها ونعود إِلى مقصودنا كأنا مبتدئون من هذا الموضع، فنبتدئئ أَولا ونحد هذه هذه الصناعة فنخبر ما هي ونحو ماذا، وذلك بأن نعرف جنسها القريب وفصلها الخاص بها، ثم نتطرق من ذلك إِلى إِحصاءِ أجزائها على جهة تحليل الحد.
قال: والخطابة هي قوة تتكلف الإِقناع الممكن في كل واحد من الأَشياءِ المفردة. ويعني بالقوة: الاصناعة التي تفعل في المتقابلين وليس يتبع غايتها فعلها ضرورة. ويَعني بتتكلف: إِن تبذل مجهودها في اسقصاءِ فعل الإِقناع الممكن. ويعني بالممكن: الإِقناع الممكن في ذلك الشيء الذي فيه القول، وذلك يكون بغاية ما يمكن فيه. ويعني بقوله في كل واحد من الأَشياءِ المفردة، أي في كل واحد من الأَشخاص الموجودة في مقولة مقولة من المقولات العشر.
وهذا هو الفصل الذي به تنفصل هذه الصناعة عن سائر الصنائع التي يظن بها أنها قد تقنع في الأُمور التي قد تنظر فيها. وذلك إِن كل صناعة إِنما هي معلمة، أي مبرهنة، ومقنعة، في الجنس الذي تنظر فيه، لا في جميع الأَجناس. مثال ذلك: إِن الطب إِنما يعلم على طريق البرهان ويقنع في الصحة والمرض وفي أنواعهما، وكذلك الهندسة إِنما تعلم على طريق البرهان وعلى طريق الإقناع في الأَعظام، والأَشكال التي توجد في الأَجسام.
وأما الخطابة فهي تتكلف الإِقناع في جميع الأَشياءِ: في أيّ مقولة كانت وأيّ جنس كان. ولذلك ليس تنسب إِلى جنس خاص.
فأما الأَشياءُ التي تفعل التصديقات في هذه الصناعة: فمنها ما هي صناعية وتلك هي التي وجودها إِلى اختيارنا ورويتنا ونحن الفاعلون لها، ومنها ما هي غير صناعية وهي التي ليس وجودها لاختيارنا ورويتنا، مثل الشهود والتعذيب والعقود وما أشبه ذلك مما سيذكر بعد.
1 / 6
والأَشياءُ الصناعية التي نحن الفاعلون لها: منها أشياء قد تقدم غيرنا فصنعها، مثل الاحتجاج بالأَمثال السائرة التي قد وضعت واشتهرت، ومنها ما نخترعها نحن عند القول في الشيء الذي فيه الإِقناع ونستنبطها.
فأما التصديقات التي نفعلها نحن ونخترعها فهي ثلاثة أنواع: أحدها إِثبات المتكلم فضيلة نفسه التي يكون بها أهلا إِن يُصدق، كما قال تعالى حاكيا عن هود: " وأنا لكم ناصحا أمين "، وأن يكون عند التكلم بهيئة في وجهه وأعضائه شأْنها إِن توقع التصديق بالشيء المتكلم فيه، مثل التؤدة والوقار وغير ذلك. والفضيلة التي شأْنها هذا هي التي يعني أرسطو بالكيفية والهيئة التي شأْنها هذا هو الذي يعني بالسمت. وقد يدل على إِن الفضيلة لها تأْثير في التصديق إِن الصالحين الفاضلين يُصدقون سريعا دون قول يتكلفونه في الشيءِ. وإنما يكون ذلك في الأُمور الظاهرة للحس التي يزعمون أنهم أحسوها، مثل أنه شرب أو قتل. فأما إِخبارهم عن الأُمور الخفية عند الحس وهي التي يظن أنه خفى عنهم ما أحسوا من ذلك أو وهموا فيه، إِذا كان ذلك الشيء ممكنا إِن يهم فيه الحس، فليس يُصدّقون في الأَشياءِ التي يدعونها في أمثال هذه الأَشياء دون إِن يستعملوا، في تثبيت ذلك الشيء، القولَ.
قال: وليس كما ظن الذين ذكرنا أنهم تكلموا في الخطابة إِن الفضيلة والأَناة أنما هي نافعة في باب الإِنفعال فقط.
وأما الصنف الثاني من التصديقات فهو الصنف الذي يكون بأن يكسب السامع بالقول إِنفعالا ما يوجب له التصديق بالشيءِ الذي فيه القول، فإِنه ليس تصديقنا بالشيءِ وإِقرارنا به ونحن في حال الفرح أو الحزن تصديقا واحدا، وكذلك إِذا كنا في حالة السخط على الشيء أو في حال الرضا عنه. وهذه هي الأَشياءُ التي تكلم فيها أُؤلئك الذين ذكرنا أنهم تكلموا في هذه الصناعة.
وأما الصنف الثالث من هذه التصديقات فهو تثبيت الشيء بالكلام المقنع، أو ما يظن به أنه مقنع، وذلك في الأُمور الجزئية التي تقنع فيها هذه الصناعة. وإِذا كانت التصديقات إِنما تكون في هذه الصناعة بهذه الوجوه، فهو بيّن إِن الذي يقدر إِن يقنع الإِقناع الممكن في كل واحد من الأَشياءِ إِنما هو الذي يكون عالما بثلاثة أشياء، أولها: معرفة الأَقاويل المقنعة، وثانيها: معرفة الأَخلاق والفضائل، وثالثها: معرفة الانفعالات، وذلك بأن يعرف كل واحد من الانفعالات: ما هو، ومن أي شيء يكون، ومتى يكون، وكيف يكون. وإِذا كان ذلك كذلك، فهذه الصناعة كأنها مركبة من صناعة الكلام والصناعة الخلقية، أعني المدنية. وإِنما لم يوجد لمن تقدم قول مستوفي في أجزائها إِما من قبل جهلهم، وإِما من قبل أنهم ضنوا على غيرهم وبخلوا عليهم بما وقفوا عليه من ذلك لمكان الخيرات التي من خارج.
فهذه الصناعة هي جزء من صناعة المنطق، وهي شبيهة بالجدل في أ، ها تنظر في كلا المتقابلين، وفي أنهما ليسا ينظران في شيءِ محدود نظرًا يبلغان به اليقين، لكن إِنما يبلغان من النظر ما دون اليقين. وقد تكلم في ذلك فيما كافيا.
1 / 7
وينبغي إِن نبتدئ بتعريف الأَقاويل المقنعة وما يرى أنه مقنع، فنقول: إِن الأَقاويل التي يكون بها الإِثبات والإِبطال كما أنها في صناعة الجدل صنفان: أحدهما الاستقراءُ، وما يظن به أنه استقراء، والصنف الثاني القياس، وما يظن به أنه قياس، كذلك الأَقاويل المثبتة في هذه الصناعة والمبطلة صنفان: أحدهما شبيه بالاستقراءِ وهو المثال، والآخر شبيه بالقياس وهو الضمير. والضمير الذي يظن به أنه ضمير وليس بضمير يشبه القياس الذي يظن به هنالك أنه قياس وليس بقياس. وكذلك المثال الذي يظن به أنه مثال وليس بمثال يشبه الاستقراء الذي يظن به أنه استقراءٌ وليس باستقراء. فالضمير هو القياس الخطبي، والمثال هو الاستقراء الخطبي. والخطباءُ إِذا تُؤمل أمرهم ظهر أنهم إِنما يفعلون جميع التصديقات التي تكون بالقول بهذين الصنفين، أعني إِما بالمثال، وإِما بالضمير، وذلك أنهم يؤمون بفعلهم هذا إِن يتشبهوا بالاستقراءِ والقياس. والذي يفعلون من ذلك إِنما يفعلونه بما هو مثال في الحقيقة وضمير في الحقيقة أو بما يظن به أنه كذلك، وليس كذلك. وقد تبين في كتاب القياس إِن كل تصديق فإِنه يكون بالقياس، وإِن الاستقراءَ والمثال إِنما يفيدان التصديق بما فيهما من قوة القياس. فأما ما هو القياس، وما الفصل بينه وبين البرهان، فإِنه قد قيل في كتاب الجدل. وقد تبين هنالك أيضا الفرق بين القياس والاستقراء.
والاستقراءُ والمثال يشتركان في إِن كليهما يثبتان إِن هذا الشيء موجود كذا، أو غير موجود كذا من أجل وجود ذلك الشيء أو لا وجوده في شبيهه.
والضمير والقياس يشتركان في إِن كليهما قول يوضع فيه شيء فيلزم عنه شيء آخر.
وإِذا كان الأَمر هكذا، فهو بيّن إِن في كل واحد من هذين الجنسين من القول نوعا خطبيا ونوعا جدليا ونوعا برهانيا ونوعا سوفسطائيا. فإِنه كما يوجد الاستقراءُ والقياس في هذه الصنائع، كذلك يوجد في الخطابة المثال والضمير. وإِنما تختلف في هذه الصنائع بجهة الاستعمال، أعني في صناعة البرهان وصناعة الجدل. والقياس في الجدل أوثق من الاستقراء. والمثال في الخطابة أقنع من الضمير؛ لأَن الضمير يتطرق إِليه العناد أكثر من تطرقه إِلى المثال. وسبب هذا سنخبر به فيما بعد، وكذلك كيف نستعمل هذه الأَشياء.
فأما الآن فينبغي إِن نحدد هذين الطريقين من الإِقناع: أعني الضمير والمثال، فنقول: المثال إِن القول المقنع إِما إِن يكون مقنعا لواحد من الناس، أو لجماعة من الناس أو لأَكثر الناس. وأيضا منه ما يكون إِقناعه في أمْرٍ كُلي، ومنه ما يكون في أمْرٍ جزئي. وكلا هذين منه ما يكون إِقناعه بينًا بنفسه، ومنه ما يكون إِقناعه بغيره في الجزئيات ضربان أحدهما إِن يقول القائل: إِن كذا إِنما هو كذا لموضع كذا، مثل قول القائل: إِن شراب السكنجبين ينفع فلانا لأَنه محموم. وهذا هو الذي يسمى الضمير. والضرب الثاني إِن يقول إِن كذا إِنما كان كذا لأَنه مثل كذا، مثل إِن يقول: إِن فلانا ينتفع بشراب السكنجبين، لأَن فلانا انتفع به. وهذا هو الذي يسمى المثال.
والمقنعات التي هي مقنعة عند واحد من الناس فليس تستعملها هذه الصناعة، لأَن ذلك غير متناه وغير معلوم عند المستعمل لها.
1 / 8
ولذلك ليست تستعمل هذه الصناعة من المقدمات المحمودة، أعني المقبولة، ما كان مقبولا عند واحد من الناس، وتلك هي الآراء الحادثة للناس عند الشروق والهوى، بل إِنما تستعمل المحمود عند الأَكثر أو الجميع على مثل ما تستعمله صناعة الجدل. وإِذا كان الأَمر هكذا، فالذي يفترق به القياس المستعمل في صناعة الجدل وفي صناعة البرهان من الضمير المستعمل في هذه الصناعة إِن القياس يرتب الترتيب الذي يكون به القول منتجا بالضرورة. وأما الضمير فإِنه ترتب مقدماته الترتيب الذي هو معتاد عند الجمهور إِن يقبل، وذلك هو بخلاف الترتيب الصناعي. فإِن الناس يستريبون باللازم عن القول الصناعي، ويرون إِن ذلك إِنما لزم من جهة الصناعة لا من جهة الأَمر في نفسه. وأيضا فإِن الترتيب الصناعي يقتضي إِن يصرح فيه بجميع المقدمات الضرورية في بيان ذلك المطلوب، والجمهور لا يستطيعون إِن يفهموا لزوم النتيجة التي تلزم عن مقدمات كثيرة. وأيضا فإِنهم لا يباعدون بين النتيجة والشيءِ الذي تلزم عنه النتيجة، أعني أنهم لا يصرحون في المقاييس بالمقدمتين جميعا مع النتيجة، بل إِنما يأتون بمقدمة واحدة ثم يردفونها بالنتيجة، مثل أنهم يقولون: هذا يدور بالليل فهو لص، ولا يقولون: وكل من يدور بالليل فهو لص، وهي المقدمة الكبرى. وأيضا فإِن الضمائر لما كانت تصنع في الأَكثر في الأُمور الممكنة، وذلك بيّن في الأُمور المشاورية، فإِنه ليس يشير أحد على أحد بأمر ضروري الوجود ولا ممتنع الوجود، وكانت المقدمة الكبرى في أمثال هذه المواد كاذبة بالجزءِ، لم يصرحوا بها في المقاييس التي يستعملونها في هذه الصناعة لئلا يفطن لكذبها. وأيضا فلما كانت المقاييس الجيدة الصنعة في هذه الصناعة إِنما هي أحد صنفين: إِما المقاييس التي تؤلف من المقدمات البينة إِقناعها بنفسه، وإِما من مقدمات تتبين مقدماتها بمقدمات أُخر تخلط بها، وإِلا لم يتبين حمدها، فقد يلحق ضرورة في هذا الصنف الثاني إِن يَعْسر تأْليف المقدمات وترتيبها الترتيب الصناعي لمكان كثرة المقدمات وطول الزمان الذي يصرح فيه بجميعها وترتب ترتيبا صناعيا. وذلك شيء لا يساعد عليه الحكام بل يحملون المتكلم بين أيديهم إِن يكون كلامه بسيطا غير متكلف فيه صنعة على عادة الجمهور. فإِنه متى كان الكلام ليس على هذه الصفة، كان غير مقنع، وذلك في الأَمرين اللذين يكون فيهما الإِقناع، أعني في إِن الشيء موجود أو غير موجود وفي أنه، إِذا وجد، محمود أو غير محمود. وكذلك إِذا استعمل التصديق بطريق أخذ الأَشباه، فاستقصى فجعلها على طريق الاستقراءِ، عرض العير الذي وصفناه من الطول والكثرة. وإِذا كان هذا هكذا، فإِذن القياس الخطبي وهو الضمير والمثال إِنما يكونان في الأَشياءِ التي يكون فيها القياس والاستقراءُ بإِطلاق. وتلك الأَشياءُ مأْخوذة بحال غير الحال التي أخذت بها في القياس والإستقراءِ. فإِذا استعمل تلك الأَشياءُ بالحال التي بيّن في كتاب القياس، عاد المثال استقراء، والضمير قياسا. وإِذا أخذت بهذه الحال التي ذكرنا، عاد الاستقراءُ مثالا والقياس ضميرا. وتلك الحال هي أخذ القياس والاعتبار بمقدمات قليلة وجيزة. فإِن الإِقناع إِنما يكون أكثر من ذلك بالمقدمات القليلة الوجيزة، أو بالمقدمات التي هي في غاية الظهور وحذف ما خفي منها. وأيضا فإِن المحمود في هذه الصناعة إِن يحذف اللازم عنه، ويؤتى بالشيءِ الذي الذي يلزم، لأنه إِذا أخبر باللازم والملزوم فكأنه قد ذكر الشيءَ مرتين، فيكون هزرًا في بادئ الرأي. وعلى هذا فلا يصرح بالحد الأوسط في القياس إِلا مرة واحدة، ولا في الاعتبار إِلا بشبيه واحد، فيكون القياس ضرورة ضميرا أي محذوفا إِحدى مقدمتيه، وبهذا سمي ضميرا، إِذ كانت إِحداهما مضمرة، ويكون اٌلإِستقراءُ ضرورة تمثيلا.
قال: ومقدمات القياسات الخطبية قد تكون ضرورية وذلك في الأَقل، وتكون ممكنة وذلك في الأَكثر. لأَن أكثر الفحص الجمهوري إِنما هو فيما يمكن إِن يكون بحال، ويمكن ألا يكون بتلك الحال. وذلك بيّن في الأَشياءِ التي يشار بها، وذلك أنها كلها أمور مفعولة للإِنسان. وليس يمكن إِن تكون الأَشياءُ المفعولة للإِنسان لا ضرورية الوجود ولا ممتنعة الوجود. والنتائج الضرورية فإِنها تكون بالذات عن مقدمات ضرورية، والممكنة عن مقدمات ممكنة.
1 / 9
والضمائر منها ما يكون عن مقدمات محمودة، ومنها ما يكون من الدلائل. وأعني بالمقدمات المحمودة التي ليست دلائل، مثل أنه ينبغي إِن يشكر المنعم وأن يُساءَ إِلى المسيء. وأعني بالدلائل الأَشياءَ التي تدل على وجود شيء لشيءٍ. وهذان الصنفان من المقدمات توجدفي المواد الضرورية والممكنة، أعني المحمودات والدلائل، وليس توجد في الممكنة على الأَكثر فقط، بل وفي الممكنة على التساوي وهي التي نسبتها إِلى المقدمات الممكنة على الأَكثر نسبة التي على الأَكثر إِلى الضروري، وهي نسبة الكل من البعض. وذلك إِن الصدق في الضرورية أعم من الصدق في الممكنة على الأَكثر، إِذ كانت الضرورية توجد لكل الموضوع، والممكنة على الأَكثر لا توجد لكله. وكذلك نسبة الممكنة على التساوي إِلى الممكنة على الأَكثر هي هذه النسبة، أعني إِن الممكنة على الأَكثر تصدق في موضوعاتها على اكثر مما تصدق الممكنة على التساوي.
والدلائل المأخوذة حدًا أوسط: منها ما هو أعم من الطرف الأَصغر وأخص من الأَكبر، ومنها ما هو أعم من الطرفين، ومنها ما هو أخص منهما.
أما الذي هو أعم من الطرف الأَصغر وأخص من الأَكبر فإِنه يأْتلف ضرورة في الشكل الأَول. وإِذا كان في المادة الممكنة على الأَكثر فهو الذي يعرفه القدماء بالأَشبه. ومثاله في المادة الضرورية: هذه المرأة لها لبن فهي قد ولدت. وفي الممكنة على الأَكثر: فلان يعد السلاح ويجمع الرجال وليس قربه عدو، فهو يريد إِن يعصى الملك. ومثال الممكنة على التساوي: فلان قد تعب، والمتعوب محموم، ففلان محموم. وهذا هو الذي يعرف بالمشبه.
وأما ما هو أعم من الطرفين فإِنه يأْتلف في الشكل الثاني إِلا أنه غير منتج إِلا في بادئ الرأي. مثال ذلك في المادة الممكنة على الأَكثر قول القائل: سقراط يتنفس متواترا، والمحموم يتنفس متواترا، فسقراط محموم. فهاتان المقدمتان صادقتان، والنتيجة قد تكون كاذبة، إِذ قد يمكن إِن يتنفس سقراط متواترا لموضع إِحضاره. ولما كان ذلك خافيا على كثير من الناس، إِذا رأوا في أمثال هذه المقدمات الصادقة أنها تنتج كذبا، ظنوا لذلك أنه قد انطوى فيها كذب، فيرومون إِن يعاندوا المقدمات، فيعسر ذلك عليهم لمكان صدقها، فيتحيرون لذلك.
وأما التي هي أخص من الطرفين فتنتج في الشكل الثالث جزئيا لا كليا، لكن تؤخذ نتيجته في هذه الصناعة كلية. مثال ذلك في المادة الضرورية قول القائل: الأَشياء كلها في كرة العالم، والأَشياءُ كلها في الزمان، فالزمان كرة العالم. وفي الممكنة قول القائل: الحكماءُ عدول، لأن سقراط حكيم وعدل.
والدلائل التي تكون في الشكل الثالث والثاني تخص باسم العلامة، وما كان منها في الشكل الأَول يخص باسم الدليل. والذي في الشكل الثاني هو أخص باسم العلامة من الثالث. كما أنه ما كان من ذلك في الممكنة الأَكثرية يخص الأَشبه، وإِن كان في الممكنة على التساوي خص باسم الضمير المشتبه.
فقد تبين من هذا القول ما هي المحمودات والدلائل والعلامات، وما الفرق بينهما. لكن الذي تبين من الأَقاويل القياسية على الحقيقة إِنما هو في كتاب القياس، وتبين في جنس جنس منها ما هو قياس وما ليس بقياس.
1 / 10