772

{ أو فساد فى الأرض } أما قتلتها بفساد كطعن وقطع طريق وردة وشرك فعبادة { فكأنما قتل الناس جميعا } لفتحه باب القتل وتجرئه الناس حتى كأن الناس قاموا كل يقتل آخر ، ولأن قتل الواحد كقتل الجميع فى جلب غضب الله D وانتهاك حد الله { ومن أحياها } أبقاها حية مثل أن يعفو عن قاتل وليه أو ينجى أحدا من موت بحرق أو غرق أو جوع أو عطش أو قاتل أو سبع أو داء بنحو دواء ونح ذلك . وزعم بعض أن المعنى من أعان على استيفاء القصاص { فكأنما أحيا الناس جميعا } وقد قتلوا ، وذلك لفتح باب إبقاء الحياة وترغيب الناس فيه ومراعاة حق الله وحدوده ، وفى ذلك محاماة إذ قاتل غيرك كقاتلك ومسارعة إذ كان محيى غيرك كمحييك فتحب المحيى وتعينه وترد مريد القتل وتبغضه { ولقد جاءتهم } أى بنى إسرائيل { رسلنا بالبينات } ماهو واضح يتبين به لهم الحق والباطل من آيات تنزل أو معجزات كالتوراة والزبور والإنجيل وصحف موسى العشر والعصا واليد والطوفان ومعجزات عيسى عليهم السلام { ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك } المجىء بالبينات { فى الأرض لمسرفون } بالمعاصى كالقتل وقيل بالإشراك ، وقيل بالقتل كما أسرف قابيل ، ولم يتأثروا بما جاءت به الرسل ومن ذلك شأن التيه إذ لم يقدروا على الخروج منه مع أن الشمس تطلع والقمر والنجوم والفجر ، ومن ذلك المن والسلوى وأعطاهم من الكسوة ما يكفى على مقدارهم لما شكوا الجوع والعرى ولا تطول شعورهم ، قيل : وإذا ولد لهم مولود كان كاظفر يطول بطوله ويتسع بقدرة كذا قيل ، ومع موسى حجر من الطور يضربه بعصاه فتخرج منه اثنتا عشرة عينا ويضربه فيكف الماء وأرسل اله عليهم الغمام يظلهم ولو كانوا يرون منه الشمس ويطلع عليهم عمود من نور بضىء لهم ليلا وذلك كله نعمة ولو كفروها إذ كدرها حبسهم ولم يبق بعد الأربعين إلا أولادهم الذين دون العشرين فخرجوا مع يوشع وفتح الشام كلها واستباح منها ثلاثين ملكا وفرق عماله فيها وجمع الغنائم ولم تزل النار فأوحى الله D إليه أن فيها غلول مرهم يبايعونك فالتصق يد رجل منهم بيده فقال هلم ما عنك فأتى برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر فجعله فى القربان مع الرجل فنزلت النار فأكلت الرجل والقربان ، وكان العصبة تجتمع على عنق رجل من الجبارين بالضرب ، وكادت الشمس تغرب ليلة السبت فدعا الله D فردت أو وقفت ساعة حتى فرغوا ، روى أنه قال للشمس : أنت فى طاعة الله وسأل الله ووقف له القمر والشمس معا ولما حان موت موسى سأل الله أن يدنيه للمقدس رمية حجر ولم يسأل الدفن فيه لئلا يعبد قبلاره ، وجرى على منوال قابيل وفسقه بنى إسرائيل كفرة هذه الأمة بالقتل وغيره ، ونزل فى ذلك قوله تعالى

{ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } لمحاربة المسلمين أى الموحدين الذين لا تحل دماؤهم فمحاربة المسلمين محاربة لرسول الله A ، وذكر الله تعظيما كقوله تعالى : يؤذون الله ورسوله ، ولو حاربوا الرسول صلى اله عليه وسلم لكانوا مرتدين وإنما المراد قطاع الطريق ، قيل : ويحاربون أولياء الله ورسوله بجر رسول فى هذا التقدير ، وفيه أنه لا يختص التحريم بأولياء الله الله تعالى بل يعم كل من لا يحل قتله وذلك فى زمانه وبعده ، وفى جعل محاربة المسلمين محاربة لله ورسوله تعظيم لهم ، وأصل الحرب أخذ المال وتك صاحبه بلا شىء والمراد قطع الطريق باجتماع وقوة وشوكة وتعرض لمن عصم دمه ومال من عصم ماله من أهل التوحيد وغيرهم ، وذكر الله ورسوله لأن قطع الطريق مخالفة لأمر الله وهى أمر عظيم ، وذلك فى غير العمران ، أطلق عليه الحرب حقيقة عرفية أو مجازا لأنه سبب أخذ المال ومن ذلك المكابرة باللصوصية ولوفى مصر أو ليلا كما قال أبو يوسف ، وقال أبو حنيفة ومحمد لا نجرى عليه فى المصر أو فى أقل من مسافة السفر أحكان قطاع الطريق بل أحكان السرقة أو القتل { ويسعون } يجتهدون وأصله إسراع المشى { فى الأرض } أرضهم وأرض غيرهم { فسادا } هذا السعى فى الأرض فسادا هو المحاربة المذكورة ذكرت باسم عام ثم يبخاص أى مفسدين إفساد أو نفس الإفساد مبالغة أو لأجل الإفساد ، أو يقدر مفسدين إفسادا أو ضمن يسعون يفسدون ، وهو فى ذلك كله اسم مصدر كما رأيت وأجاز المبرد حالية المصدر قياسا وهو أوفق لأنه مجاز والعلاقة الاستقاق أو التعلق والمجاز مقيس { أن يقتلوا } بلا تصليب شدد للمبالغة فيمن يقتل بمعنى أنه لا بدمن القتل ولا ينجو منه بعفو الولى أو أخذ الدية أو يقتلوا كلهم لا فى نفس القتل لأنه لا يقبل الزيادة وذلك قصاص إن أفردوا القتل وإن شاء الولى عفا أو أخذ الدية ولو لم يتعدد ذلك منهم فللإمام قتلهم ولو عفا الولى أو أخذ الدية ولو لم يتعدد ذلك ، وقيل إن تعدد تبادر التجدد من قوله يحاربون ويسعون { أو يصلبوا } مكفتين إن كفتوا وأخذوا المال ومذهبنا أن لا يصلب موحد ، والتصليب أن يعرض بخشبة ويطعن حتى يموت ، وبه قال أبو حنيفة وصاحبه محمد وقيل يقتل ثم يصلبوا ثلاثة أيام وإن خيف تغيره أنزل قبل تمام الثلاثة ، وقيل يصلبون قليلا قدر ما يعتبر به فينزل ويقتل وقيل يعرض ثلاثة أيام ثم ينزل فيقتل ، وقيل يعرض بها حتى يموت وقيل يقتل ثم يعرض ويترك حتى ينتن ويسيل ويتهرأ ويغسل ويصلى عليه غير المظور إليه عقب القتل فى ذلك كله ، وقيل يصلى عليه بلا غسل ، ومشهور المذهب إطلاق أنه لا يغسل ويصلى عليه وكذلك الخلاف فى المقتول بلا صلب وقيل يقتل قصاصا وبصلب نكالا وعبرة ولا غسل لمشرك ولا صلاة { أو تقطع أيديهم } اكفهم { وأرجلهم } أقدامهم { من خلاف } الأيدى اليمنى والأرجل اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال وذلك أن اليد التى تقطع فى السرقة هى اليمنى فكذا هاهنا ويزداد إليها قطع الرجل اليسرى ، قال A :

Страница 275