464

والجواب : إنه لا دلالة في الآية على ذلك، لأن البيان للقرآن يحصل بالتلاوة المرتلة وحسن الأداء ورفع الصوت بحيث يسمعه الحاضر المستمع، وتفصيل الآيات والكلمات وتحقيق الحروف. وقد روي أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرتل القراءة حتى لو شاء العاد أن يعد الحروف لعدها أو نحو هذا، وروي أن قراءته كانت مدا وأنه كان يفصل الآيات آية آية. فهذا بيان واضح، ولا دلالة في الآية على تبيين القرآن بالسنة، لأن البيان بالسنة للقرآن غير مذكور في الآية، بل يمكن أن الآية عامة لهما في قوله تعالى: ] ما نزل إليهم [ فالرسول مبين للكتاب وللسنة، وذلك بإبلاغ كل منهما بلاغا واضحا حتى يتبين للناس القرآن والسنة، ولا تدل الآية على أكثر من هذا، فالزيادة عليه بلا دليل دعوى على القرآن وتفسير بالرأي مردود، فأما البيان بمعنى التفسير فالقرآن واضح لأنه بلسانهم فلا يحتاج إلى ترجمة. وقد قال الله: ] إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون [(1)[290]) وقال تعالى: ] تلك آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون [(2)[291])وقال تعالى: ] تلك آيات الكتاب وقرآن مبين [(3)[292]) وقال تعالى: ] تلك آيات الكتاب المبين * نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون [(4)[293]) وقال تعالى: ] وكذلك أنزلنا إليك الكتاب [ إلى قوله تعالى: ] وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون * بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم [ إلى قوله تعالى: ] أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [(5)[294]) وقال تعالى: ] وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين [(1)[295]) وقال تعالى: ] فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم [ إلى قوله تعالى: ] وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين * ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين [(2)[296]) وقال تعالى: ] تلك آيات الكتاب الحكيم [(3)[297]) وقال تعالى: ] يس * والقرآن الحكيم [(4)[298]) وقال تعالى: ] إن هو إلا ذكر وقرآن مبين [(5)[299]) وقال تعالى: ] كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب [(6)[300]) وقال تعالى: ] ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر [(7)[301]) وقال تعالى: ] وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا [(8)[302]) وقال تعالى: ] ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد [(9)[303]) وقال تعالى: ] ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين [(10)[304])وقال تعالى: ] إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [(11) [305]) وقال تعالى: ] الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه [(1)[306]) وقال تعالى: ] أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا [ إلى قوله تعالى: ] وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا [(2)[307]).

صدق الله العظيم إن كتابه يهدي للتي هي أقوم، وإنه لبين مستقل بالهداية، كامل لا تحتاج كلماته إلى تتميم، عربي لا تحتاج العرب له إلى ترجمة، ولو لم يكن مستقلا بالهداية وإيضاح الحق لما استقامت التوصية به في حديث الثقلين وقد مر، وفي ألفاظه: « أما بعد أيها الناس، إنما أن بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي عزوجل فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله تعالى واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه »(3)[308])الحديث.

فكيف يصلح هذا لو كان القرآن مجملا مجهول المعنى لا يعرف معناه إلا بالسنة ؟ وأبعد من ذلك لو كان القرآن له معنى خلاف ظاهره باطن يؤول به وتدل السنة على تأويله، والظاهر غير مقصود كما تزعم الباطنية، ولو كان كذلك لما وصف بأنه بلسان عربي مبين، وأنه آيات بينات، وأن فيه الهدى والنور، وغير ذلك من أوصافه الكريمة في الكتاب والسنة، والحث على التمسك به الموجه إلى الناس بدون قيد ولا شرط، بل على ما يفهم السامعون من إطلاق التوصية، وعلى ما تفهم العرب من معنى القرآن. فكيف يصح مع هذا جعله معلقا موقوفا على السنة لا يعرف معناه إلا بعد عرضه عليها ؟ إن هذا القول فاسد بين الفساد لمن أنصف.

Страница 474